سلوكيات مؤذية داخل الفضاء الرقمي..
العنف الرقمي يهدد المراهقين.. تحذيرات من آثاره النفسية والاجتماعية
مع التوسع الكبير في استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، أصبح العالم الرقمي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للأفراد، سواء في العمل أو الدراسة أو التواصل الاجتماعي. غير أن هذا التحول السريع نحو الفضاء الافتراضي لم يخلُ من تحديات جديدة، أبرزها ظهور أنماط حديثة من العنف والسلوكيات المؤذية التي تمارس عبر الشبكات الرقمية.
فالعنف لم يعد يقتصر على صورته التقليدية في الشارع أو المدرسة أو داخل الأسرة، بل امتد إلى العالم الافتراضي، حيث يمكن أن يتعرض الأفراد للإساءة أو التهديد أو التشهير وهم يجلسون أمام شاشات هواتفهم أو حواسيبهم. ومع اتساع نطاق التفاعل عبر الإنترنت وسهولة تداول المعلومات والصور، باتت ظاهرة ما يعرف بـ"العنف الرقمي" واحدة من أبرز القضايا الاجتماعية التي تثير القلق في المجتمعات المعاصرة.
سلوكيات مؤذية داخل الفضاء الرقمي
وفي هذا السياق، أكد الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن العنف الرقمي يمثل أحد أشكال العنف الحديثة التي ظهرت مع تطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا.
وأوضح أن هذا النوع من العنف يتمثل في أي سلوك مؤذٍ يمارس عبر الإنترنت أو من خلال الوسائط الرقمية بهدف إلحاق الضرر النفسي أو الاجتماعي أو المادي بالآخرين، مشيرًا إلى أن هذه السلوكيات قد تشمل التنمر أو التهديد أو الابتزاز أو تشويه السمعة.
وأضاف أن خطورة العنف الرقمي تكمن في أنه يحدث غالبًا دون احتكاك مباشر بين الأفراد، ما يجعل الكثيرين يستهينون بتأثيره، رغم أن نتائجه قد تكون عميقة ومؤثرة في حياة الضحايا.
صور متعددة للعنف الرقمي
وأشار رشاد إلى أن العنف الرقمي يتخذ صورًا متعددة، من أبرزها التنمر الإلكتروني الذي يظهر في شكل تعليقات جارحة أو سخرية أو نشر شائعات بهدف الإساءة إلى الآخرين.
وأوضح أن الشائعة نفسها قد تُعد أحد أشكال العنف، لما تسببه من أضرار نفسية واجتماعية للشخص المستهدف، خاصة إذا انتشرت بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
كما لفت إلى أن الابتزاز الإلكتروني يعد من أخطر صور العنف الرقمي، حيث يحصل بعض الأشخاص على صور أو معلومات خاصة بالضحايا ثم يستخدمونها كوسيلة للتهديد أو الضغط للحصول على المال أو إجبار الضحية على تنفيذ مطالب غير مشروعة.
ومن بين الأشكال الأخرى للعنف الرقمي أيضًا التشهير وتشويه السمعة عبر نشر معلومات أو صور بقصد الإساءة إلى شخص ما، إضافة إلى ما يعرف بالمطاردة الرقمية، حيث يقوم بعض الأشخاص بملاحقة الآخرين عبر الإنترنت من خلال الرسائل المتكررة أو مراقبة أنشطتهم الرقمية بشكل مبالغ فيه.
آثار نفسية واجتماعية خطيرة
وأوضح أستاذ علم الاجتماع أن الدراسات الدولية تشير إلى أن نسبة كبيرة من الشباب حول العالم تعرضت لشكل من أشكال العنف الرقمي، وهو ما يعكس حجم انتشار هذه الظاهرة في العصر الرقمي.
وأضاف أن التعرض المستمر للتنمر أو الابتزاز الإلكتروني قد يترك آثارًا نفسية عميقة على الضحايا، مثل الشعور بالقلق والتوتر والاكتئاب وفقدان الثقة بالنفس، كما قد يدفع بعض الأشخاص إلى العزلة الاجتماعية نتيجة الضغوط النفسية التي يتعرضون لها.
وأشار إلى أن تأثير العنف الرقمي لا يتوقف عند حدود العالم الافتراضي، بل يمتد إلى الحياة الواقعية، حيث قد يؤثر في العلاقات الاجتماعية للأفراد وعلى أدائهم الدراسي أو المهني.
ولفت إلى أن الأطفال والمراهقين يعدون من أكثر الفئات عرضة لمخاطر العنف الرقمي، إذ قد يؤدي تعرضهم المستمر لهذه السلوكيات إلى مشكلات نفسية ودراسية، وفي بعض الحالات قد يصل الأمر إلى التفكير في إيذاء النفس نتيجة الضغوط النفسية المتراكمة.
ضرورة تعزيز الوعي الرقمي
وفي ختام حديثه، شدد الدكتور وليد رشاد على أهمية رفع مستوى الوعي المجتمعي بمخاطر العنف الرقمي وسبل الوقاية منه، مؤكدًا ضرورة توخي الحذر عند مشاركة المعلومات أو الصور الشخصية عبر الإنترنت.
كما دعا إلى مراجعة إعدادات الخصوصية في الحسابات الإلكترونية بشكل دوري، والحرص على حماية البيانات الشخصية من الاستغلال.
ووجه رسالة إلى الأسر بضرورة متابعة استخدام الأبناء للإنترنت وفتح حوار مستمر معهم حول مخاطر العالم الرقمي وكيفية التعامل معه بشكل آمن ومسؤول.
وأكد أن العنف الرقمي لا يمكن اعتباره مجرد كلمات عابرة على شاشة، بل قد يترك آثارًا نفسية عميقة وطويلة الأمد، مشددًا على أهمية ترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا حتى تظل الوسائل الرقمية أداة للتواصل والبناء، لا وسيلة للإيذاء أو الإساءة.