رحيل محمد صلاح عن ليفربول.. صدام فني وحسابات اقتصادية تُنهي حقبة أسطورية في أنفيلد
لا يزال الجدل محتدمًا حول كواليس رحيل النجم المصري محمد صلاح عن صفوف ليفربول بنهاية الموسم الجاري، بعدما أعلن اللاعب بنفسه إسدال الستار على رحلته التاريخية في ملعب أنفيلد عقب تسعة مواسم حفلت بالألقاب والإنجازات والأرقام القياسية.
قرار الرحيل، الذي يقضي بمغادرة صلاح مجانًا رغم أن عقده كان ممتدًا حتى يونيو 2027، فتح باب التساؤلات واسعًا داخل أوساط جماهير “الريدز” والمحللين، حول الأسباب الحقيقية التي دفعت إدارة النادي إلى التخلي عن أحد أبرز رموزه في العصر الحديث بهذه الصيغة المفاجئة.
صدام مع سلوت.. شرارة البداية:
بحسب تقارير صحفية متطابقة، فإن العلاقة بين صلاح ومدربه الهولندي آرني سلوت شهدت توترًا ملحوظًا خلال الأشهر الماضية، بلغ ذروته عقب مباراة ليدز يونايتد في الدوري الإنجليزي خلال ديسمبر الماضي. تصريحات اللاعب حينها عكست حالة من الاستياء بعد فقدانه مكانه الأساسي في التشكيلة، ما اعتُبر نقطة تحول في مسار العلاقة بين الطرفين.
ورغم التوصل إلى هدنة مؤقتة عقب عودة صلاح من المشاركة مع منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية، وعودته إلى التشكيل الأساسي، فإن الأداء ظل متذبذبًا، وباتت المؤشرات توحي بتقلص دوره مستقبلًا، وهو سيناريو لم يكن مقبولًا لا للنجم المصري ولا لإدارة النادي.
راتب قياسي ومعادلة صعبة:
تقرير شبكة The Athletic أشار إلى أن الإبقاء على صلاح كلاعب احتياطي لم يكن خيارًا منطقيًا في ظل راتبه الأسبوعي الذي يُقدّر بنحو 400 ألف جنيه إسترليني، إضافة إلى حوافز ضخمة تجعله الأعلى أجرًا في الفريق.
ومع اقترابه من عامه الرابع والثلاثين، وتراجع مستواه مقارنة بالموسم الماضي، وجدت الإدارة نفسها أمام معادلة معقدة: لاعب أسطوري يملك تاريخًا استثنائيًا، لكن دوره الفني لم يعد يوازي كلفته المالية. كما أن أحد أسرار تألق صلاح تاريخيًا كان اعتماده كلاعب لا يغيب عن التشكيل الأساسي، وهو ما لم يعد مضمونًا في المشروع الفني الجديد.
رحيل مجاني.. بين حسن النية والبراغماتية:
قرار السماح برحيل صلاح مجانًا أثار استغراب كثيرين، غير أن قراءة اقتصادية أعمق تكشف جانبًا براغماتيًا في المسألة. فمع راتب ضخم ومتطلبات مالية مرتفعة، بدا من الصعب أن يدفع أي نادٍ رسوم انتقال كبيرة إلى جانب تحمّل هذا العبء المالي، خصوصًا مع تقدم اللاعب في العمر.
كما أن العرض التاريخي الذي تلقاه النادي من اتحاد جدة في صيف 2023 لم يتكرر، ما جعل إدارة النادي تفضل إنهاء العلاقة بصورة ودية، بدلًا من المخاطرة ببقاء اللاعب لعام إضافي براتب مرتفع دون ضمان مردود فني متصاعد.
وفي المقابل، اعتُبر القرار لفتة تقدير من مجموعة Fenway Sports Group المالكة للنادي، التي وافقت على التنازل عن السنة الأخيرة من عقده تكريمًا لما قدمه خلال تسعة أعوام جعلته أحد أعظم من ارتدى القميص الأحمر.
إعادة هيكلة واستعداد لمرحلة جديدة:
إلغاء راتب صلاح من هيكل الأجور يمنح ليفربول مساحة مالية أكبر للتحرك في سوق الانتقالات، في وقت تشهد فيه الميزانية ضغوطًا واضحة، خصوصًا مع تراجع فرص الفريق في ضمان التأهل إلى دوري أبطال أوروبا الموسم المقبل، إذ يحتل المركز الخامس في جدول الدوري.
الصيف الماضي شهد إنفاقًا ضخمًا قارب 450 مليون جنيه إسترليني، جرى تمويل جزء منه عبر بيع لاعبين، غير أن المؤشرات الحالية توحي بسياسة أكثر تحفظًا وتركيزًا على إعادة البناء التدريجي.
مشروع ما بعد صلاح.. أسماء مطروحة وتحديات قائمة:
في إطار التخطيط للمرحلة المقبلة، يبرز اسم المهاجم هوجو إيكيتيكي ولاعب الوسط الهجومي فلوريان فيرتز كجزء من المشروع الجديد، إلى جانب أفكار تكتيكية تعتمد على تنويع الرسم الخططي واللعب بثنائية هجومية.
كما ارتبط اسم النادي بمحاولات لضم مايكل أوليس من بايرن ميونخ، ويان ديوماندي من لايبزيج، إلا أن تعقيدات السوق، سواء برفض البيع أو بالمطالب المالية المرتفعة التي تصل إلى 100 مليون يورو، تجعل المفاوضات محفوفة بالتحديات.
دعم مستمر لسلوت رغم الضغوط:
في خضم هذه التحولات، تحافظ الإدارة على دعمها للمدرب آرني سلوت، رغم الانتقادات المتزايدة عقب النتائج السلبية الأخيرة. ثمة تعاطف داخلي مع الظروف التي أحاطت بالموسم، من إصابات متكررة إلى فترة إعداد مضطربة وحاجة الصفقات الجديدة للانسجام.
غير أن هذا الدعم سيظل مرهونًا بنتائج الجولات المقبلة، خاصة مع اقتراب لحظة وداع أحد أعظم لاعبي النادي في مايو المقبل، في مشهد سيحمل الكثير من الرمزية لجماهير اعتادت رؤية صلاح يتصدر المشهد الهجومي لسنوات.