بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

"إتقان العمل واجب ديني وحضاري".. الإصدار الحادي والخمسون من زاد الأئمة والخطباء

بوابة الوفد الإلكترونية

كشفت وزارة الأوقاف المصرية عبر منصتها الرقمية عن الإصدار الحادي والخمسون من زاد الأئمة والخطباء، والذي يأتي بعنوان: إتقانُ العملِ واجبٌ دينيٌّ وحضاري،
الهدف: التوعية بأهمية إتقان كلِّ امرئٍ لعملِه، وأثر ذلك في بناء المجتمع وتشييد الحضارة.

الإصدار الحادي والخمسون من زاد الأئمة والخطباء

ويأتي الإصدار الحادي والخمسون من زاد الأئمة والخطباء، على النحو التالي:

الحمدُ للهِ الذي أحسنَ كلَّ شيءٍ خلقَه، وأتقنَ كلَّ ما صَنعَه، وأبدعَ الموجوداتِ على غير مثالٍ سبق، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ، خيرِ من قامَ بما أُمرَ به من ربِّه، فبلَّغَ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وبذلَ في سبيلِ ذلك كلَّ جهدٍ، حتى أشرقت بنور دعوته الآفاق، واهتدت به القلوبُ بعد ضلال.

أما بعدُ

فقد أولتِ الشريعةُ الإسلاميةُ قضيةَ العملِ عنايةً كبرى، وكيف لا، وفي إتقانِه تُبنى الحضاراتُ، وترتقي الأممُ، وتُصانُ الكراماتُ؟! بل كيف يجتمعُ إيمانٌ صادقٌ مع إنسانٍ لا يُحسنُ العملَ، ولا يُجيدُ ما وُكِلَ إليه؟! فبقدرِ ما يكونُ الإيمانُ راسخًا في قلبِ المؤمن، بقدرِ ما يتجلّى أثرُه في إتقانِ صَنْعتِه، وحُسنِ أدائِه، والقيامِ بأعباءِ وظيفتِه على أكملِ وجه؛ إذ الإيمانُ الحقُّ منهج تربية يدعو المؤمن إلى إتقان ما يناط به وإليك بيانُ ذلك:

الإيمان يعلم الإتقان سواء في العبادة أو في غيرها:
جاء الإسلامُ بمنهجٍ قويمٍ يُؤكِّدُ من خلاله أنَّ الإتقانَ غايةٌ ساميةٌ يقصِدها الشرعُ الشريفُ من وراءِ الأوامرِ والنواهي؛ ليَنطلِقَ المؤمنُ، وقد تشرَّبَ هذا المعنى، إلى القيامِ بما أناطَه اللهُ به من أعمالٍ، تعودُ على الإنسانيةِ بالنفعِ والخير، وتُشيِّدُ صروحَ العمرانِ على أساسٍ من الإخلاصِ والإحسان.

ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاُ} [الملك: ٢]، ولم يقل أكثر عملًا، بل أحسن عملًا، فكأنه يلفت أنظارنا إلى قضية الإتقان وليس الكم.

ويغرس فينا النبي صلى الله عليه وسلم خلقًا جليلًا، هو المصاحب للمؤمن في سيره إلى مولاه جل جلاله، ألا وهو المراقبة، فيقول مُجيبًا عن سؤال جبريل عن الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [رواه مسلم]، فاستشعار المؤمن بأن الله يراه، واستحضاره لهذا المعنى كفيلٌ بأن يعينه على إحسان العبادة وإتقان العمل.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللهَ» [متفق عليه]، وعن عثمان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِه» [رواه مسلم].

بل إن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ كان يُحَدِّثُ "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ، فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ"، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «‌إِذَا ‌كَفَّنَ ‌أَحَدُكُمْ ‌أَخَاهُ ‌فَلْيُحَسِّنْ ‌كَفَنَهُ» [رواه مسلم].

زاد الأئمة والخطباء تطلق الإصدار الحادي والخمسون

ويحذِّر صلى الله عليه وسلم من حال من لم يتحقق بمعاني الإيمان، فلم يحسن القيام بما أمر به، فكأنه أشار إلى أن عدم إحسانه في أجَلِّ الأمور سينتج عنه لا محالة عدم إحسان في سائر أموره؛ فعن أبى سعيدٍ الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَسْوَأَ النَّاسِ سَرِقَةً، قال: الَّذِى يَسْرِقُ صَلاتَهُ»، قالوا: يا رسول الله، كيف يسرقها؟ قال: «‌لا ‌يُتِمُّ ‌رُكُوعَهَا وَلا سُجُودَهَا» [رواه أبو يعلى في مسنده].

الإتقان أساس انتظام الكون:
الإتقانُ منهجُ حياةٍ وسُنَّةُ كون؛ به تنتظمُ الأمور، وتستقيمُ الأحوال، وتبلغُ الأعمالُ غاياتِها في الكمال، فهو الميزانُ الذي تُوزَنُ به قيمةُ الإنسان، والمعيارُ الذي تُقاسُ به حضارةُ الأمم؛ إذ لا قيامَ لعمرانٍ، ولا ازدهارَ لحضارة، إلا إذا قامَت على أكتافِ أناسٍ يُحسنون ما يعملون، ويؤدّون ما أُسندَ إليهم بإخلاصٍ وإحكام.

ومن يتأمّل هذا الوجودَ يدرك أن الإتقانَ هو سرُّ انتظامه وجماله؛ نظامٌ دقيق، وتناسقٌ بديع، يشهد بأن الإتقانَ هو الأصلُ الذي تقوم عليه الحياة، ومن هنا كان لزامًا على الإنسان أن يجعلَ الإتقانَ سبيلَه في كلِّ شأن، في عبادته، وعمله، ومعاملاته؛ ليكون عنصرَ بناءٍ لا معول هدم، ونبعَ خيرٍ لا مصدرَ ضُر.

قال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: ١٣٤] "... والمعنى: أن الله يرضى عن المحسنين جميعا، ويجازيهم على إِحسانهم أَحسن الجزاء، والإِحسان يشمل: إتقان العمل، والإِتيان به على الوجه الأكمل" [التفسير الوسيط - مجمع البحوث].

وقال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ‌صُنْعَ ‌اللَّهِ ‌الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: ٨٨] قال ابن عباس: "أَحْسَن كلَّ شيءٍ خلقه وأوْثَقه". [جامع البيان للطبري]. قَالَ بَعْضُهُمْ: {أَتْقَنَ}: أحكم وأبرم، وقَالَ بَعْضُهُمْ: {أَتْقَنَ}: أي: أحسن كل شيء. [تأويلات أهل السنة للماتريدي].

وقال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة: ٧]، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [ق: ٦-٧]

وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ‌فَارْجِعِ ‌الْبَصَرَ ‌هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: ٣-٤] قال العلامة ابن عاشور: "والتعبير بوصف {الرَّحْمنِ} دون اسم الجلالة إيماء إلى أن هذا النظام مما اقتضته رحمته بالناس؛ لتجري أمورهم على حالة تلائم نظام عيشهم؛ لأنه لو كان فيما خلق الله تفاوت لكان ذلك التفاوت سببا لاختلال النظام، فيتعرض الناس بذلك لأهوال ومشاق، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: ٩٧]، وقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ} [يونس: ٥] [التحرير والتنوير].

"أي: هو سبحانه الذي خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، مع تناسقها، وإتقان تكوينها، وإحكام صنعها.. بحيث لا ترى أيها العاقل في خلق السموات السبع شيئًا من الاختلاف، أو الاضطراب، أو عدم التناسب.. بل كلها محكمة، جارية على مقتضى نهاية النظام والإبداع... فإن كنت لا تصدق ما أخبرناك به، أو في أدنى شك من ذلك، فكرر النظر فيما خلقنا حتى يتضح لك الأمر، ولا يبقى عندك أدنى شك أو شبهة... ثم لا تكتف بإعادة النظر مرة واحدة، فربما يكون قد فاتك شيء في النظرة الأولى والثانية.. بل أعد النظر مرات ومرات.. فتكون النتيجة التي لا مفر لك منها، أن بصرك -بعد طول النظر والتأمل- ينقلب إليك خائبا وهو كليل متعب؛ لأنه -بعد هذا النظر الكثير- لم يجد في خلقنا شيئا من الخلل أو الوهن أو التفاوت... " [التفسير الوسيط].

الإتقان ضرورة إنسانية وفريضة شرعية:
أكد ﷺ على أن الإتقان في العمل أمر يحبه الله تعالى فقال: «‌إِنَّ ‌اللَّهَ عز وجل ‌يُحِبُّ ‌إِذَا ‌عَمِلَ ‌أَحَدُكُمْ ‌عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [المعجم الأوسط للطبراني وشعب الإيمان للبيهقي].

إن هذا الحديث العظيم يضع لنا قاعدةً شاملةً في حياتنا كلها، فلا يقتصر على عبادةٍ دون أخرى، ولا على عملٍ دون غيره، بل يشمل الدين والدنيا، العبادة والمعاملة، الخلق والسلوك.

يقول وُهَيب بن الوَرْد: "لا يكن همّ أحدكم في كثرة العمل، ولكن ليكنْ همّه في إحكامه وتحسينه، فإن العبد قد يصلّي وهو يعصي الله في صلاته، وقد يصوم وهو يعصي الله في صيامه". [صفة الصفوة].

وعلى ذلك فالإتقان هو: أداء العمل على أكمل وجه، مع إحكامه، وإخلاص النية فيه، فليس الإتقان مجرد إنهاء العمل، بل هو إحسانه، وتجويده، والحرص على أن يكون في أفضل صورة.

فعلى المرؤوس أن يُحْكم عمله بإخلاص وصدق وإتقان، قاصدًا بذلك النفع للمسلمين، ميسرًا لهم، باذلًا لهم العون في حدود نظام العمل [موسوعة الأخلاق للخراز]ِ.

ذلك أن الإتقان يعكس صدق الإيمان، ويُجسِّد مراقبة الله في السر والعلن، وبه تتحقق الأمانة، ويؤدَّى الحق إلى أهله دون تقصير أو تهاون، والمجتمعات المتقنة في أعمالها هي الأقدر على المنافسة والريادة، كما أن الإهمال والتسيب من أسباب التخلف وضعف الإنتاج؛ لذلك كان الإتقان واجبًا دينيًّا وضرورة إنسانية لا غنى عنها في كل زمان ومكان.

عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عن رسول الله ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ ‌كَتَبَ ‌الْإِحْسَانَ ‌عَلَى ‌كُلِّ شَيْءٍ» [رواه مسلم].

قال العلامة ابن علَّان المكي: "أي: أوجب وقدر على الإنسان، أي: إيقاعه على مقتضى الشرع، والإحسان يطلق على الإنعام، وعلى إتقان الفعل، أو طلب ذلك منه، واعلم أن الإحسان لُبُّ الإيمان والإسلام، بل خلاصتهما، وليس شعبة من شعب الإيمان أو ركن من أركان الإسلام إلا وقرن به إحسان لائق به؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «إن اللهَ كتَبَ ‌الإحسانَ ‌على ‌كل شيءٍ»، وقد بيّن القصري في كتابه شعب الإيمان في كل شُعبة من شُعَب الإيمان الإحسان اللائق بها، رزقنا الله القيام بحقوقه، وعصمنا من عقوقه". [الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية، لمحمد بن علان المكي].

وقال ابن رجب الحنبلي: " وهذا الحديثُ يدلُّ على وجوب الإحسانِ في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كُلِّ شيء بحسبه" [جامع العلوم والحكم].