التتبع الدوائي في مصر.. بين حتمية الرقمنة وتساؤلات الكفاءة: هل آن أوان المراجعة؟
في إطار سعي الدولة المصرية لتعزيز الرقابة على سوق الدواء ومكافحة الغش، برزت منظومة التتبع الدوائي كأحد أهم مشروعات التحول الرقمي في القطاع الصحي، مستندة إلى تقنيات حديثة تستهدف إحكام السيطرة على حركة تداول المستحضرات الدوائية من الإنتاج وحتى وصولها إلى المريض. إلا أن التطبيق الفعلي للمنظومة، وبعد مرور عدة أشهر، كشف عن تحديات عملية أثارت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الصناعية، ودفعت إلى طرح تساؤلات جادة حول كفاءة التنفيذ، ومدى توافقه مع أهدافه المعلنة.
..مع تزايد الاعتماد عالميًا على نظم التتبع الدوائي القائمة على تقنيات “Serialization” و“Track & Trace”، اتجهت مصر إلى تبني هذا النموذج كأداة لضبط السوق الدوائي، والحد من انتشار الأدوية المغشوشة أو غير المطابقة للمواصفات، وهو توجه يتماشى مع المعايير الدولية التي أثبتت نجاحها في العديد من الدول.
غير أن الواقع العملي، وفقًا لما أكدته مصادر متعددة داخل القطاع، يشير إلى وجود فجوة بين فلسفة المنظومة وآليات تطبيقها على الأرض. فقد أبدت شركات دوائية تحفظات واضحة على ارتفاع التكاليف المرتبطة بالمنظومة، والتي شملت الأكواد التعريفية، وتحديث البنية التكنولوجية، وأنظمة التشغيل، بالإضافة إلى برامج التدريب والربط الفني، وهو ما مثل عبئًا ماليًا ملحوظًا، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الحالية.
وفي هذا السياق، قال د. وليد عيسى، الخبير الدولي في التحول الرقمي، في تصريحات خاصة لبوابة الوفد، إن منظومة التتبع الدوائي تمثل في جوهرها خطوة متقدمة وضرورية، حيث تعتمد على أسس علمية وتكنولوجية حديثة أثبتت فعاليتها عالميًا في تعزيز الشفافية داخل سلاسل الإمداد الدوائي، وتقليل فرص التلاعب أو التزوير.
وأضاف أن “نجاح هذه المنظومات لا يرتبط فقط بوجود التكنولوجيا، بل بكيفية إدارتها وتطبيقها، خاصة فيما يتعلق بهيكل السوق المنفذ للمنظومة. الاعتماد على مقدم خدمة واحد بشكل شبه حصري قد يؤدي إلى ارتفاع التكاليف، ويحد من فرص الابتكار والتطوير، وهو ما يتعارض مع طبيعة التحول الرقمي التي تقوم على التنافسية والانفتاح.
وأوضح عيسى أن التجارب الدولية، خاصة في أوروبا وبعض الأسواق المتقدمة، اعتمدت على نماذج تنظيمية أكثر مرونة، تسمح بتعدد مزودي الخدمات التقنية، تحت إشراف جهة تنظيمية قوية تضع المعايير وتراقب الالتزام بها، وهو ما ساهم في تحقيق توازن دقيق بين جودة التطبيق وتكلفته.
وأشار إلى أن وجود أكثر من مقدم خدمة لا يعني غياب السيطرة، بل على العكس، يعزز من كفاءة المنظومة، حيث يدفع الشركات إلى تقديم حلول أكثر تطورًا وأقل تكلفة، بما يصب في مصلحة جميع الأطراف، وعلى رأسها المريض.
وعلى مستوى التطبيق المحلي، لفتت مصادر إلى أن بعض التحديات لا تزال قائمة، من بينها صعوبات التوسع داخل المنظومة، وتعقيدات فنية في بعض مراحل التشغيل، فضلًا عن استمرار بعض أوجه القصور في تحقيق الهدف الأساسي المتمثل في إحكام السيطرة الكاملة على السوق ومنع تداول الأدوية غير المطابقة.
كما كشفت هذه المصادر عن وجود محاولات من شركات تكنولوجيا أخرى لتقديم بدائل أو تطويرات تقنية يمكن أن تسهم في تحسين كفاءة المنظومة ومعالجة بعض الثغرات، إلا أن هذه المحاولات لم تحظَ حتى الآن بالفرصة الكافية للدخول في إطار تنافسي فعلي، ما يثير تساؤلات حول مدى انفتاح السوق على حلول متعددة.
وفي هذا الإطار، شدد د. وليد عيسى على أن إعادة تقييم المنظومة لا يجب أن تُفهم باعتبارها تراجعًا عن التحول الرقمي، بل هي جزء أساسي من نجاحه. أي نظام جديد يحتاج إلى مراجعة مستمرة، خاصة في مراحله الأولى، لضبط المسار وتصحيح الأخطاء.
وأضاف أن المرونة في التعديل، والاستماع إلى ملاحظات الأطراف المعنية، وفتح المجال أمام حلول متنوعة، تمثل عناصر حاسمة لضمان استدامة المنظومة وتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
كلمة اخيرة
. وفي ظل تكرار الشكاوى واستمرار التحديات، يبدو أن منظومة التتبع الدوائي في مصر تقف عند مفترق طرق حقيقي؛ فإما الاستمرار بنفس الآليات، أو الانفتاح على مراجعة شاملة تعيد التوازن بين التكلفة والكفاءة. وبين هذا وذاك، تبقى مصلحة المريض وضمان جودة الدواء هي البوصلة التي يجب أن توجه أي قرار، في مسار لا يحتمل التجربة بقدر ما يتطلب الدقة والاستجابة السريعة.