بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الحدود الجنوبية للجزائر تشهد تطوراً أمنياً بالغ الحساسية

باحث سياسي: منطقة القارة الأفريقية تعاني من انتشار الجماعات المسلحة

بوابة الوفد الإلكترونية

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها القارة الأفريقية، ولا سيما في منطقة الساحل والصحراء، تتصاعد المخاوف من اتساع رقعة الاضطرابات الأمنية وتحوّلها إلى بؤر صراع مفتوحة تتداخل فيها العوامل المحلية بالإقليمية والدولية. 

عدد من بلدان أفريقيا بات يواجه تحديات معقدة تتجاوز النمط التقليدي لانتشار الجماعات الإرهابية أو شبكات التهريب العابرة للحدود، لتدخل مرحلة أكثر حساسية تتسم بتعدد الفاعلين المسلحين، وتنامي النزعات الانفصالية، وتوظيف أدوات تكنولوجية حديثة في ساحات صراع هشة بطبيعتها.

وتُعد منطقة الساحل نموذجاً واضحاً لهذا المشهد المضطرب؛ إذ تعاني دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو من تمدد الجماعات المسلحة، سواء ذات الطابع الجهادي أو الانفصالي، في ظل هشاشة البنى الأمنية وضعف السيطرة على الحدود الشاسعة. 

ومع تراجع الوجود العسكري الأجنبي في بعض هذه الدول، برزت معادلات جديدة أعادت رسم خريطة التهديدات، وأدخلت أطرافاً خارجية في دائرة الاتهام بدعم أطراف مسلحة عبر أدوات غير مباشرة، ما يعمّق من تعقيد الأزمة ويجعلها أقرب إلى صراع نفوذ بالوكالة.

تطوراً أمنياً بالغ الحساسية:

ومن جانبه، قال الباحث والمحلل السياسي، ياسين الحمد، إن الحدود الجنوبية للجزائر تشهد تطوراً أمنياً بالغ الحساسية، في ظل تحولات متسارعة في منطقة الساحل أعادت رسم طبيعة التهديدات وحدّتها، مضيفا أن المعادلة لم تعد مقتصرة على نشاط جماعات إرهابية تقليدية أو شبكات تهريب عابرة للحدود، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً مع اقتناء جبهة تحرير أزواد شمال مالي لشحنة أخرى من الطائرات المسيّرة الأوكرانية، واستخدامها ميدانياً ضد الجيش في مالي، بالتوازي مع تنسيق عملياتي مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

هجوم بعبوة ناسفة:

وأضاف الحمد، أن هذا التحول النوعي لا يخص مالي وحدها، بل يضع جنوب الجزائر أمام تهديد حقيقي ومباشر، خاصة بعد الإعلان عن ولادة حركة مسلحة انفصالية جديدة في منطقة عين قزام، مدعومة تسليحياً من جبهة تحرير أزواد ولوجيستيا من باريس، تتبنى خطاب “أزواد الكبرى” وتلوّح صراحة بمواجهة الجيش الجزائري.

وتابع الحمد أن الهجوم الذي وقع في 18 فبراير بين أنيفيس وأغيلهوك في منطقة كيدال شكّل محطة مفصلية، إذ أعلنت جبهة تحرير أزواد مسؤوليتها عن ضربة بطائرة مسيّرة  يُقال إنها من منشأ أوكراني  استهدفت قافلة للجيش المالي، بالتزامن مع هجوم بعبوة ناسفة نفذته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

وأوضح الحمد، أن هذا الاستخدام المتزامن للمسيّرات والعبوات الناسفة يعكس مستوى متقدماً من التنسيق الميداني، ويؤكد أن إدخال تكنولوجيا الدرونات إلى الصراع في الساحل لم يعد مجرد احتمال، بل أصبح واقعاً عملياتياً، وأنه بالنسبة للجزائر، فإن امتلاك جماعات غير نظامية لهذه التكنولوجيا على مقربة من حدودها الجنوبية الشاسعة يمثل تهديداً استراتيجياً، إذ يمنح تلك الجماعات قدرة على الاستطلاع العميق، وضرب أهداف بعيدة نسبياً، وخلق حالة استنزاف أمني مستمر، موضحا أن المخاوف لا تتعلق فقط باستخدام هذه المسيّرات داخل مالي، بل بإمكانية انتقال الخبرة والسلاح إلى الداخل الجزائري، خاصة مع ظهور حركة انفصالية تعلن صراحة تبنيها لمشروع “أزواد الكبرى”.

واستطرد: "تقارير إعلامية عدة سلطت الضوء على الدور الخارجي في تسليح جبهة تحرير أزواد، أبرزها تقرير   تحدث عن دعم استخباراتي أوكراني في اقتناء المسيّرات وتزويد الجبهة بمعلومات عن مواقع الجيش المالي، كما عرضت آرتي الفرنسية مؤخرا وثائقياً تضمّن مشاهد تدريب عناصر من الجبهة على استخدام الدرونات، وتحدث عن زيارات مستشارين عسكريين أوكران لمعسكرات الحركة، بل وتدريب بعض عناصرها داخل أوكرانيا".

وأكد الحمد، أنه بحسب محللين سياسيين مختصين في الشأن الإفريقي فإن تكرار هذه المعطيات في أكثر من منبر إعلامي وسياسي يسلط الضوء على بعد دولي كبير في الصراع، ويعزز فرضية انتقال الحرب بالوكالة إلى منطقة الساحل، عبر أدوات تكنولوجية منخفضة الكلفة وعالية التأثير.

موازاة الحديث عن الدور الأوكراني:

وقال إن باريس في دائرة الاتهام مجدداً، وإنه في موازاة الحديث عن الدور الأوكراني، تعود باريس إلى واجهة الجدل، فمنذ انسحاب القوات الفرنسية من عدة دول في الساحل وغرب افريقيا، والمنطقة تشهد تواصلا مستمرا لهجمات ارهابية مدعومة بأسلحة متطورة لم تكن بحيازتها من قبل ما جعل عدد من القادة الأفارقة في العديد من المناسبات الدولية يوجهون اتهامات صريحة لفرنسا بدعم جماعات مسلحة عن طريق عناصر في الاستخبارات الأوكرانية، 
إذ كان من أبرز هذه التصريحات ما صدر عن الزعيم النيجري عبد الرحمن تشياني، الذي اتهم باريس بالوقوف وراء زعزعة الاستقرار في بلاده، بل ووجّه اتهاماً لها بالضلوع في هجوم استهدف مطار نيامي مؤخراً.

وذكر أنه  رغم أن باريس تنفي هذه الاتهامات، إلا أن التقارير الأمنية والإعلامية تشير إلى سردية مفادها أن المنطقة تحولت إلى ساحة نفوذ تستخدم فيها باريس استراتيجية حرب الوكالة  التي تقودها الاستخبارات الأوكرانية لدعم الحركات المسلحة و الانفصالية وجعلها كأدوات ضغط غير مباشرة لتحقيق أهدافها التخريبية هناك.

وأكد الحمد أنه في هذا السياق الإقليمي المضطرب، يبرز إعلان حركة “الطوارق الأحرار” في جنوب الجزائر نهاية يناير الفارط عن مهلة للجيش الجزائري للانسحاب من الجنوب باعتباره تطوراً بالغ الخطورة، إذ أن الحركة تتبنى خطاباً انفصالياً صريحاً، وتربط نفسها بمشروع “أزواد الكبرى”، في وقت تشير فيه معطيات إلى دعم محتمل من جبهة تحرير أزواد، وأن مصادر محلية من منطقة عين قزام أفادت برصد سائحين فرنسيين رفقة عناصر مسلحة من الطوارق في حادثة غير مسبوقة في المنطقة، ما أثار تساؤلات حول دورهم في دعم ولادة الحركة وتسهيل تنقلها وتسليحها، بالتوازي مع دعم جبهة تحرير أزواد اللوجستي والعسكري، قائلا: "هذه المعطيات تشير إلى احتمال وجود تنسيق غير معلن بين الحركة الوليدة والجبهة الانفصالية شمال مالي وباريس مما يزيد من خطورة التهديد على الأمن الجزائري".

قدرة عسكرية محتملة:

وشدد على أنه إذا ما اقترنت النزعة الانفصالية الناشئة بامتلاك المسيّرات الأوكرانية المنشأ أو الاستفادة من خبرة تشغيلها، فإن التهديد يتحول من خطاب سياسي إلى قدرة عسكرية محتملة وهنا تكمن خطورة المرحلة: الجمع بين الدافع الانفصالي، والأداة التكنولوجية المتطورة، وسياق إقليمي مشحون باتهامات التدخل الخارجي، موضحا أن التحدي الذي يواجه الجنوب الجزائري اليوم ليس مجرد احتمال تسلل عناصر مسلحة عبر الحدود، بل احتمال تشكل بيئة صراع جديدة تعتمد على المسيّرات، والتنسيق بين انفصاليين وجهاديين، وتغذية إدارة الإيليزي لمشروع انفصالي عابر للحدود.

ورأى الحمد أن استقرار الجزائر مرتبط ارتباطاً وثيقاً بما يجري في شمال مالي والساحل عموماً. وعليه، فإن هذه المرحلة تتطلب يقظة استراتيجية شاملة، تجمع بين الردع الأمني، والتحرك الدبلوماسي المتمثل في الوساطة بين حكومة مالي وجبهة تحرير أزواد كتلك التي قادتها في 2014، وذلك في سبيل مواجهة تهديد متعدد الأبعاد قد يعيد رسم ملامح الأمن في المنطقة بأسرها.