أضعف مشاهد المسيح كشفت قوته..17 قرنًا والصليب يحكي وجع الإنسان ورجاءه
قبل سبعة عشر قرنًا، خرجت الملكة هيلانة تبحث عن خشبة ارتبطت بأكثر مشاهد المسيح ألمًا، فعثرت على الصليب عام 326م، ولم تكن تعرف أن الخشبة التي خرجت من عمق التاريخ ستظل، بعد كل هذه القرون، حاضرة في حياة أجيال لم تر ذلك المشهد لكنها وجدت فيه معنى يلامس وجعها ورجاءها.
تعاقبت الوجوه والسنون، وتغيرت الأيات منذ ذلك الحين، لكن الإنسان ظل يحمل أوجاعه وأسئلته القديمة، يضعف أمام ما لا يستطيع تغيره، تثقل رأسه الأفكار، وتؤلمه الخطية ويبحث في لحظات انكساره عن قوة تسنده حين لا تعود قوته وحدها كافية.
ولم تكن حكاية الصليب في عيده هذا العام مجرد عودة إلى واقعة تاريخية مضى عليها 17 قرنًا، وإنما بدت كأنها تستعيد سؤالًا إنسانيًا لا يشيخ "كيف يمكن لمشهد بدأ في ظاهرة أقرب إلى الضعف والانكسار، أن يصبح علامة للقوة والرجاء؟"، وبهذا السؤال، اجتمعت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية مساء أمس الأحد، في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، للاحتفال بمرور 17 قرنًا على اكتشاف خشبة الصليب المقدس، تحت شعار "بهذا تغلب - صليب المسيح قوة الله" (٣٢٦ - ٢٠٢٦)"، بحضور قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، وأعضاء المجمع المقدس، وبمشاركة كهنة ورهبان وراهبات وخدام من إيبارشيات الكرازة المرقسية بمصر.

خشبة عبرت القرون وما زالت حاضرة
لم تبدأ الاحتفالية بكلمة على المنصة، وإنما بدأت بقطعة من خشبة الصليب حملها قداسة البابا تواضروس الثاني معلنًا انطلاق الحفل، لتتجه إليها الأنظار، ويتقدم الآباء المطارنة والأساقفة واحدًا تلو الآخر لنوال البركة منها، وفي تلك اللحظة بدا التاريخ قريبًا بصوره مختلفة، فبعد قرون طويلة من اكتشاف الملكة هيلانة للخشبة، يقف جيل جديد أمام قطعة منها، فيما تتصل لحظة أمس بحكاية بدأت في القرن الرابع.
ثم التقطت صورة تذكارية توسطها قداسة البابا، وفي يده القطعة المقدسة، بينما عرضت الشاشات لقطات تخيلية لقصة اكتشاف الصليب، لتستعيد أمام الحاضرين رحلة البحث عن الخشبة التي ارتبطت بواحد من أكثر الأحداث حضورًا في الذاكرة المسيحية، ومن الصورة إلى الموكب، تحركت الاحتفالية نحو مسرح الأنبا رويس، وسار قداسة البابا والآباء المطارنة والأساقفة وسط ترتيل خورس الشمامسة لألحان الصليب، قبل أن يوقع قداسته على الوثيقة التي تؤرخ للمناسبة.

ولم تظل البركة محصورة في الموكب فحسب، إذ أتيحت للمدعوين فرصة نوال البركة من قطعة خشبة الصليب، في مشهد أعاد المناسبة من التاريخ إلى الحاضر، ومن قصة اكتشفت قبل 17 قرنًا إلى أناس يقفون اليوم أمامها.
وحين جاء السؤال..تحدث الصليب
بعد أن استعاد المشهد حكايته الأولى، انتقلت الاحتفالية إلى محاولة الاقتراب من معنى الصليب نفسه، وجاءت كلمة الأنبا يوأنس، مطران أسيوط وسكرتير المجمع المقدس، لتضع في مركز الحكاية، مؤكدًا أهمية التركيز الدائم عليه، مستشهدًا بقول المعلم بولس الرسول: "لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا" (١كو ٢: ٢).

لم تكن الكلمات هنا ابتعادًا عن المشهد الأول، وإنما عودة إلى جوهره، فالخشبة التي نال منها الحاضرون البركة لم تكن في الوجدان المسيحي مجرد أثر من الماضي، بل بقيت عبر القرون قريبة من وجع الإنسان، من قلب أنهكته الأيام، وروح أثقلتها الخطية، ونفس تبحث وسط عتمة الطريق عن نافذة من نور، ولهذا ظل الصليب معنى يتجدد، يحمل الرجاء حين يثقل اليأس ويمنح القوة حين تخذل الإنسان قوته، ويترك في النفس مساحة صغيرة لتصدق أن ما انكسر فيها ليس بالضرورة نهاية الحكاية.
كلمات شعرية خرج منها الصليب إلى القلوب
قدم المرتل إبراهيم فرج، مرتل كنيسة الملكة هيلانة بالمعادي، قصيدة شعرية عن الصليب وكأن التاريخ الذي ارتبط باسم الملكة هيلانة عاد مرة أخرى إلى المشهد لكن في صورة كلمات تحاول أن تمنح الحكاية لغة آخرى.

"كانوا محتاجين"..حين صار الوجع مشهدًا
جاء المسرح ليطرح سؤال بصورة أكثر قربًا من الإنسان، حمل العرض المسرحي اسم "كانوا محتاجين"، عنوانًا بدا في حد ذاته كأنه من حكاية الصليب، فالاحتياج حالة يعرفها الإنسان في ضعفه، حين يحتاج إلى غفران، أو إلى رجاء، أو إلى قوة تعينه على مايعجز عن احتماله وحده، وتضمن العرض عددًا من الترانيم و الفريق المسرحي بكنيسة الشهيد مارجرجس بسوهاج، وفريق كورال "ثمرة شفاه" التابع للكنيسة ذاتها، بالاشتراك مع فريق كورال "أبناء الرسل" بإيبارشية أسيوط، وفريق كورال "أنغام سماوية" بكنسة السيدة العذراء مريم بالفجالة.
وهكذا لم تعد القصة مجرد تاريخ عن خشبة اكتشفتها الملكة هيلانة قبل 17 قرنًا، وإنما أصبحت أمام الحاضرين مشاهد وألحانًا وكلمات تتحدث عن الإنسان نفسه، عن احتياجه الذي يتغير في تفاصيله لكنه لا يختفي وعن بحثه المستمر عما يمنحه القدرة على الاستمرار.
من خشبة الصليب إلى أوجاع الإنسان
وفي نهاية الاحتفالية، عاج قداسة البابا تواضروس الثاني إلى الصليب، لكن هذه المرة من زاوية شديدة القرب من حياة الإنسان اليومية، فبعد أن أثني قداسته على العمل المسرحي بكل عناصره، وقدم التحية لنيافة الأنبا يؤأنس وللمرتل إبراهيم فرج الذي ألقى القصيدة الشعرية، تحدث عن الصليب من خلال صلوات الكنيسة نفسها، ثم توقف البابا عند ما يصليه الأقباط في صلاة الساعة السادسة "اقتل أوجاعنا بألامك الشافية المحيية"، وأيضًا عبارة "أنقذ عقولنا من طياشة الأعمال الهيولية"، ومن هاتين العبارتين انتق البابا تواضروس إلى الإنسان فالخطية، كما أوضح، لها وجع لا يقتله إلا الصليب وكذلك العقل تخطر به أفكار كثيرة بلا معنى، ينقذ منها الصليب، لذلك يصلى الأقباط بهاتين العبارتين اللتين يعتبرهما عارضتي الصليب الرأسية والأفقية.

هنا بدا أن المسافة بين خشبة اكتشفت عام 326م، وإنسان يقف في عام 2026م، ليست بالاتساع الذي يوحي به القرون فالوجع لا يعرف زمنًا وكذلك حاجة الإنسان الرجاء والقوة.
17 قرنًا..وما زالت الحكاية تروى
ربما لهذا تنته الحكاية عند اللحظة التي عثرت فيها الملكة هيلانة على الخشبة، فمنذ ذلك الاكتشاف عبر الصليب قرونًا طويلة وظل حاضرًا في ذاكرة الكنيسة وصلواتها وألحانها، حتى جاءت احتفالية اليوم لتضع الخشبة مرة أخرى في قلب المشهد يحملها البابا، وينال منها الأساقفة البركة ويترنم أمامها الشمامسة ويكتب التاريخ وثيقته، ثم يدخل المسرح ليحكي عن أناس "كانوا محتاجين".

وبين خشبة خرجت من الأرض قبل 17 قرنًا، وإنسان مازال يحمل أوجاعه حتى اليوم، ظلت الحكاية واحدة في جوهرها أن ما يبدو في لحظة ما ضعفًا وانكسارًا، يمكن أن يصبح في الإيمان مصدرًا للقوة والرجاء.
ذكرى تستحق أن تروى للأجيال
لم تعد ذكرى اكتشاف خشبة الصليب مجرد احتفال بعام 326م، بل صارت مناسبة تعيد فتح الحكاية أمام جيل جديد، جيل لم ير الملكة هيلانة وهي تبحث، ولم يشهد لحظة اكتشاف الخشبة، لكنه ما زالرف أن يتعب الإنسان، وأن يحتاج وأن يبحث وسط ألمه عن رجاء. وبعد 17 قرنًا، بقيت الخشبة نفسها شاهدة على أن يعض الحكايات لا تعيش لأنها تنتمي إلى الماضي، وإنما لأنها تجد في كل زمن إنسانًا جديدًا يحتاج أن يسمعها من جديد.