من 5G إلى مراكز البيانات.. هل تُصبح مصر سيليكون فالي الشرق الأوسط؟
في خضم تسارع موجة التحول الرقمي التي تشهدها المنطقة، أعلن المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، عن خمسة محاور استراتيجية تُشكل خارطة طريق الوزارة خلال المرحلة المقبلة، كاشفًا عن رؤية طموحة تضع مصر على مشارف عصر رقمي جديد، يتصدر هذه المحاور الاهتمام بتطوير البنية التحتية للاتصالات، بوصفها الركيزة الأساسية التي يرتكز عليها مشروع التحول الرقمي الشامل.
البنية التحتية: الأساس الذي لا تقوم بدونه دولة رقمية
لا يمكن الحديث عن اقتصاد رقمي متكامل دون امتلاك بنية تحتية للاتصالات تتميز بالكفاءة والشمول، وهو ما أدركته الوزارة جيدًا حين جعلت من تطوير هذه البنية المحور الأول وأبرز أولوياتها، وقد أشار هندي إلى إتاحة سعات ترددية جديدة بإجمالي 410 ميجاهرتز لشركات المحمول الأربع العاملة في السوق المصرية، وهي: أورنج، وفودافون، واتصالات مصر "إي آند"، والمصرية للاتصالات "WE"، لتوفير البيئة التقنية اللازمة لانطلاق شبكات الجيل الخامس.
شهد عام 2025 إطلاق خدمات الجيل الخامس 5G رسميًا في مصر باستثمارات بلغت 675 مليون دولار من الشركات الأربع، في لحظة وصفها وزير الاتصالات السابق الدكتور عمرو طلعت بأنها تاريخية، وقد أُقيمت احتفالية الإطلاق عند سفح الأهرامات بحضور رئيس مجلس الوزراء وعدد من الوزراء ومسؤولي القطاع، وهو مشهد يعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها الدولة لهذا الملف، وقد حظي الإطلاق بإشادة دولية، إذ هنأ الاتحاد الدولي للاتصالات مصر على هذا الإنجاز، واصفًا إياه بأنه خطوة مهمة في رحلتها نحو التحول الرقمي.
ولا يقتصر الطموح المصري على الجيل الخامس وحسب، بل يمتد ليشمل رفع كثافة شبكة أبراج المحمول لتتوافق مع المعدلات العالمية، ما يعني تحسينًا ملموسًا في جودة التغطية الشبكية وإتاحة الوصول إلى الخدمات الرقمية في مختلف المناطق الحضرية والريفية على حد سواء.
حياة كريمة وألياف ضوئية
أحد أبرز الملامح الإنسانية في استراتيجية وزارة الاتصالات هو الربط المدروس بين مشاريع البنية التحتية الرقمية ومبادرات التنمية الاجتماعية، فمبادرة "حياة كريمة" تتضمن توفير خدمات الإنترنت الفائق السرعة عبر الألياف الضوئية وتطوير شبكات تغطية أبراج المحمول في قرى الريف المصري تستهدف الوصول إلى أكثر من 10 ملايين أسرة ونحو 60 مليون مواطن.
تجدر الإشارة إلى أن مصر تمتلك حاليًا أربع علامات تجارية تُصنع كابلات الألياف الضوئية محليًا، بطاقة إنتاجية قصوى تبلغ 4 ملايين كيلومتر سنويًا، وهو رقم يكشف عن استثمار جاد في بناء صناعة وطنية داعمة لهذه المشاريع.
مصر مركزًا إقليميًا للبيانات
يُشكل التوسع في إنشاء مراكز البيانات ركيزة محورية ضمن المنظومة الرقمية التي تبنيها مصر، وتعمل الوزارة على بناء منظومة وطنية متكاملة لمراكز البيانات تدعم القطاع الرقمي والخدمات الحكومية والقطاع الخاص، وتُعد استراتيجية لجذب الاستثمارات في هذا المجال تشمل توفير مصادر الطاقة وأطر المشاركة الحكومية والحوافز الاستثمارية وتخصيص الأراضي اللازمة.
وتسعى الوزارة إلى تحويل مصر، بموقعها الجغرافي الفريد عند ملتقى ثلاث قارات، إلى وجهة مفضلة لشركات التكنولوجيا العالمية، ويعد تعزيز فرص التحول الرقمي لتصبح مصر مركزًا إقليميًا ودوليًا لمراكز البيانات ضمن الملفات ذات الأولوية القصوى لدى الوزارة، إلى جانب مواصلة تطوير البنية التحتية الرقمية الدولية بما يعزز موقع مصر كممر رقمي عالمي.
الأمن السيبراني والسيادة الرقمية
لا يُمكن فصل الحديث عن البنية التحتية الرقمية عن منظومة الأمن السيبراني التي تُمثل الوجه الآخر لعملة التحول الرقمي، ومع تصاعد التهديدات الإلكترونية على المستوى العالمي، أولت الوزارة اهتمامًا بالغًا لتعزيز هذا المحور، ليس فقط بوصفه درعًا واقية للمنظومة الرقمية الوطنية، بل بوصفه عنصرًا أساسيًا في تحقيق السيادة الرقمية التي باتت مطلبًا استراتيجيًا لكل دولة تسعى إلى الاستقلالية في القرن الحادي والعشرين، ويرتبط هذا المحور ارتباطًا وثيقًا بالاهتمام المتصاعد بتطوير سحابة مصر السيادية لتأمين بيانات الدولة وصون خصوصية المواطنين.
صعدت مصر 60 مركزًا في مؤشر جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعي الصادر عن مؤسسة "Oxford Insights" في عام 2025 مقارنةً بعام 2019، وهو رقم لافت يعكس مسارًا تصاعديًا واضحًا، غير أن التحدي الأكبر يظل دائمًا في التنفيذ المتواصل والوصول إلى آخر مواطن بعيد.
ما يصبو إليه المواطن المصري في نهاية المطاف ليس مجرد سرعة إنترنت أعلى أو أبراج محمول أكثر، بل تحسين فعلي في جودة الخدمات التي يتلقاها، وتوفير فرص عمل وتعليم ورعاية صحية أفضل عبر القنوات الرقمية، وعلى هذا المحك تحديدًا ستُقيم إنجازات الوزارة في المستقبل القريب.