جريمة هزّت مصر في التسعينيات
29 حالة وحقن قاتلة.. القصة الحقيقية وراء «عنبر الموت»
تستعد إحدى المنصات لعرض مسلسل «عنبر الموت» المكوّن من 12 حلقة، مستعيدًا واحدة من أكثر القضايا الجنائية إثارة للجدل في التسعينيات، وهي قضية الممرضة "عايدة" التي اتُهمت بالتسبب في وفاة مرضى داخل أحد المستشفيات باستخدام عقار قاتل.
وتدور الأحداث حول "عايدة" التي تجسد شخصيتها الفنانة منة شلبي، بعدما تحولت من ممرضة تعمل داخل المستشفى إلى متهمة رئيسية في سلسلة من الوفيات الغامضة، لتبدأ واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا، والتي امتدت لسنوات بين التحقيق والمحاكمة والنقض وإعادة المحاكمة.

بدأت خيوط القضية في الظهور عام 1997، بعدما لاحظ الطبيب عادل عيسى تكرار حالات وفاة لمرضى في العناية الفائقة، رغم استقرار حالات بعضهم وتجاوزهم مرحلة الخطر.
ولفت تشابه الأعراض المصاحبة للوفيات انتباه الطبيب، خاصة ضيق التنفس والشلل وارتخاء عضلات الحنجرة، وهي أعراض قادته إلى الاشتباه في استخدام عقار "البافلون"، المعروف بتأثيره على ارتخاء العضلات ويُستخدم طبيًا في ظروف محددة مرتبطة بالتخدير وتأمين مجرى التنفس.
لاحظ الطبيب أن عددًا من حالات الوفاة ارتبط بوجود "عايدة" في القسم، بينما لم يتكرر النمط ذاته خلال فترات غيابها أو حصولها على إجازة، وهو ما دفعه إلى إثارة الأمر مع مسؤولي المستشفى.
وازدادت الشكوك عقب وفاة المريض عبد القادر إبراهيم، الذي كان قد تجاوز مرحلة الخطر ويستعد للخروج من المستشفى، قبل أن تتدهور حالته ويفارق الحياة.
وتقدم الطبيب ببلاغ إلى الشرطة، مطالبًا بفحص الجثمان، ليُستخرج من مدفنه وتُجرى عليه الفحوص، التي كشفت عن آثار لعقار "البافلون"، لتتحول القضية من واقعة وفاة منفردة إلى تحقيق جنائي واسع.
وارتبطت بالقضية 29 حالة أخرى، وأصبحت الوفيات المتكررة داخل القسم محور تحقيقات مكثفة.
أقرت "عايدة" خلال التحقيقات الأولى، بحقن عدد من المرضى بالعقار، وتحدثت عن بعض الحالات محل الاتهام، كما برزت خلال التحقيقات تفاصيل عن علاقتها بطبيب يدعى هشام، وقيل إنها كانت تستغل تدهور حالة بعض المرضى لاستدعائه إلى القسم.
لكن أقوالها لم تستقر على موقف واحد، إذ عادت خلال مراحل لاحقة من القضية لتنفي ما نسب إليها، مؤكدة أن اعترافاتها الأولى جاءت في ظل ضغوط نفسية.
كما دفع دفاعها بأنها كانت تحت تأثير عقار "أفيل" المستخدم لعلاج الحساسية أثناء التحقيق، في محاولة للتشكيك في سلامة اعترافاتها وقدرتها على الإدلاء بأقوال واعية.
كما ظهرت شهادات أخرى في القضية، من بينها شهادة والدة عبد القادر، التي قالت إنها شاهدت عايدة تحقنه قبل وفاته بفترة قصيرة.
كما برزت حالة الطفلة "صباح"، التي قيل إنها نجت بعدما تدهورت حالتها، وأصبحت شهادتها إحدى الوقائع التي دعمت الشكوك حول استخدام العقار داخل القسم.
انتهت المحاكمة الأولى بصدور حكم بإعدام عايدة نور الدين شنقًا، بعدما أدانتها المحكمة في الاتهامات المنسوبة إليها.
وتولى المحامي حسن أبو هيف الدفاع عنها، وركز في مرافعته على سؤال محوري: هل يكفي ثبوت إعطاء العقار لإثبات وجود نية القتل؟
واتجه الدفاع إلى التشكيك في توافر القصد الجنائي، كما طعن في بعض الأدلة التي استندت إليها القضية، وعلى رأسها شهادة الطبيب عادل عيسى والاعترافات الأولى.
ولم يتوقف الدفاع عند ذلك بل أثار تساؤلات حول مسؤوليات الإشراف الطبي داخل المستشفى، وطرح تساؤلًا بشأن حالات الوفاة التي وقعت في فترات غياب "عايدة"، ومن يمكن أن يكون مسؤولًا عنها إذا كان الاتهام يقوم على ربط الوفيات بوجودها وحدها.
أُعيد بحث عدد من عناصر القضية، مع النقض وإعادة المحاكمة، من بينها الاعترافات والظروف التي أدلت فيها عايدة بأقوالها، وطبيعة عقار البافلون، وشهادات الأطباء والممرضات، ومدى توافر نية القتل.
كما شهدت جلسات إعادة المحاكمة نقاشًا حول تأثير عقار أفيل على أقوال المتهمة، إذ تمسك الدفاع بأنها كانت تحت تأثيره أثناء التحقيق، بينما رفض الطبيب عادل عيسى هذا الطرح، مؤكدًا أن العقار لا يؤدي، إلى فقدان الإدراك أو الهذيان بالصورة التي يمكن أن تفسر الاعترافات.
وأصبحت القضية أكثر تعقيدًا مع تعدد عناصرها بين وفيات متكررة، وعقار طبي شديد التأثير، واعترافات تراجعت عنها المتهمة، وشهادات خضعت للمناقشة، وتساؤلات حول المسؤولية الطبية والإشراف داخل المستشفى.
وفي عام 1998، شهدت القضية تحولًا قانونيًا بارزًا، بعدما قررت محكمة جنايات الإسكندرية تعديل وصف الاتهامين الرئيسيين.
فبدلًا من اتهام عايدة بالقتل العمد للمريض عبد القادر إبراهيم والشروع في قتل 29 آخرين، اعتبرت المحكمة الواقعة الخاصة بعبد القادر إعطاء مادة ضارة، هي عقار البافلون، في غير الحالات التي تستدعي استخدامه ودون اتباع الإجراءات الطبية اللازمة، مع عدم ثبوت قصد قتله بالصورة التي تتطلبها جريمة القتل العمد.
من حبل المشنقة إلى السجن
غيّر هذا التعديل مسار القضية بالكامل، إذ انتقلت من اتهام بالقتل العمد انتهى في المحاكمة الأولى إلى حكم بالإعدام، إلى توصيف قانوني مختلف يتعلق بالفعل ونتيجته.
وبعد رحلة قضائية طويلة تبدل المصير الذي بدا محسومًا في البداية، وحُكم على عايدة بالسجن 10 سنوات، قضت منها سبع سنوات قبل الإفراج عنها.
وبعد خروجها من السجن ظهرت في لقاء إعلامي مع الإعلامي الراحل وائل الإبراشي، وتحدثت عن سنوات المحنة التي عاشتها بين حكم الإعدام وإعادة المحاكمة ثم الإفراج، مستعيدة التحول الكبير الذي مرت به القضية من حكم بالإعدام إلى السجن لمدة 10 سنوات والإفراج بعد قضاء جزء من العقوبة.
وتعود القضية بعد عقود على شاشة التلفزيون من خلال "عنبر الموت"، في معالجة درامية تستعيد تفاصيل واحدة من أكثر القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا حول الأدلة والاعترافات والمسؤولية الطبية والقصد الجنائي.