بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

مجلس الرقابة يُحاصر Meta

فيديو مزيف بـ700 ألف مشاهدة يكشف فشل قواعد الذكاء الاصطناعي

ميتا Meta
ميتا Meta

في عالم يتسارع فيه انتشار المحتوى الرقمي بشكل لا يُصدَق، باتت الفيديوهات المُصنعة بالذكاء الاصطناعي سلاحاً جديداً في الحروب الإعلامية والنزاعات المسلحة على حد سواء.

 ومن هذا المنطلق، يشن مجلس الرقابة المستقل لشركة Meta هجومه الأحدث والأشد على ممارسات الشركة، مطالباً بإعادة هيكلة جذرية وعاجلة لقواعد التعامل مع المحتوى الاصطناعي على منصاتها.

فيديو مزيف يشعل فتيل الأزمة

الشرارة التي أطلقت هذا القرار لم تكن بعيدة عن واقعنا الإقليمي، في الخامس عشر من يونيو 2025، أي بعد يومين فقط من اندلاع الحرب الإسرائيلية الإيرانية التي استمرت اثني عشر يوماً، نُشر على فيسبوك مقطع فيديو من حساب ادّعى أنه مصدر إخباري، وصاحب النشر كان مقيماً في الفلبين، وكان الفيديو يُظهر دماراً واسعاً في مبانٍ مع نص إنجليزي مكتوب عليه "بث مباشر الآن - حيفا نحو الانهيار".

أبلغ ستة مستخدمين عن المقطع، وكان مقطع مشابه قد سبق وتم دحضه من قبل جهات تحقق موثوقة على تيك توك، لكن Meta لم تتخذ أي إجراء رغم كل هذه الإبلاغات، والأخطر من ذلك، أن الفيديو تجاوز 700 ألف مشاهدة دون أن يُزال أو تُضاف إليه تسمية "عالي الخطورة" التي كانت ستُوضح للمتلقين أنه مُصنع بالذكاء الاصطناعي.

قرار مجلس رقابة ميتا.. إدانة صريحة

وصف مجلس الرقابة الذي يُع "المحكمة العليا" لقرارات الإشراف على محتوى Meta، موقف الشركة بأنه قاصر وغير كافٍ، وأصدر قراراً بإلغاء قرار Meta الأصلي القاضي بإبقاء الفيديو دون تسمية "ذكاء اصطناعي عالي الخطورة".

 وأكد أنه رغم عدم استيفاء المحتوى لمعيار الإزالة الكاملة المتمثل في التهديد بالأذى الجسدي الوشيك، كان ينبغي الإشارة بوضوح إلى زيفه.

جاءت توصيات المجلس شاملة وصارمة، على رأس هذه التوصيات إنشاء قاعدة مستقلة خاصة بالمحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاكتفاء بالاستناد إلى سياسة مكافحة المعلومات المضللة الحالية، يجب أن تُحدد هذه القاعدة متى يتعين على المستخدمين وضع تسميات على المحتوى الاصطناعي، وتُوضح العقوبات المترتبة على المخالفة، وتشرح آلية تحديد Meta لطبيعة المحتوى وإيصال تلك المعلومات للمستخدمين.

كذلك طالب المجلس Meta بالاستثمار في تقنيات رصد أكثر تطوراً قادرة على اكتشاف الوسائط الاصطناعية تلقائياً بما فيها الصوت والفيديو، مع تطبيق أوسع لنظام Content Credentials وهو الإطار الصناعي المصمم لإضافة بيانات وصفية تكشف أصل المحتوى وما إذا كانت أدوات الذكاء الاصطناعي قد أسهمت في صنعه.

وأبدى المجلس قلقاً بالغاً إزاء تطبيق Meta غير المنتظم لمعايير C2PA حتى على المحتوى الذي تُولده أدواتها الخاصة، إذ لا تحصل سوى نسبة من هذا المحتوى على التسمية المناسبة.

أثار المجلس مجدداً مخاوفه من الاعتماد المفرط على الأطراف الخارجية ومنظمات التحقق من الحقائق، مشيراً إلى أن عدداً من هذه المنظمات أبلغت عن تراجع ملحوظ في استجابة Meta لمخاوفها، ويُعزى ذلك جزئياً إلى تقليص ملحوظ في قدرات فرق الإشراف الداخلية.

وهذا ليس انتقاداً عابراً، فقد كان مارك زوكربيرج قد أعلن في يناير 2025 عن إنهاء شراكة Meta مع مدققي الحقائق المستقلين في الولايات المتحدة، قائلاً إنهم أصبحوا مصدراً للتحيز السياسي. غير أن القرار خلق فراغاً رقابياً واسعاً ظهر جلياً في هذه القضية.

حرب إيران وإسرائيل.. نقطة تحول تاريخية

وصف المجلس حرب إيران وإسرائيل عام 2025 بأنها "نقطة تحوّل" في ملف المحتوى الاصطناعي المضلل، مضيفاً أن مخاطر هذا المحتوى تتصاعد حين يُصمَّم بقصد الخداع والتلاعب في سياقات النزاعات والأزمات كما جرى في إيران وفنزويلا عام 2026.

وأوضح باحثو منظمة WITNESS لحقوق الإنسان أن المحتوى الاصطناعي المرتبط بالصراع الإيراني الإسرائيلي رفع التضليل إلى مستوى صناعي حقيقي، فالفيديوهات المزيفة تنتشر وتُقبَل على أنها حقيقية، بينما التوثيق الحقيقي لضحايا مدنيين يُرفَض باعتباره مفبركاً، الاتجاهان كلاهما وجهان للمشكلة ذاتها وعَرَضٌ من أعراض الفشل الممنهج نفسه.

أعلنت Meta ترحيبها بقرار المجلس، وأكدت أنها ستتخذ إجراءات على المحتوى المطابق الذي يُنشر في السياق ذاته حين يكون ذلك ممكناً تقنياً وتشغيلياً. وتملك الشركة ستين يوماً للرد الرسمي على التوصيات.

والجدير بالذكر أن المجلس أصدر حتى الآن أكثر من 200 قرار وأكثر من 320 توصية منذ انطلاق عمله عام 2020، ونفّذت Meta جميع قراراته الملزمة وقرابة 75% من توصياته، غير أن الشفافية في تتبع التنفيذ لا تزال موضع انتقاد.

لا يقتصر أثر هذا القرار على Meta وحدها. يرى المجلس أن الصناعة بأسرها تحتاج إلى تنسيق حقيقي لمساعدة المستخدمين على التمييز بين المحتوى الاصطناعي المضلل والمحتوى الأصيل، وعلى المنصات كافة معالجة الحسابات المسيئة التي تُروّج لهذا النوع من المحتوى.

الخلاصة هي أن فيديو مدته دقائق من حساب مجهول في الفلبين جمع 700 ألف مشاهدة دون أدنى تدخل، وهذا الرقم يكفي وحده ليكون صرخة تنبيه لكل منصة رقمية في العالم. السؤال الحقيقي الآن: هل تملك Meta الإرادة الحقيقية للتغيير قبل أن تتكرر القصة في النزاع القادم؟