جوار وخلائف (5)
ألف جارية وجارية صبح البشكنجية..
مرت سنوات، وصارت الزاهرة أعلى من الزهراء، وصار الحاجب "المنصور" أقرب إلى العرش من الخليفة نفسه. ولم تكن "صبح" تملك جيشا، لكنها كانت تعرف أن للكلمة جيشا آخر.
بدأت من حيث تبدأ كل امرأة محاصرة؛ من الهمس. أشاعت بين العامة أن الحاجب يحبس الخليفة ويحكم باسمه رغما عنه. ثم كتبت رسالة لم تكن تنوي كتابتها يوما، إلى "زيري بن عطية"، حاكم المغرب الأقصى، فهو من القلائل الذين يملكون جيشا لا تطاله يد ابن أبي عامر. فاستنجدت به لنصرة ولدها، وأرسلت إليه مالا ليجهز جيشه ويعبر به إلى الأندلس. وكان المال يخرج من خزائن القصر على أيدي فتيان الزهراء، صرة بعد صرة، وأيديهم ترتجف، وقلبها يرتجف أمامهم كل ليلة ينتظر خبر العبور...
لكن الرجل الذي كانت تحاربه "صبح" كان يعرف خزائن قصرها أكثر مما تعرفها هي. وكيف لا؟ وهو الذي جاءها يوما شابا يكتب الرسائل عند بوابات الزهراء، ثم صار ناظرا على أملاكها وأملاك ولدها.
في صباح من صباحات النهاية، دخل "عبد الملك"، ابن الحاجب المنصور، وكان تقريبا في عمر الخليفة اسما، المؤيد بالله هشام. دخل قصر الخلافة في قرطبة، وطلب أن تنقل خزائن الزهراء كلها إلى الزاهرة.
نظر هشام إلى الوجوه، ثم إلى الأرض. ولم يمتنع. وما كان في وسعه أن يمتنع، فقد عرف منذ زمن أنه خليفة في الاسم وحده. وهكذا صار الولد الذي حملت الدنيا كلها من أجله هو من وقع على مفاتيح خزائنها لخادمه.
ووصل الخبر إلى "صبح"، فخرجت تعدو في الممر، هي التي تعلمت منذ سنوات أن الأميرات لا يسمع لخطواتهن صوت. وللمرة الأولى، سمعت جدران الزهراء وقع قدميها. توسلت، ثم توعدت، ولم تجد توسلاتها ولا وعيدها شيئا. وحين جفت الأموال من بين يديها، فهمت أن الحرب انتهت، وأن ما بقي لها جدران وصمت.
لا تذكر الكتب كيف قضت "صبح" ليلتها الأخيرة، ولنا أن نتخيل: نراها تسير في الممر الطويل نفسه، بالخطوات الصامتة نفسها، حتى تقف أمام باب غرفة ولدها. تضع يدها على الباب كما فعلت ذات ليلة قديمة، وتتنفس بعمق. لكنها لا تهمس هذه المرة بما همست به يومها. تدفع الباب برفق، فتراه نائما. لم يعد طفلا، لكن النوم يعيد إليه وجه الطفل.
تقف طويلا ولا توقظه.
تقول له بصوت لا يسمعه: "سامحني يا هشام".
ثم تغلق الباب بيد رفيقة.
وتعود إلى نافذتها، والعود على ركبتها لم تلمسه منذ سنوات. وعلى بعد ميلين أو ثلاثة، تلتمع أنوار الزاهرة كخنجر موضوع على رقعة المدينة، ولم تعد تخيفها، فقد تعبت من الخوف.
تمر أمامها الوجوه كلها؛ فتاة من جبال البشكنس لا تبكي ولا تتوسل، تراقب كمن يحسب. ومجلس سمر خلفه ستار، ثم ستار يزاح. وطفل بين ذراعيها قبل أن تعرف كيف تحمي نومه. و"عبد الرحمن"، أول الأولاد، الذي انطفأ قبل أن يكتمل.
ثم يعود إليها سؤال "الحكم" في أول ليلة؛ "من علمك أن تغني كأن الغناء اعتراف؟".
وللمرة الأولى، لا يكون في صدرها جواب جاهز. تحرك أصابعها على الوتر، فيأتي الصوت مرتعشا ثم يثبت، وتغني. لا تغني لخليفة ولا لحاجب ولا لولد، تغني لنفسها. فيكون الغناء اعترافا أخيرا؛ أنها فتحت بابا ولم تغلقه في الوقت المناسب، وأن الرجل الذي أخذ منها كل شيء كان قد أخذ قلبها أولا. ثم تسكت. ولا تغني بعد ذلك أبدا.
توفيت صبح البشكنجية عام ٣٩٠ هـ، نحو ٩٩٩–١٠٠٠م، قبيل وفاة المنصور. وتروي بعض الكتب أنه شيع جنازتها بنفسه، وحزن عليها حزنا شديدا، وتصدق على قبرها بمال كثير. وقدر لها أن ترحل الأم كثيرة الحيلة بعقلها، قليلة الحيلة بقلبها، قبل أن ترى ما ينتظر ولدها. وكان ذلك آخر ما أبقاه لها الدهر من الرحمة.
مراجع: ابن عذاري، المقري، ابن حيان
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض