ما يحرم على المعتكف من النساء في شهر رمضان
اتفق الفقهاء على أن جماع النساء عمدًا يُفسد الاعتكاف، وأن المباشرة بالتقبيل واللمس لشهوة حرامٌ في حال الاعتكاف، ولكنهم اختلفوا في المباشرة بالتقبيل واللمس؛ هل تفسد الاعتكاف أم لا؟ والجمهور على أنها تبطل الاعتكاف إذا اتصل بها إنزال، وإلا فلا.
ما يحرم على المعتكف من النساء
أما إذا لم يكن اللمس لشهوة، ولم يُقصد بالتقبيل اللذة، فإنه لا يُفسد الاعتكافَ ولا حرمة فيه، إلا أن المالكية قالوا بأن التقبيل في الفم يُفسد الاعتكاف؛ سواء كان بشهوة أو بغيرها.
فالمعتكف إن دخل بيته لحاجة وكان يأمن على نفسه من الإنزال عند تقبيل امرأته لوداع أو نحوه، فإنه يجوز له تقبيلها ولا يفسد اعتكافه، ولا إثم عليه في ذلك، ولكن الأَوْلى أن لا يقبِّل في الفم؛ خروجًا من خلاف من قال بأنه يُفسد الاعتكاف مطلقًا.
الحث على الإحسان إلى النساء والزوجة
حث الشرعُ الشريفُ المسلمَ على حسن الخلق مع الناس كافة، وخص الزوجة بمزيد عناية في هذا الباب؛ فقال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وَقَالَ فِي تعظيم حَقِّهِنَّ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الحج: 26]، ومن ثمار حسن الخلق مع الزوجة التآلف والتحاب والتوافق، وأعظم دليل على ذلك ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزوجاته من تحابّ؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحيمًا بأهله يمزح معهن ويداعبهن؛ روى الإمام مسلم في "صحيحه" عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ"، وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه الإمام الترمذي: «إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ».
حكم الاعتكاف
الاعتكاف في المساجد مندوب إليه بالقرآن الكريم، وبالسنة المطهرة، وبإجماع الأمة، وآكد ما يكون في العشر الأُخر من رمضان لطلب ليلة القدر؛ فقد روى الشيخان في "صحيحيهما" عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ".
المقصود من الاعتكاف
والمقصود من الاعتكاف في العشر الأخر من رمضان الانقطاعُ عن الناسِ والتفرغ لطاعةِ الله في المسجد طلبًا للثواب وإدراكِ ليلة القَدْرِ، ولذلك ينْبغِي للمعتكفِ أنْ يشتغلَ بالذكرِ والقراءةِ والصلاةِ والعبادةِ، وأن يتَجنَّب ما لا يَعنيه من حديثِ الدنيَا، ولا يخرج من المسجد إلا لحاجة.
فساد الاعتكاف بالجماع من النساء
الاعتكاف له مفسدات كغيره من العبادات، ومن مفسداته الجماع؛ فقد اتفق الفقهاء على أن جماع المرأة عمدًا يُفسد الاعتكاف؛ قال الإمام ابن رشد في "بداية المجتهد" (2/ 80، ط. دار الحديث): [أجمعوا على أن المعتكف إذا جامع عامدًا بطل اعتكافه] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (3/ 196، ط. مكتبة القاهرة): [الوطء في الاعتكاف محرم بالإجماع... فإن وطئ في الفرج متعمدًا أفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم. حكاه ابن المنذر عنهم] اهـ.
فساد الاعتكاف بالتقبيل واللمس
أما التقبيل واللمس لشهوة فقد اتفقوا على حرمته، غير أنهم اختلفوا في فساد الاعتكاف به على قولين؛ فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يُفسد الاعتكاف إن لم يُنزل، ويُفسده إن أنزل؛ قال الإمام السرخسي الحنفي في "المبسوط" (3/ 123، ط. دار المعرفة): [واذا جامع المعتكف امرأته في الفرج فسد اعتكافه، سواء جامعها ليلًا أو نهارًا، ناسيًا كان أو عامدًا، أنزل أو لم ينزل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]، فصار الجماع بهذا النص محظورَ الاعتكاف؛ فيكون مفسدًا له بكل حال؛ كالجماع في الإحرام لما كان محظورًا كان مفسدًا للإحرام... فإن باشرها فيما دون الفرج فإن أنزل فسد اعتكافه، وإن لم ينزل لم يفسد اعتكافه، وقد أساء فيما صنع] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (1/ 434، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(ويفسده)؛ أي الاعتكاف، (من الجماع ما يفسد الصوم) منه، وهو ما يقع مع تذكر الاعتكاف والعلم بتحريمه والاختيار المزيد على الأصل، سواء أجامع في المسجد أم لا لمنافاته له؛ (فيحرم) بسببه الجماع بهذه الشروط؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]، ويحرم (به التقبيل واللمس بشهوة) بالشروط المذكورة؛ (فإذا أنزل معهما أفسده كالاستمناء)؛ بخلاف ما إذا لم يُنزل معهما أو أنزل معهما، وكانا بلا شهوة كما في الصوم] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (3/ 198): [فأما المباشرة دون الفرج، فإن كانت لغير شهوة فلا بأس بها؛ مثل أن تغسل رأسه أو تفليه أو تناوله شيئًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يُدني رأسه إلى عائشة رضي الله عنها وهو معتكف فترجله. وإن كانت عن شهوة فهي محرمة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]، ولقول عائشة رضي الله عنها: "السنة للمعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها" رواه أبو داود، ولأنه لا يأمن إفضاءها إلى إفساد الاعتكاف، وما أفضى إلى الحرام كان حرامًا. فإن فعل فأنزل فسد اعتكافه، وإن لم ينزل لم يفسد. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه] اهـ.
واستدل الجمهور على أن المباشرة بغير الوطء لا تُبطل الاعتكاف إلا إذا اتصل بها الإنزال بالقياس على الصوم، فإن المباشرة فيه لا تبطله إلا إذا أنزل، والاعتكاف فرع عليه، كما أن الاعتكاف إنما يفسد إذا باشر فأنزل؛ لأنه في معنى الجماع في الفرج؛ فإن لم يتصل به الإنزال فليس في معناه، فلا يُلحق به حكمًا في إفساد العبادة.
وقد ذهب المالكية والشافعية في قولٍ إلى أن التقبيل واللمس لشهوة يُفسد الاعتكاف كالجماع؛ سواء أنزل بهما أو لم يُنزل، وقيده في قول الشافعي بما إذا كان عامدًا؛ قال العلامة ابن عبد البر في "الكافي في فقه أهل المدينة" (1/ 354، ط. مكتبة الرياض الحديثة): [والذي يُفسد الاعتكاف غشيان النساء ومباشرتهن؛ قال الله عز وجل: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]، فمن قَبَّل أو باشر ولم ينزل فسد اعتكافه عند مالك وجماعة من أهل المدينة] اهـ.
وقال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي الكبير" (3/ 499، ط. دار الكتب العلمية): [وإن كان لشهوة؛ كأن قبلها أو لمسها لشهوة أو وطئها دون الفرج، فهذا ممنوع منه لا يختلف؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]، فإن فعله ناسيًا فلا شيء عليه، وهو على اعتكافه، وإن فعله عامدًا ففي اعتكافه قولان... القول الثاني: أن اعتكافه قد بطل أنزل أو لم ينزل] اهـ.