في حوار لـ "الوفد"..
وزير الداخلية الليبي الأسبق: العدالة ليست انتقامًا.. ولا تصالح مع أصحاب الفكر المتطرف
في مرحلة دقيقة من تاريخ الدولة الليبية، تتقاطع ملفات العدالة وسيادة القانون مع جهود بناء الدولة وتوحيد المؤسسات الأمنية والقضائية.
ويأتي هذا الحوار الشامل مع المستشار إبراهيم بوشناف رئيس اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجون والسجناء ووزير الداخلية الأسبق لليبيا، يفتح الملفات الأكثر حساسيات على الساحة الوطنية والدولية.
رسم بوشناف خارطة طريق محددة للتعامل مع الحدود المشتركة مع مصر، والتحديات المعقدة لملف الهجرة غير الشرعية والتنظيم الأمني للعمالة المصرية والوافدة.
تحدث بوشناف بعمق عن المبادئ الحاكمة للعدالة الناجزة محذراً من تحولها إلى "انتقام"، واستعرض تطوير البنية التحتية للمؤسسات الإصلاحية.
كما استذكر محطات مفصلية في حرب ليبيا ضد الإرهاب والدور الذي لعبته القوات المسلحة في تطهير البلاد.
وإلى نص الحوار الصحفي التفصيلي الكامل
س: معالي المستشار، ذكرتم في كلمتكم خلال المؤتمر أن "العدالة ليست انتقاماً".. كيف يشعر المواطن البسيط بتطبيق هذا المباني والإنصاف على أرض الواقع؟
العدالة بصفة عامة هي للإنصاف، وإحقاق الحق، وإعادة الحقوق لأصحابها في حال وجود أي تعدٍّ. ولذلك، فإن العدالة لا توجد فيها أي روح انتقامية؛ فإذا كان هناك شخص مفرَج عنه، أو موجود في السجن وتستدعي الظروف القانونية أو الإنسانية الإفراج عنه، أو يقتضي الأمر تخفيف العقوبة الصادرة بحقه، فهذا هو صلب عملنا وما نسعى لتطبيقه عملياً لضمان إرساء العدالة.
س: يتكرر شعار "إصلاح السجون وحماية كرامة النزلاء"، ورأينا أوراقاً بحثية تُناقش خلال المؤتمر تتحدث عن تأهيل المسجونين والكرامة الإنسانية..فما هي الخطوات الفعليه التي تم اتخاذها داخل السجون الليبية؟
بالنسبة للسجون الليبية الآن، هناك تطوير ملموس وشامل شمل البنية التحتية لمؤسسات الإصلاح والتأهيل. على سبيل المثال، سجن "الكويفية" الرئيسي في بنغازي، أصبح يضم حالياً مستشفى متكاملاً مزوداً بأطقم طبية كاملة، إلى جانب إنشاء مركز مستقل ومتخصص لعلاج الإدمان داخل السجن. وكذلك سجن "قرنادة"، تم تطوير البنية التحتية فيه بالكامل بما يحفظ كرامة النزيل. ولكن الأهم من كل ذلك، هو أن نزلاء هذه السجون – إلا ما ندر – هم من مرتكبي الجرائم، وخاصة الجرائم الماسة بأمن الدولة.
س: تحدثتم عن الجرائم الماسة بأمن الدولة.. كيف تقيمون معركة ليبيا الشرسة ضد الإرهاب والنتائج المترتبة عليها اليوم؟
الحرب على الإرهاب هي حرب عالمية وليست مجرد حرب وطنية؛ فالعالم كله معني ومطالب بالمشاركة في الحرب على الإرهاب. ليبيا خرجت بفضل الله من حرب شرسة ضارية ضد هذا الخطر. مدينة بنغازي التي ترونها اليوم آمنة ومستقرة، كنا شهودًا موجودين في بداية "معركة الكرامة"، وكان يوجد فيها نحو 17 ألف إرهابي (بينهم قيادات إرهابية بارزة مثل "الوالي التونسي"، وقاضي القضاة الموريتاني) في حين أن القوة التي دخلت لمواجهة وتطهير هذا التواجد برئاسة المشير حفتر ، لم تكن تتعدى 300 شخص فقط..ما حدث كان معجزة بكل المقاييس والمعايير. ولذلك أنا مُصرّ دائماً على وصف الجيش الليبي بـ "الجيش الليبي العظيم"، لأنه جيش انتصر على الإرهاب وحقق نصراً تاريخياً.
س: كيف يمكن تحقيق التوازن بين المصالحة الوطنية والعدالة، دون أن تتحول المصالحة إلى وسيلة للإفلات من العقاب؟
مفهوم المصالحة الوطنية هو مفهوم شامل. نحن أثناء عملنا في مجلس الأمن القومي في السابق، تقدمنا بمشروع قانون إلى مجلس النواب لتعويض ضحايا الحروب والنزاعات المسلحة؛ إذ إنه لا توجد ولا تتحقق مصالحة دون "جبر الضرر". المصالحة في جوهرها وقوامها تتطلب تنازلات مؤلمة من الأطراف كافة. أما ما يسمى بموضوع "العدالة الانتقالية"، فأعتقد أن الزمن قد تجاوزها في ليبيا باعتبار أن المؤسسات العدلية والقضائية قد استقرت، والقضاء القائم قادر تماماً على إيصال الحقوق لأصحابها. فالقضاء الليبي يحفظ حقوق الجميع، والثقة فيه كانت ولا تزال قائمة.
س: هل يمكن الحديث عن مصالحة شاملة في ظل الانقسام السياسي القائم حالياً؟ وما هي الخطوات العملية المتبعة؟
هذا الانقسام الموجود هو أول وأهم مستهدفات المصالحة الوطنية؛ فمن ضمن المصالحة لا بد من إعادة توحيد المؤسسات. وإعادة توحيد المؤسسات ملف يتم العمل عليه بقوة الآن، فالليبيون في كل الجهات والمناطق سعيُهم جاد لإعادة توحيد بلادهم.
س: الحدود المصرية-الليبية تتجاوز 1000 كيلومتر.. كيف يتم التنسيق مع مصر لتأمين هذه الحدود الممتدة ومواجهة الهجرة غير الشرعية؟
بالنسبة لنا كليبيين، سواء في موروثنا الثقافي والاجتماعي أو في توجهنا السياسي، تعتبر الحدود الوحيدة الآمنة كلياً هي الحدود المصرية. الجانب المصري يفي بكافة الالتزامات والتطلعات بالنسبة لنا، وكل ما يأتي من مصر هو بالسيادة وفي مصلحة ليبيا؛ لأن مصر دولة مدركة لجميع أبعاد الأمن القومي الليبي كما تدرك أبعاد أمنها القومي المصري. وبالتالي هذا الجانب الحدودي مؤمّن بالكامل بالنسبة لنا.
س: وكيف يتم التعامل مع الملف الدولي الشائك الخاص بالهجرة غير الشرعية؟
الهجرة غير الشرعية أصبحت للأسف منظومة دولية. أوروبا تنظر إلى ليبيا باعتبارها جزءاً من إفريقيا، ويقولون إن أوروبا أخذت حصتها من المهاجرين وعلى ليبيا أن تأخذ حصتها من المهاجرين وتستوعبهم.. الفكرة التي طرحناها أكثر من مرة (حتى أثناء عملنا السابق في الأمن القومي ووزارة الداخلية)، تتلخص في ضرورة أن تضع ليبيا سياسة واضحة لتوطين من نحتاجهم فقط من العمالة، والباقون يتم إرجاعهم إلى بلدانهم. لكن المشكلة تكمن في أن عملية إرجاع المهاجرين الأفارقة إلى بلدانهم تشوبها صعوبة شديدة جداً لكونهم بلا مستندات إثبات شخصية؛ فعندما تحاول ترحيل مهاجر إلى النيجر يقول لك إنه تشادي، وهكذا.
س: تحدثتم عن وجود 17 ألف إرهابي سابقاً في بنغازي.. هل هناك عناصر منهم موجودون داخل السجون الليبية حالياً؟
نعم، المقبوض عليهم أو الذين تم أسرهم أثناء الحرب موجودون بالسجون. ولكن بالطبع ليس بمجمل العدد المذكور (17 ألفاً)، لأن غالبية تلك العناصر تسربوا وهربوا، وقامت حرب أخرى على الإرهاب في مدينة "سرت" أيضاً لأنهم اتخذوا من سرت ملاذاً لهم، وقد قام الجيش الليبي العظيم بتطهير سرت كذلك من الإرهاب.
س: هناك آلاف العمال المصريين يعملون في ليبيا حالياً.. هل هناك منظومة لحماية حقوق وحرية هؤلاء العمال في ليبيا؟
بالنسبة للعمالة بصفة عامة، والذين يدخلون بدون إجراءات رسمية، عندما كنا في وزارة الداخلية أنشأنا بطاقة تُسمى "بطاقة الحصر". بطاقة الحصر هذه تغني العامل عن باقي الإجراءات المعقدة.
وكل من يتحصل على "بطاقة الحصر" يدخل فوراً ومباشرة ضمن المنظومة الأمنية الليبية لضمان حمايته.
وبالنسبة للشعب المصري تحديداً، نؤكد مجدداً أنهم جزء منا ونحن جزء منهم. ولم تسجل أي اعتداءات إطلاقاً على العمال المصريين ، وخاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة.
س: كم يبلغ عدد العمال المصريين الموجودين في ليبيا بشكل مبدئي؟
ليس لدي فكرة عن الرقم بالتحديد ولا أستطيع إعطائكم عدداً حاسماً.
س: هناك شكاوى متزايدة من طول فترات الحبس الاحتياطي.. هل سيتم معالجة وتدارك هذه الأزمة؟
نحن حرصنا على أن يكون هذا المؤتمر خطوة مستمرة وألا يكون طفرة مؤقتة؛ وذلك لمراجعة ملف فترات الحبس الاحتياطي بصفة دائمة ومستمرة. وطول فترة الحبس الاحتياطي يرجع لعدة أسباب؛ منها حالة الانفلات الأمني والإداري التي حدثت بعد الثورة، مما أدى لتراكم قضايا أصبحت تتطلب وقت لإعادة النظر والتحقيق فيها من جديد بواسطة الهيئات والمؤسسات القضائية التي تسعى بكل جهد لمعالجتها.
س: هل تشمل المصالحة الإفراج عن كافة الفئات حتى الذين كانوا ينتمون لتنظيمات مثل "الإخوان المسلمين" أو من كان خارج السياق العام؟
المصالحة الوطنية كما ذكرت هي مفهوم شامل يفترض أن يشمل الجميع. لكن، إذا كان التنظيم إرهابياً، وصنفته الدولة في مصر بالإرهاب، وصنفته الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالإرهاب، فلا أعتقد أن هناك دولة في العالم تتصالح مع الإرهاب بأي حال من الأحوال؛ إلا إذا استقام الشخص وتخلى عن التنظيمات والتحزب وعاد عضواً صالحاً في المجتمع.
من يحمل فكراً متطرفاً سيبقى على هذا الفكر، ومن قاتل ضد القوات المسلحة في الحرب على الإرهاب لا تصالح معه.
أما بقية النزلاء من أصحاب الجرائم البسيطة أو الوقتية، فقد صَدرت بحقهم أحكام أو تم إخلاء سبيلهم (مثل الإفراج الأخير عن 250 نزيلاً)، وقد اندمجوا فوراً في المجتمع ودون أي مشاكل أو حاجة لبرامج إعادة تأهيل معقدة.
س: مع استمرار الانقسام الحاصل، كيف تستطيع لجنة السجون فرض سلطة القانون والتنفيذ عملياً؟
في مناطق سيطرة القوات المسلحة، اللجنة مدعومة بأعلى درجات القوة وبإحكام من سيادة الفريق أول صدام حفتر (القائد العام). وبالتالي كان عمل اللجنة سلس جداً وبدون أي اختراقات أو عرقلة.
وهناك دعوات ومطالبات جارية الآن لتحويل هذه اللجنة إلى "مؤسسة دائمة"، ويصدر بها تشريع رسمي وقانون من مجلس النواب لكي تستطيع ممارسة مهامها وفرض سلطة القانون في ربوع ليبيا كافة، ونحن قادرون على ذلك بإذن الله.
س: هل توجد آليات واضحة لتنفيذ التوصيات الصادرة عن هذا المؤتمر؟
نعم، توجد لجنة قائمة تعكف على صياغة التوصيات، لإخراجها وضعها في إطار تنفيذي ملزم وتطبيقها بالكامل بكل دقة، حتى لا تكون مجرد توصيات مكررة كما يحدث عادة. وستشهدون نتائج وتطبيقات هذه التوصيات في المؤتمر القادم.