هل يقود استهداف بوشهر إلى كارثة إقليمية؟
في منطقة تعيش على وقع توترات متصاعدة وصراعات مفتوحة على كل الاحتمالات، يظل الملف النووي أحد أكثر الملفات حساسية وخطورة، ليس فقط بسبب أبعاده السياسية، بل لما يحمله من تهديدات بيئية وإنسانية عابرة للحدود. ومع تصاعد حدة المواجهات غير المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتجه الأنظار نحو المنشآت النووية الإيرانية، وعلى رأسها مفاعل بوشهر، باعتباره هدفًا استراتيجيًا محتملًا في أي سيناريو تصعيد عسكري.
هذا القلق لا ينبع فقط من احتمالية وقوع ضربة عسكرية، بل من تداعياتها المعقدة، التي قد تمتد آثارها إلى خارج حدود الدولة المستهدفة، لتفتح الباب أمام أزمة إقليمية متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المخاطر البيئية، والتوازنات السياسية مع اعتبارات الأمن الدولي.
تعقيدات الاستهداف العسكري
في هذا السياق، يؤكد الخبير النووي علي عبد النبي أن مفاعل بوشهر يعمل حاليًا بكامل طاقته، مشيرًا إلى أن استهدافه عسكريًا ليس بالأمر السهل أو المباشر. ويوضح أن أي قرار بضرب منشأة نووية بهذا الحجم يخضع لحسابات دقيقة، لا تقتصر على القدرات العسكرية فقط، بل تشمل تداعيات سياسية ودبلوماسية معقدة.
ويضيف أن وجود خبراء أجانب، خصوصًا من روسيا، داخل المنشأة يمثل عامل ردع إضافي، إذ إن أي استهداف قد يؤدي إلى تصعيد دولي واسع، وهو ما يجعل هذا الخيار محفوفًا بمخاطر تتجاوز حدود الصراع التقليدي.
تحصينات هندسية تعقّد الضربة
من الناحية الفنية، يشير عبد النبي إلى أن مفاعل بوشهر مصمم وفق معايير أمان عالية، تتضمن هياكل خرسانية مسلحة وأنظمة احتواء متقدمة قادرة على مقاومة الضربات التقليدية.
هذه التحصينات تجعل من تدمير المفاعل بشكل كامل مهمة شديدة التعقيد، حتى باستخدام أسلحة متطورة، وهو ما يفسر تردد القوى الكبرى في استهداف مثل هذه المنشآت، لما قد يترتب على ذلك من نتائج غير محسوبة.
سيناريو التسرب الإشعاعي
ورغم صعوبة تدمير المفاعل بالكامل، يظل السيناريو الأخطر قائمًا، وهو حدوث تسرب إشعاعي نتيجة استهداف جزئي أو خلل في أنظمة الأمان، وفي هذه الحالة، تتحول الأزمة من صراع عسكري إلى كارثة بيئية.
وأكد الخبراء أن انتشار المواد المشعة يعتمد بشكل أساسي على اتجاهات الرياح والظروف الجوية، ما يعني أن التأثير لا يكون ثابتًا، بل متغيرًا وفق معطيات الطبيعة. ومع ذلك، فإن الأضرار الأكبر تظل غالبًا في نطاق جغرافي قريب من موقع الحادث، بينما تقل حدتها تدريجيًا كلما ابتعدنا عن مركز التسرب.
هل تتأثر مصر؟
فيما يتعلق بمصر، يشير عبد النبي إلى أن المسافة الكبيرة التي تفصلها عن موقع مفاعل بوشهر، والتي تتجاوز 1800 كيلومتر، تقلل بشكل كبير من احتمالات التأثر المباشر بأي تسرب إشعاعي.
كما أن العوامل المناخية، وعلى رأسها اتجاهات الرياح، تلعب دورًا حاسمًا في تحديد مسار التلوث المحتمل، ما يجعل وصوله إلى مناطق بعيدة مثل مصر أمرًا ضعيف الاحتمال، حتى في أسوأ السيناريوهات.
تداعيات إقليمية مفتوحة
ورغم هذه التطمينات النسبية، يبقى استهداف منشأة نووية مثل بوشهر سيناريو بالغ الخطورة، قد يؤدي إلى تصعيد عسكري واسع، وربما يفتح الباب أمام مواجهات إقليمية مباشرة، في منطقة تعاني بالفعل من هشاشة التوازنات.
كما أن أي حادث نووي، حتى وإن كان محدودًا، قد يعيد إلى الواجهة مخاوف السلامة النووية عالميًا، ويطرح تساؤلات ملحة حول قدرة المجتمع الدولي على حماية المنشآت الحساسة في مناطق النزاع.