بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

"قلق الوجود وأسئلة المصير".. قراءة فلسفية في مشروع نجيب محفوظ الروائي بمعرض الكتاب

بوابة الوفد الإلكترونية

في إطار فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، شهدت القاعة الرئيسية ببلازا (1)، ضمن محور «شخصية المعرض: نجيب محفوظ»، انعقاد ندوة فكرية بعنوان «قلق الوجود وأسئلة المصير.. الأسئلة الفلسفية في مشروع نجيب محفوظ الروائي». 
 

شارك في الندوة كل من: الدكتور بهاء درويش، أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب جامعة المنيا، والدكتور سامح الطنطاوي، أستاذ الفلسفة وعلم الجمال بكلية الآداب جامعة العاصمة، والدكتور صلاح السروي، أستاذ الأدب المقارن بجامعة العاصمة، وأدار الندوة الدكتور أشرف منصور، أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة الإسكندرية.
 

وفي مستهل الندوة، رحب الدكتور أشرف منصور بالحضور، وأثنى على اهتمام الجمهور بالفكر والفلسفة، مؤكدًا أن الندوة تأتي في توقيت بالغ الأهمية، لما تمثله تجربة نجيب محفوظ من تداخل فريد بين الفلسفة والسرد الروائي.
 

وأوضح منصور أن نجيب محفوظ يُعد حالة نادرة في الأدب العربي، كونه خريج قسم الفلسفة، وبدأ مسيرته الفكرية بكتابة مقالات فلسفية اتسمت بالاحترافية، قبل أن يتجه إلى الرواية، مشيرًا إلى أن محفوظ لم يكن مجرد أديب مطلع على الفلسفة، بل باحثًا حقيقيًا استطاع تسريب رؤاه الفلسفية داخل النسيج السردي دون مباشرة أو افتعال.
 

وأضاف أن محفوظ ظهر في مرحلة شهد فيها العالم ازدهار التيارات الفلسفية خلال القرن العشرين، حيث خرجت الفلسفة من الإطار الأكاديمي إلى الشارع، وتداخلت مع الأدب والفنون، مؤكدًا أن محفوظ لم يكن يسعى إلى تمرير أفكار فلسفية بعينها، بقدر ما كان يعكس أسئلة الإنسان الوجودية داخل رواياته.
 

ومن جانبه، قال الدكتور بهاء درويش إن الأسئلة الفلسفية تسكن وعي الإنسان منذ لحظة تكوّنه الأولى، وهي أسئلة فطرية يعبر عنها البشر في حياتهم اليومية، موضحًا أن الأديب بطبيعته يُجسّد هذه الأسئلة من خلال شخصياته وأحداثه الروائية.
وأشار إلى أن أدب نجيب محفوظ ظل حيًا ومتجددًا لأنه نابع من بيئة أصيلة، لافتًا إلى أن المرحلة الوجودية في أعماله تجلت بوضوح في أربع روايات رئيسية، من بينها «اللص والكلاب»، التي عبرت عن فكرة الاغتراب والبحث عن الذات، وتحميل الفرد مسؤولية اختياراته حتى النهاية.
 

وأضاف درويش أن رواية «الطريق»، التي تُرجمت إلى الإنجليزية بعنوان «البحث»، عكست بعمق رحلة البحث عن السكينة والطمأنينة بعد فقدان الأم، بينما جسّدت رواية «الشحاذ» فكرة أن الاغتراب لا يرتبط بالفقر المادي، إذ امتلك بطل الرواية كل متع الحياة، ومع ذلك عانى فراغًا وجوديًا قاتلًا.
 

كما أوضح أن العبث والاغتراب بديا واضحين في رواية «ثرثرة فوق النيل»، التي رأى بعض النقاد أنها تنبأت بهزيمة عام 1967، مؤكدًا أن هذه الأسئلة الفلسفية هي السر الحقيقي في خلود أعمال نجيب محفوظ.
 

وفي مداخلة جانبية، تطرق درويش إلى قضية الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن فكرة إفناء الإنسان، من منظور ديني وعلمي، تظل غير منطقية، متسائلًا: «إذا قضى الذكاء الاصطناعي على البشر، فماذا سيفعل بعد ذلك؟».
 

وبدوره، أكد الدكتور صلاح السروي أن الندوة تكتسب أهميتها الاستثنائية، ليس فقط لكونها تناقش قامة أدبية بحجم نجيب محفوظ، بل لأنها تفتح ملف العلاقة الشائكة والدائمة بين الأدب والفلسفة، مشيرًا إلى أن الأدب تشكيل جمالي مادته اللغة، وأن قضية الجمال ظلت محورًا أساسيًا في التفكير الفلسفي منذ نشأته.
 

وأوضح السروي أن الفلسفة تقوم على ثلاثة مداخل رئيسية: الوجود، والمعرفة، والقيم، وأن الأدب يُعد جزءًا فكريًا من البناء الفلسفي، لافتًا إلى وجود علاقة وثيقة ومتبادلة بين المجالين، حيث عبر بعض الفلاسفة عن أفكارهم عبر الأدب، بينما قدّم نجيب محفوظ رؤى فلسفية عميقة من خلال الرواية.
 

وأشار إلى أن نجيب محفوظ هو ابن ثورة 1919، ولا يمكن فهم مشروعه الإبداعي بمعزل عن الزمن الاجتماعي والسياسي الذي عاشه، مؤكدًا أن محفوظ كان كاتبًا نقديًا بامتياز، لم يعبر يومًا عن رضا كامل تجاه واقعه، بل ظل يقلب الأفكار ويدير الحوار بين التيارات الفكرية المختلفة داخل أعماله.
 

وأضاف أن عظمة محفوظ تعود إلى عنصرين أساسيين: ارتباطه العميق بواقعه المحلي، وقدرته على الاشتباك مع المتغيرات العالمية الكبرى، سواء الفكرية أو الحضارية، فضلًا عن استلهامه للتاريخ المصري القديم في أعماله الأولى، مثل: «عبث الأقدار»، و«رادوبيس»، و«كفاح طيبة».
 

واختتم الدكتور سامح الطنطاوي الندوة، مثمنًا إسهامات المشاركين، ومشيرًا إلى أن شعار المعرض «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونًا» يلخص فلسفة نجيب محفوظ، الذي آمن بأن القراءة تمنح الإنسان أعمارًا إضافية.
 

وأكد الطنطاوي أن نجيب محفوظ هو الأديب العربي الأكثر حضورًا في الثقافات الأجنبية، لأن مشروعه انطلق من خلفية فلسفية عميقة، وتجسد في «الحارة المصرية» بوصفها رمزًا للإنسان البسيط، والفوارق الطبقية، وصراعات القوة والضعف.
 

وأضاف أن محفوظ قدم المجتمع المصري للعالم من خلال رواية فلسفية بامتياز، لا يمكن فهمها أو الإحاطة بها إلا بقراءة أعماله كاملة، مختتمًا بقوله: «عند نجيب محفوظ، ينتصر المكتوب على الشخص ذاته».