بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

محمد فاضل في معرض الكتاب: الدراما رسالة مقدسة وبناء للوعي

بوابة الوفد الإلكترونية

شهدت قاعة «كاتب وكتاب» ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوة لمناقشة كتاب «أن ترى الحياة وكأنها دراما.. إخراج محمد فاضل» للكاتب يوسف الشريف، الصادر عن دار ريشة للنشر والتوزيع.
 

أدار الندوة حسين عثمان، بحضور الناقد محمود عبد الشكور والفنانة فردوس عبد الحميد، حيث تحوّل اللقاء من مجرد احتفاء بإصدار جديد إلى مراجعة نقدية وتاريخية لمسيرة الدراما المصرية، وتقاطعات الرؤية الفنية للمخرج محمد فاضل مع التحولات الكبرى في تاريخ مصر المعاصر.
استهل محمد فاضل حديثه برحلة في أعماق نشأته التي شكلت وجدانه الفني، مؤكدًا أن الدراما لم تكن بالنسبة له مجرد مهنة، بل قدرًا تشكّل منذ الطفولة، كما روى كيف كان يميل إلى العزلة والقراءة بعيدًا عن ضجيج اللعب في الشوارع، مشيرًا إلى أن شغفه بالحكاية بدأ في سن السابعة، حين علقت بذاكرته أول جملة قرأها: «أيها الزوج»، لتتنامى معه الرغبة في الفهم والتحليل عبر مكتبات الإسكندرية ومسارحها التي كانت متاحة للجميع آنذاك.
وأوضح فاضل أن انتماءه لفن الدراما لم يأتِ بمحض الصدفة، بل عبر تكوين أكاديمي وثقافي رصين، بدأ من مسرح كلية الزراعة، الذي وصفه بأنه كان معهدًا موازيًا، تلقى فيه محاضرات في تاريخ مصر والموسيقى على يد فنانين كبار مثل حمدي غيث ومحمود مرسي، الذين رسّخوا في وعي الطلاب أن الفن بناء اجتماعي ووطني، وليس مجرد وسيلة للترفيه.
وفي حديثه عن رؤيته لمهنة الإخراج، شدّد محمد فاضل على قدسية هذا الفن وضرورة احترامه، قائلًا: «الدراما في رأيي فن مقدس، وقد استخدم الله سبحانه وتعالى القصص والحكي في القرآن الكريم لإيصال العبر والمعاني، لذا لا بد لمن يعمل بالدراما أن يتعامل معها على هذا الأساس. لا تصح الفوضى التي نراها من سيارات تنقلب ومدافع رشاشة في كل بيت، يجب أن نحترم الدراما ونستعملها بما يوازي قيمتها الحقيقية كأداة لبناء الوعي».
وعن مسيرته السينمائية والتلفزيونية، كشف فاضل عن أسباب انحيازه المبكر للشاشة الصغيرة، معتبرًا أن التلفزيون منحه مساحة من الحرية لم توفّرها السينما التي كانت خاضعة لسيطرة المنتج والموزّع. واستعاد تجربة «القاهرة والناس»، التي أخرجها في سن الثامنة والعشرين دون تدخل رقابي أو إداري، مؤكدًا أن المخرج في ذلك الوقت كان القائد المطلق للعمل، والمسؤول عن اختيار النص والممثلين وإدارة الاستوديو، وهو ما أتاح له تقديم وجوه جديدة وموضوعات جريئة أسهمت في تشكيل وجدان المشاهد المصري.
وحول تعامله مع الشخصيات التاريخية، مثل جمال عبد الناصر وأم كلثوم، أكد محمد فاضل رفضه للسرد التاريخي التقليدي القائم على التواريخ والميلاد، مشددًا على أن وظيفة الدراما هي توظيف اللحظة التاريخية للتعبير عن قضايا الحاضر. وعن فيلمه «ناصر 56»، قال: «لم أقدم معركة تاريخية في حياة عبد الناصر، بل اخترت 106 أيام فقط من حياته، في مرحلة تأميم القناة، لأقول للشعب المصري عام 1994 إننا أقوياء وقادرون على فعل المستحيل، ولأؤكد أن شباب مصر الذين أداروا القناة بنجاح هم نموذج للمواطن القادر على صنع المعجزات».
واختتم محمد فاضل حديثه بالتأكيد على أن الفن الحقيقي هو الذي يخرج من رحم الأرض ويحمل هموم الناس، كما تجلّى في أعماله التاريخية والاجتماعية التي لم تخضع لرقابة دينية أو سياسية، لاعتمادها على البحث والمذاكرة والصدق.
من جانبه، كشف الناشر حسين عثمان عن كواليس المغامرة التي خاضها للجمع بين محمد فاضل ومؤلف شاب في مقتبل العمر. وأوضح أنه حين رشّح يوسف الشريف للعمل على الكتاب، كان يدرك طبيعة شخصية فاضل الصارمة ومواقفه المهنية، متوقعًا تحفّظه على كاتب لم يتجاوز الخامسة والعشرين، غير أن معرفة عثمان بتجربة الشريف السابقة في توثيق مسيرة يوسف شاهين دفعته للإصرار على هذا اللقاء بين جيلين.
بدوره، استعرض يوسف الشريف مراحل توثيق مسيرة محمد فاضل، واصفًا التجربة بأنها مغامرة فنية ونقطة تحول استغرقت عامين من العمل. وأكد أن أعظم مكاسبه تمثّل في استيعاب المخرج لرؤيته النقدية، مشيرًا إلى أنه وجد في محمد فاضل فنانًا مثقفًا يتمتع بمرونة نادرة في التواصل مع الجيل الجديد دون تسفيه لأفكاره.
وعن البناء الفني للكتاب، أوضح الشريف أنه تمرّد على النمطية التاريخية، واختار أسلوب «التجريد» عبر تحويل السيرة إلى حلقات ومشاهد درامية، تبدأ بمشهد الميلاد الذي صاغه بأسلوب روائي حي نال استحسان المخرج منذ القراءة الأولى. وفسّر توقفه عند الحلقة التاسعة والعشرين بقوله: «المسلسل الدرامي في عرفنا ثلاثون حلقة، لكنني رأيت أن الحلقة الأخيرة في حياة محمد فاضل لم تأتِ بعد، وأتمنى ألا تنتهي هذه المسيرة أبدًا».
وفي مداخلته، قدم الناقد محمود عبد الشكور قراءة تحليلية للكتاب، مؤكدًا أن محمد فاضل يمثل حالة استثنائية في تاريخ الإبداع المصري، واصفًا إياه بأنه أحد معلمي الدراما الذين تشكّل وعي أجيال كاملة على أيديهم، خاصة جيل السبعينيات الذي تفتّح وعيه في عصر التلفزيون الأبيض والأسود.
واستعاد عبد الشكور ذكريات أعمال محمد فاضل الأولى، مشيرًا إلى قدرته اللافتة على اكتشاف المواهب الجديدة وتقديمها بسلاسة، مستشهدًا بمسلسل «أحلام الفتى الطائر» ومنحه البطولة لعادل إمام في بداياته، مؤكدًا أن فاضل لم يتردد يومًا في منح الفرصة لجيل الشباب، من نور الشريف وصابرين وغيرهما، وهو النهج الذي واصل به دعمه للأجيال الجديدة عبر تبنّيه تجربة يوسف الشريف، ليأتي الكتاب في النهاية بمثابة وفاء واعٍ لجيل المؤسسين.
وفي قراءته لمحتوى الكتاب، شدّد عبد الشكور على أن القارئ لا يطالع مجرد سيرة مخرج، بل سيرة وطن تتقاطع مع سيرة فنان، موضحًا أن محمد فاضل ابن جيل الخمسينيات، الذي عايش تحولات كبرى انعكست بوضوح في أعماله المشبعة بالهم المصري الخالص.
وأكد عبد الشكور وعي فاضل في اختيار نصوصه، مثل «أبو ذر الغفاري» بما يحمله من أبعاد اقتصادية وسياسية، و«الراية البيضا» التي وصفها بأنها صرخة ضد اغتيال المدينة، ومحاولة لتدمير الجمال والوعي، معتبرًا أن محمد فاضل فنان صنع تجربته بوعي جعله حاضرًا ومؤثرًا في أجيال متعاقبة.