«الڤيب» تحت المجهر الطبي.. جدل متصاعد بين الشائعات والحقائق العلمية
في ظل موجات متلاحقة من الجدل والقلق المجتمعي، عادت السجائر الإلكترونية، المعروفة بـ«الڤيب»، إلى صدارة النقاش العام، بعد تداول أنباء عن ارتباطها بحالات وفاة مفاجئة، ما فتح الباب أمام سيل من التساؤلات والاتهامات المتبادلة، بين من يرى فيها بديلاً أقل ضررًا للتدخين التقليدي، ومن يحذر من مخاطرها الصحية الكامنة التي قد لا تظهر آثارها بشكل فوري.
وبين تضارب الآراء وانتشار الشائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تصبح الحاجة ملحة إلى صوت طبي متخصص قادر على تفكيك هذا الجدل من منظور علمي، بعيدًا عن التهويل أو التهوين، خاصة أن القضية تمس صحة الإنسان وحياته بشكل مباشر.
لا يمكن ربط الوفيات بالڤيب دون دليل علمي
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد صدقي، استشاري الصدر والحساسية، أن التعامل مع الجدل المثار حول السجائر الإلكترونية يجب أن ينطلق من أساس علمي واضح، مشددًا على أن ربط أي منتج بحالات وفاة يتطلب أدلة طبية قاطعة ودراسات موثقة، وليس مجرد انطباعات أو أخبار متداولة دون سند علمي.
وأوضح صدقي أن الطب لا يتعامل مع الوقائع بمنطق الشائعات أو التخمين، بل يستند إلى أبحاث ودراسات طويلة المدى، محذرًا من التسرع في إطلاق الأحكام، لما لذلك من آثار سلبية على وعي المواطنين وثقتهم بالمعلومة الطبية.
التدخين مضر بجميع أشكاله
وأشار استشاري الصدر والحساسية إلى أن جميع أشكال التدخين مضرة بالصحة دون استثناء، سواء كانت سجائر تقليدية، أو شيشة، أو سجائر إلكترونية، مؤكدًا أن هذا الأمر محسوم علميًا ولم يعد محل خلاف داخل الأوساط الطبية.
وأضاف أن الفكرة الشائعة حول كون السجائر الإلكترونية «أقل ضررًا» لا تعني على الإطلاق أنها آمنة، موضحًا أن اختلاف الشكل أو طريقة الاستخدام لا يلغي التأثيرات السلبية على الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية وباقي أجهزة الجسم، خاصة مع الاستخدام المنتظم وعلى المدى الطويل.
النيكوتين.. جوهر المشكلة
وأوضح صدقي أن التبغ، سواء تم حرقه كما في السجائر التقليدية أو تسخينه كما في السجائر الإلكترونية، يحتوي على مادة النيكوتين، وهي المادة الأساسية المسؤولة عن الإدمان، مشيرًا إلى أن النيكوتين يؤثر بشكل مباشر على الجهاز العصبي.
وأضاف أن هذه المادة تمنح المدخن شعورًا مؤقتًا بالتحسن أو الاسترخاء، إلا أن هذا التأثير سرعان ما يزول، ما يدفع الشخص إلى تكرار التعاطي، والدخول في دائرة الاعتماد النفسي والجسدي، مؤكدًا أن هذا الوهم المؤقت بالسيطرة يمثل أحد أخطر جوانب التدخين.
ولفت إلى أن الاعتماد المتزايد على النيكوتين يؤدي مع الوقت إلى الحاجة لجرعات أكبر لتحقيق التأثير نفسه، وهو ما يضاعف المخاطر الصحية ويزيد من احتمالات الإصابة بالأمراض الصدرية والقلبية.
الشباب في دائرة الخطر
وفي ختام حديثه، شدد الدكتور محمد صدقي على أهمية رفع الوعي الصحي، خاصة بين فئة الشباب، الذين يُعدّون الأكثر إقبالًا على السجائر الإلكترونية، نتيجة الدعاية الواسعة التي تُقدّم «الڤيب» في صورة عصرية وأقل ضررًا.
ودعا إلى عدم الانسياق وراء الحملات التسويقية المضللة، والاعتماد على المصادر الطبية الموثوقة في تقييم المخاطر الصحية، مؤكدًا أن الوقاية الحقيقية تبدأ بالامتناع عن التدخين بجميع أشكاله، وليس استبدال نوع بآخر، لأن الضرر، وإن اختلفت صورته، يظل قائمًا.