بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أنثروبيك تتهم 3 شركات صينية بسرقة قدرات كلود لتطوير نماذجها الخاصة

أنثروبيك
أنثروبيك

في عالم الذكاء الاصطناعي، النماذج الكبيرة تُدرب بمليارات الدولارات وملايين ساعات العمل، لكن ثمة طريقة أقصر وأرخص بكثير: أن تُعلم نموذجك الأضعف على إجابات نموذج أقوى، فيكتسب قدراته دون أن يمر بتلك الرحلة الطويلة والمكلفة، هذا ما يُسمى في عالم الذكاء الاصطناعي "التقطير"، وهو ما اتهمت أنثروبيك ثلاث شركات صينية بارتكابه على نطاق صناعي ضد نموذجها كلود.

لم تكتفِ أنثروبيك بالاتهام العام، بل جاءت بأرقام صادمة، الشركة أعلنت أن كلاً من DeepSeek وMoonshot وMiniMax تسببت في ما يزيد على 16 مليون تبادل مع كلود عبر ما يقارب 24,000 حساب مزيف، في إطار ما وصفتها بـ"حملات على نطاق صناعي بهدف استخراج قدرات كلود بصورة غير مشروعة لتحسين نماذجها الخاصة".

الرقم ليس مجرد إحصاء، إنه يكشف عن عملية منظمة ومتعمدة ومستمرة، لا مجرد استخدام عابر أو فضولي لأداة متاحة للجمهور.

 ما هو "التقطير" وما الخطر منه؟

التقطير في حد ذاته ليس ظاهرة سيئة بطبعها، إنه أسلوب معتمد في بحوث الذكاء الاصطناعي يُتيح بناء نماذج أصغر وأكفأ تستفيد من معرفة النماذج الأكبر، لكن أنثروبيك تُميز هنا بين الاستخدام الأكاديمي المشروع وبين ما تصفه بهجمات التقطير ذات الطابع التجاري العدائي.

الخطر المزدوج الذي تُشير إليه الشركة هو أن هذه العملية لا تنقل القدرات فحسب، بل قد تنقل معها الثغرات والضوابط الأمنية وهذا الأخطر تتجاوزها، بمعنى أن نموذجاً يتدرب على إجابات كلود قد يكتسب شيئاً من طريقة تفكيره دون أن يرث قيوده الأخلاقية المبنية بعناية، مما يُفضي إلى نماذج أكثر قدرة لكن أقل أماناً.

 كيف اكتشفت أنثروبيك ذلك؟

ما يمنح هذه الاتهامات ثقلاً إضافياً هو الطريقة التي تقول الشركة إنها جمعت بها أدلتها، أنثروبيك أعلنت أنها ربطت كل حملة تقطير بالشركات المحددة بـ"ثقة عالية" استناداً إلى ثلاثة مسارات: أولاً ارتباط عناوين IP، وثانياً أنماط بيانات الطلبات والبنية التحتية المستخدمة، وثالثاً التنسيق مع جهات أخرى في قطاع الذكاء الاصطناعي رصدت سلوكيات مماثلة.

هذا الأسلوب التحقيقي يُشبه ما تتبعه جهات أمن المعلومات في الكشف عن الجهات الحكومية المتقدمة المنفذة لهجمات الإنترنت، وهو مؤشر على مدى جدية أنثروبيك في التعامل مع هذا الملف.

ما يمنح هذه القضية سياقاً أوسع هو أن أنثروبيك ليست الأولى على هذا الطريق، في وقت سابق من العام الماضي، أعلنت OpenAI اتهامات مماثلة بحق شركات منافسة تقطر نماذجها، واتخذت إجراءات بحظر الحسابات المشتبه بها، المشهد إذن يتكرر، وما بدا استثناءً يتحول إلى نمط.

في المقابل، أنثروبيك لم تقف عند الاتهام، الشركة أعلنت أنها ستُطوّر أنظمتها لجعل هجمات التقطير أصعب تنفيذاً وأسهل اكتشافاً في المستقبل، وهو رد فعل منطقي ينقل المعركة من القضاء إلى الهندسة.

الصورة لن تكتمل دون ذكر تفصيل يكشف مدى تعقيد هذا القطاع، في الوقت الذي تُلوح فيه أنثروبيك بالملاحقة القانونية ضد من تتهمهم باستغلال كلود، تواجه الشركة نفسها دعوى قضائية من ناشرين موسيقيين يتهمونها باستخدام أغانٍ محمية بحقوق الملكية الفكرية لتدريب كلود دون إذن.

 الجميع في هذا القطاع يُطالب بالحقوق وفي الوقت نفسه يواجه مطالبات مماثلة، وهذا ربما يعكس طبيعة مرحلة انتقالية لم تستقر فيها قواعد اللعبة بعد.

ما تكشفه هذه القضية يتجاوز أنثروبيك والشركات الثلاث المتهمة، إنها لحظة مفصلية في تاريخ صناعة الذكاء الاصطناعي تُثير أسئلة جوهرية لم تجد إجاباتها القانونية والأخلاقية بعد: من يملك "أسلوب التفكير" لنموذج ذكاء اصطناعي؟ هل التقطير التجاري من نموذج متاح للعموم سرقة أم توظيف مشروع لأداة تجارية؟ وكيف يمكن لشركات كأنثروبيك أن تحمي ما بنته بمليارات الدولارات في ظل نماذج أعمال قائمة على إتاحة هذه النماذج للجميع؟

الأشهر القادمة ستُحدد ما إذا كانت هذه الاتهامات ستتحول إلى قضايا قانونية فعلية أم ستبقى في دائرة الضغط الإعلامي، لكن في كلتا الحالتين، رسالة أنثروبيك وصلت بوضوح: المراقبة مستمرة، والاستخراج غير المشروع لقدرات كلود لم يعد يمر دون حساب.