بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

هموم العام الدراسي تتجدد

بوابة الوفد الإلكترونية


دروس وكتب خارجية ومصاريف مدرسية.. كارثة فى الميزانية
  
يستيقظ عزّ الدين حسن قبل بزوغ الفجر يتناول وجبة الإفطار فى عجالة ويهرع ليقود سيارة أجرة صغيرة يكسب منها قوت يومه، ثم يتوجه فى فترة ما بعد الظهيرة إلى عمله الثانى فى محل لبيع الخضروات، هو أب لثلاثة أبناء فى مراحل دراسية مختلفة، وكلما اقترب موعد بداية العام الدراسى، يتحوّل بيته إلى ورشة حسابات وضغط نفسى متصاعد.
ترتفع الأصوات، وتتكاثر الأسئلة، وتُستنزف الأعصاب، كل حديث عابر مع زوجته يتحوّل إلى نقاش محتدم حول كيفية تدبير المصروفات، ومع كل زيادة جديدة فى الأسعار، يشعر «عزّ الدين» أن كرامته تُنتزع شيئًا فشيئًا أمام أبنائه، حين يضطر إلى تأجيل شراء الزى المدرسى أو تقليص لوازمهم الدراسية.
 
أعباء جديدة
يقول «عزّ الدين»، وهو فى الأربعين من عمره: «هذا العام، بلغت مصاريف اثنين من أبنائى فى المرحلة الابتدائية، شاملة الزى المدرسى والأدوات والكتب، ما بين 7 إلى 8 آلاف جنيه، بزيادة واضحة عن العام الماضى الذى لم تتجاوز فيه التكلفة 6 آلاف. كل شىء تضاعف: الأدوات المكتبية، «السبلايز»، حتى المصروف اليومى للطفل لم يعد كما كان».
زوجته، التى تحاول التوفير قدر الإمكان، تجد نفسها عاجزة عن تلبية أبسط احتياجات الأبناء. تقول وهى تمسح دموعها خفية عنهم: «سألنى أحدهم لماذا لا يملك زيًّا جديدًا مثل زميله، فلم أجد ما أقول. لم أعد أقوى على تفسير عجزنا اليومى أمام أطفال لا يفهمون لغة التضخم ولا موجات الغلاء».
الخلافات اليومية بين عزّ الدين وزوجته تحوّلت إلى روتين مؤلم، تدور بين طلبات الأطفال، ومحاولات الأب لتوفير الأساسيات. الليل ينتهى بصمت ثقيل، والنوم يُغلفه شعور دائم بالقصور.
 
صراع يومى
من القليوبية، يروى خلف محروس، العامل فى مصنع تعبئة بلاستيك، معاناته مع الدخل غير المنتظم. يقول: «بعض الأيام أعمل، وأحيانًا أجلس فى المنزل بلا أجر. لديّ ولد فى المرحلة الإعدادية وبنت فى المرحلة الابتدائية، وأنا غير قادر على إدخالهما مدرسة خاصة. ولكن فى مدارس الحكومة، لا يحصل الأطفال على التعليم الكافى».
ويضيف بصوت يملؤه الانكسار: «ابنى يحتاج دروسًا خصوصية فى اللغة الإنجليزية والرياضيات، لكن أسعار الدروس تضاعفت. المعلم الذى كنت أدفع له خمسة جنيهات يوميًا، طلب هذا العام عشرة. كيف لى أن أوفّر هذا مع دخل متقطع؟».
زوجته تضغط عليه باستمرار، خشية أن يتراجع أداء أبنائهم فى الدراسة. تقول له: «لا أريد أن يتأخروا عن زملائهم، ولا أن يُعاملوا كأنهم أقل منهم».
 
تعليم باهظ الثمن
سارة عبدالمنعم، أم لطفلين وتعمل سكرتيرة فى شركة تجارية، تكافح وحدها لتوفير تعليم جيد لطفليها. اختارت مدرسة تجريبية لغات إيمانًا منها بأهمية التعليم، لكنها لم تتوقع أن تصبح المصروفات عبئًا ثقيلًا بهذا الشكل.
«كل عام ترتفع المصاريف بشكل غير مبرر. الأدوات المطلوبة، الكتب الإضافية، حتى التطبيقات التعليمية والمذكرات الخارجية باتت تكلّفنى ما يقارب ألفى جنيه إضافية.»
سارة، التى لا تستطيع تحمّل تكاليف الدروس الخصوصية، تحاول الاستعانة بالبرامج المجانية أو المجموعات المدرسية. لكنها تلاحظ أن أبناءها يتأخرون تدريجيًا عن أقرانهم. تقول بحزن: «ابنتى سألتنى لماذا لا تذهب إلى مدرس خصوصى مثل صديقاتها. لم أستطع الرد. ابنى قال لى إنه سيحاول بمفرده، لكنه لا يدرك حجم الفجوة التعليمية».
ميزانية رياض الأطفال
عماد موظف حكومى، وزوجته نيفين تعمل جزئيًا من المنزل، ولديهما طفل فى مرحلة رياض الأطفال. اختارا روضة خاصة ذات تكلفة متوسطة، لكنهما فوجئا هذا العام بزيادة غير مبررة فى المصروفات.
يقول عماد: «مصروف الروضة ارتفع من 4 آلاف إلى أكثر من 6 آلاف جنيه، الحقيبة المدرسية أصبحت إجبارية، ويُطلب منا شراء أدوات تعليمية إضافية باهظة الثمن. دفعنا نصف المصروف، ونؤجل الباقى، ونحن فى حالة من التوتر الدائم».
نيفين، تتحدث عن خيبة الأمل المتكررة: «أردت لطفلى بداية تعليمية جيدة، لكننا نُرهق نفسيًا وماليًا. حتى الدراجة التى وعدناه بها عند دخوله المدرسة لم نستطع شراءها. نحن نعيش ما يشبه الصراع الصامت؛ نحاول التماسك، ولكننا فى الحقيقة ننهار ببطء».
 
ميزانية الدروس
يجلس إبراهيم ندا على سطح منزله الكائن فى بولاق الدكرور، يراجع مع زوجته قائمة الطلبات الخاصة بأبنائه الثلاثة قبل بداية الدراسة. إبراهيم، موظف بدرجة كاتب فى إحدى المصالح الحكومية، يشعر بأن راتبه الذى كان يكفى بصعوبة قبل عامين، بات عاجزًا تمامًا هذا العام عن تغطية أى شىء سوى إيجار الشقة والكهرباء.
ابنه الأكبر فى المرحلة الثانوية العامة، ويحتاج إلى دروس خصوصية فى 5 مواد على الأقل، كما يطلب منه المعلمون شراء كتب خارجية وأوراق طباعة بشكل أسبوعى. لم يعد إبراهيم قادرًا على التوفيق بين طلبات المعلمين وبين ما يستطيع دفعه، لذا اضطر إلى بيع هاتفه المحمول ليدفع عربون الحصص الدراسية الأولى.
يقول وهو يطوى كشف الدروس: «أشعر بالمهانة حين أرى ابنى يطلب شيئًا لا أستطيع توفيره، ليس لأنه رفاهية، بل لأنه ببساطة وسيلة للنجاح فى الامتحانات».
زوجته، التى كانت تساعده ببعض دروس الخياطة المنزلية، توقفت هذا العام بسبب تراجع الطلب. تقول: «كنا نظن أن الأعباء ستقل حين يكبر الأبناء، لكنها تضاعفت. الدراسة الآن لم تعد مجرد تعليم، إنها سباق مالى مفتوح».
 
الحد الأدنى
تعيش دعاء فاروق، فى إمبابة، وهى أرملة وأم لطفلين، صراعًا يوميًا بين كرامتها كأم، وواقعها كمُعيلة وحيدة، تعمل فى صالون تجميل نهاريًا، وتقوم بأعمال تنظيف ليلية فى شقق قريبة، فقط لتوفّر الحد الأدنى من مصروفات المدرسة الحكومية التى التحق بها طفلاها.
تقول دعاء بحزن عميق: «جلست طوال الليل أُخيط قطعة قماش لتوسيع الزى، وأنا أبكى بصمت. كنت أظن أن التعليم فى مصر مجانى، لكنه لم يعد كذلك».
 
الكتب الخارجية
يجلس رمضان شوقى، بائع فى محل بقالة، أمام كشك صغير، يتحدث عن 4 أبناء فى مراحل تعليمية مختلفة. دخل رمضان الموسمى لم يعد يكفى أكثر من إطعام أسرته. يقول إن الكتب الخارجية وحدها تستهلك ثلث دخله الشهرى، وإنه اضطر لإخراج ابنته الكبرى من المدرسة الفنية، كى تساعده فى بيع الخضروات على الطريق الزراعى.
يقول بصوت متهدّج: «اضطررت للتضحية بتعليمها، لأنه لم يعد فى وسعى تعليم الجميع، وخفت أن تجوع العائلة كلها إن واصلت الضغط».
 


استشارى علاقات أسرية: الخلافات المالية ليست مشكلة «فلوس».. بل غياب تفاهم
وفى هذا السياق، تحدثت الدكتورة شيماء عراقى، استشارى العلاقات الأسرية والتربوية، عن تأثير الضغوط المادية فى هذه المرحلة، مؤكدة أن كثيرًا من الأسر تقع فى فخ الخلافات المتكررة، والتى لا تنعكس فقط على العلاقة بين الزوجين، بل تؤثر بشكل مباشر وخطير على استقرار الأطفال النفسى وسلوكهم داخل المدرسة وخارجها.
ترى الدكتورة شيماء أن المشكلات المتعلقة بمصاريف الدراسة غالبًا ما تكون «قنبلة مؤجلة»، لا يتم التعامل معها بالتخطيط المسبق أو التفاهم، بل يتم تأجيل النقاش حتى اللحظة الأخيرة، ليقع الانفجار تحت ضغط الوقت وقلة الخيارات. وتوضح أن الخلاف ليس فى المال بحد ذاته، بل فى طريقة التعامل معه داخل الأسرة.
وتضيف أن الكثير من الآباء والأمهات يتعاملون مع الموسم الدراسى بردود فعل عاطفية، مثل اللوم، أو المقارنات، أو التهديد بالحرمان من بعض المستلزمات، أو تحميل الطرف الآخر مسئولية التقصير، بينما المطلوب هو مصارحة مالية مبكرة، ووضع خطة مشتركة لإدارة المصروفات دون صدام.
وتؤكد الدكتورة شيماء أن الأطفال يتأثرون بشكل مباشر بالخلافات الأسرية، خصوصًا إذا كانت متكررة ومتصلة بأمورهم الدراسية أو احتياجاتهم الشخصية. وتوضح أن الطفل قد يشعر بالذنب تجاه التكاليف، أو يرى نفسه عبئًا على والديه، أو تنخفض ثقته فيهم عندما يشاهدهم يتشاجرون عليه.
وتحذر من أن التوتر الأسرى ينتقل إلى الطفل داخل الفصل، فى صورة شرود، قلة تركيز، أو حتى سلوك عدوانى تجاه زملائه. وفى بعض الحالات، تظهر اضطرابات النوم أو التبول الليلى، كرد فعل نفسى على غياب الأمان العاطفى داخل البيت.
 
الحل من المدرسة
تشدد استشارى العلاقات الأسرية على أهمية الاستعداد النفسى والمالى للعام الدراسى قبل بدايته بأسابيع، وليس فى أيامه الأولى. وتقول إن التخطيط المشترك بين الزوجين، ووضع أولويات واضحة (مثل التعليم قبل الكماليات)، وتوزيع الأدوار فى التحضير للمدرسة، كلها عناصر تمنع التصادم وتخلق شعورًا بالمسئولية المشتركة.
وتضيف: «من الضرورى أن يدرك الأبوان أن الصراع أمام الأبناء لا يُنسى بسهولة، وأن كل موقف ينطبع فى ذهن الطفل، إما ليصنع منه شخصًا متوازنًا يرى القدوة، أو ليترك داخله جرحًا عاطفيًا خفيًا».
تؤكد الدكتورة شيماء عراقى أن التعامل مع موسم العودة إلى المدارس لا ينبغى أن يكون مصدرًا للصراع، بل فرصة لتعزيز التواصل بين أفراد الأسرة، شرط أن يكون مبنيًا على الوضوح والتفاهم. وتقدم فى هذا السياق مجموعة من النصائح العملية التى يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا فى الحفاظ على استقرار البيت النفسى والعاطفى خلال هذه المرحلة الحساسة من العام.
أولًا، ابدأوا مبكرًا. لا تنتظروا الأيام الأخيرة قبل المدرسة كى تناقشوا المصاريف، بل خصصوا وقتًا قبلها بأسابيع لوضع خطة مالية تشمل كل التفاصيل الممكنة: الزى، الأدوات، الاشتراكات، وحتى الدروس الخصوصية إن وُجدت. وجود ميزانية واقعية ومكتوبة يقلل من المفاجآت، ويُجنب الأسرة لحظات التوتر والانفعال.
ثانيًا، ابتعدوا تمامًا عن المقارنات. لا تضعوا أنفسكم تحت ضغط ما يفعله الآخرون. ليست كل مدرسة تناسب كل طفل، ولا كل إنفاق يليق بكل أسرة.
وتضيف الدكتورة شيماء عراقى أن من أكبر الأخطاء التى تقع فيها بعض الأسر، هو التركيز على الجانب المادى فقط واعتبار العام الدراسى معركة يجب خوضها بأى ثمن، متناسين أن المناخ النفسى داخل البيت هو ما يشكّل البنية الأساسية لنجاح الأبناء، وليس نوع الحقيبة أو اسم المدرسة.
وتشير إلى أن بعض الآباء يعتقدون أن الضغط على أنفسهم ماليًا لإدخال أبنائهم إلى مدارس باهظة أو شراء كل شىء «أحدث موديل» هو تعبير عن الحب، بينما الأهم من ذلك هو وجود علاقة متزنة، يشعر فيها الطفل أن حاجته للحب والاحتواء مقدّمة على كل شىء مادى.
فى كثير من الأحيان، تؤدى الضغوط المتراكمة إلى تحول موسم الدراسة إلى بيئة خصبة لانفجار مشكلات قديمة بين الزوجين. وهنا تحذر الاستشارية الأسرية من إعادة فتح الملفات القديمة خلال النقاشات المرتبطة بمصاريف المدارس، لأن ذلك يُفقد الحوار هدفه، ويحوّله إلى ساحة تصفية حسابات لا تفيد الطفل فى شيء.
وتشدد على أن الأسرة الذكية هى التى تُحسن إدارة الأزمات، وتُحوّل التحديات إلى فرص، وتعلّم أبناءها كيف يتعاملون مع الواقع بمرونة. كل حوار هادئ بين الأب والأم، كل لحظة دعم داخل البيت، كل احتواء لمخاوف الطفل من المدرسة، هى استثمار حقيقى فى مستقبل أبنائهم، لا يقارن بأى إنفاق مادى.
تختم الدكتورة شيماء حديثها برسالة واضحة: «أبناؤكم لا يحتاجون إلى كل شيء، بل يحتاجون إلى أهل متفاهمين، متعاونين، يضعون مصلحتهم أولًا. فالعام الدراسى الجديد ليس سباقًا، بل فرصة لنبدأ كأسر بداية أكثر نضجًا وهدوءًا، تجعل من بيوتنا مكانًا للنمو لا للقلق».