بعد تصريحات رئيس الوزراء
هل تتحمل شبكة الإنترنت اختبار العمل عن بُعد يوما أو يومين أسبوعيا
في خطوة تعيد إلى الأذهان تجربة استثنائية عاشها العالم أجمع خلال جائحة كورونا، كشف الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء أن لجنة الأزمة تدرس حالياً تطبيق نظام العمل عن بُعد ليوم أو يومين أسبوعياً، سواء في الجهات الحكومية أو القطاع الخاص، ورغم أن القرار لم يُحسم بعد، فإنه يفتح الباب أمام تساؤل محوري، هل باتت البنية التحتية الرقمية في مصر جاهزة لتحمل هذا التحول؟
اختبار كورونا سابقة تُطمئن ولكن لا تحسم
عندما فرضت الجائحة إغلاقاً شاملاً في مطلع عام 2020، انتقلت المؤسسات التعليمية والحكومية والشركات إلى العمل والدراسة عبر الإنترنت بشكل مفاجئ، ورغم المخاوف الأولية، نجحت شبكات الاتصالات في استيعاب الزيادة الحادة في استخدام البيانات، ما منحها رصيداً من الثقة.
تثبت هذه التجربة أن الشبكة المصرية أثبتت قدرتها على الصمود في ظروف كانت أكثر تعقيداً، وهو ما يعزز فرص نجاح تطبيق العمل عن بُعد بشكل جزئي ومنظم.
استثمارات ضخمة تعيد تشكيل المشهد الرقمي
لا يمكن تقييم جاهزية الإنترنت في مصر دون النظر إلى حجم الاستثمارات التي تم ضخها خلال السنوات الأخيرة، فقد أعلنت الشركة المصرية للاتصالات ضخ استثمارات تجاوزت 35 مليار جنيه خلال عام 2024 لتطوير البنية التحتية، فيما استثمرت شركة "إي آند مصر" نحو 18 مليار جنيه في تحديث شبكاتها خلال 2025.
وعلى مستوى الدولة، تخطت الاستثمارات الحكومية في تطوير الإنترنت 150 مليار جنيه، ضمن خطة تستهدف تحسين جودة الخدمة ورفع كفاءة الشبكات.
وتعززت هذه الجهود بإطلاق خدمات الجيل الخامس 5G رسمياً في يونيو 2025، مع خطط لتغطية 75% من المناطق الحضرية، إلى جانب التوسع في إنشاء أبراج الاتصالات.
كما وصلت شبكات الألياف الضوئية إلى نحو 14.5 مليون منزل بنهاية 2025، بزيادة ملحوظة مقارنة بالعام السابق، مع ارتفاع متوسط سرعة الإنترنت المنزلي إلى نحو 120 ميجابت في الثانية.
وفي خطوة تدعم الاستقلالية الصناعية، تمتلك مصر حالياً قدرات محلية لتصنيع كابلات الألياف الضوئية بطاقة إنتاجية تصل إلى 4 ملايين كيلومتر سنوياً.
تطبيق العمل عن بُعد بشكل جزئي قد يحقق عدة فوائد، أبرزها تخفيف الضغط على شبكات النقل في المدن الكبرى، وتقليل استهلاك الطاقة داخل المؤسسات، إلى جانب تحسين إنتاجية الموظفين من خلال تقليص الوقت المهدر في التنقل.
كما قد يساهم النظام في إعادة توزيع الضغط على شبكات الإنترنت، بحيث لا تتركز الأحمال في أوقات محددة، وهو ما قد يساعد على تحسين كفاءة الاستخدام، خصوصا إذا تم تطبيقه بشكل تدريجي ومدروس.
تحديات تواجه العمل عن بعد
تظل هناك تحديات لا يمكن تجاهلها، فالبنية التحتية في بعض المناطق السكنية قد لا تكون مهيأة لتحمل الاستخدام المكثف خلال ساعات العمل، ما قد يؤدي إلى اختناقات في أوقات الذروة.
كما يواجه بعض الموظفين عوائق تتعلق بغياب بيئة عمل مناسبة داخل المنازل أو نقص الأجهزة التكنولوجية الكافية، وتبقى طبيعة بعض القطاعات، مثل الخدمات الميدانية والرعاية الصحية، عائقاً أمام تطبيق هذا النظام بشكل كامل.
تشير المؤشرات إلى أن مصر أصبحت في وضع أفضل بكثير من الناحية الرقمية مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، بفضل استثمارات ضخمة وتوسع ملحوظ في البنية التحتية، إلى جانب تجربة عملية ناجحة خلال الجائحة.
لكن نجاح تطبيق العمل عن بُعد لن يعتمد فقط على قوة الشبكات، بل يتطلب رؤية شاملة تأخذ في الاعتبار الفروق الجغرافية، وتحدد القطاعات القابلة للتطبيق، وتضع إطاراً تنظيمياً واضحاً يضمن استدامة التجربة.