تنتشر فى الفضائيات وعلى مواقع التواصل الاجتماعى
إعلانات الأدوية.. الرقص على آلام المرضى
تدّعى علاج أمراض العظام والمفاصل والجهاز الهضمى والعقم أيضًا
إيمان خدعتها أدوية الركبة.. وأحمد دفع مبالغ طائلة لعلاج السمنة دون نتيجة
فنانون ومواطنون شركاء فى الجريمة.. والقانون ينتظر الإبلاغ
«اللجان الإلكترونية» والتزييف بالذكاء الاصطناعى تضليل طبى يهدد المرضى
لم يعد الطريق إلى العلاج يبدأ دائمًا من عيادة الطبيب أو الصيدلية، فقد تعددت الوسائل وتنوعت المغريات، فبضغطة واحدة على شاشة الهاتف أو مشاهدة القنوات الفضائية يجد المريض أمامه عشرات الإعلانات التى تعده بالشفاء، وأشخاصًا يستعرضون نتائج مبهرة لهذا العلاج أو ذاك، وتعليقات متتابعة توحى بأن هذا المنتج حقق ما عجزت عنه العلاجات الأخرى.
وبينما يبحث المريض عن بصيص أمل يخفف معاناته، تتشكل أمامه صورة تسويقية تبدو مقنعة، لكنها قد تخفى وراءها منتجًا مجهول المصدر أو ادعاءات علاجية لا تستند إلى دليل علمى موثوق. وتتضاعف خطورة هذه الممارسات عندما لا يكتفى الإعلان بالمبالغة فى وصف المنتج، بل يستعين بحسابات تروّج له بكثافة، وتعليقات تمدح نتائجه، وشهادات تبدو واقعية رغم صعوبة التحقق من أصحابها وتجاربهم.
ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعى، لم يعد المحتوى المضلل يقتصر على الصور الدعائية والعبارات المبالغ فيها، بل بات من الممكن إنتاج شهادات مصطنعة ومقاطع صوتية ومرئية توحى بأن أطباء أو مرضى يؤيدون منتجات لم يثبتوا فاعليتها أو لم يعلنوا عنها أصلًا.
ولا تتوقف الخسائر عند الأموال التى ينفقها المواطن على منتج لا يحقق الوعود المعلنة، بل تمتد إلى احتمالات استخدام مستحضرات غير مأمونة، أو تأخير العلاج المناسب، أو التوقف عن الأدوية الموصوفة طبيًا بحثًا عن شفاء سريع. وهكذا تتحول الرغبة المشروعة فى التعافى وتحسين المظهر إلى مدخل للاستغلال، فى سوق رقمية تختلط فيها المعلومات الطبية بالدعاية التجارية، ويصبح التمييز بين الحقيقة والادعاء أكثر صعوبة.
وعود سريعة ومخاطر خفية
تتعدد صور الترويج المضلل بحسب احتياجات الجمهور، لكنها تلتقى عند استغلال رغبة المستهلك فى الوصول إلى نتيجة سريعة، وتقديم الوعود التسويقية فى صورة تجارب ناجحة قد يصعب التحقق من حقيقتها.
ففى نموذج يعكس ما قد يواجهه المستهلك عبر المنصات الرقمية، كانت منى، 32 عامًا، تبحث عن حل لمشكلة تساقط الشعر التى أثرت فى مظهرها وثقتها بنفسها، حين لفت انتباهها إعلان عن مستحضر يعد بنتائج سريعة، مدعومًا بصور قبل الاستخدام وبعده وتعليقات تشيد بفاعليته، دفعتها هذه المؤشرات إلى التفكير فى شراء المنتج، لكنها لم تجد التحسن الذى كانت تنتظره، لتبدأ فى التساؤل عن حقيقة التجارب المنشورة ومدى موثوقية المستحضر.
أما أحمد، 38 عامًا، فكان يبحث عن وسيلة تساعده على إنقاص وزنه بعد محاولات متكررة لم تحقق النتائج التى يرجوها، وخلال تصفحه مواقع التواصل الاجتماعى، جذبه إعلان عن منتج للتخسيس يروّج لنتائج ملحوظة خلال فترة قصيرة، بينما بدت التعليقات المصاحبة وكأنها تجارب متطابقة لمستخدمين حققوا أهدافهم بسهولة، ومع انجذابه إلى الوعود التسويقية، لم يتحقق بالقدر الكافى من مكونات المنتج أو مدى أمان استخدامه، بما يبرز مخاطر اتخاذ قرارات صحية اعتمادًا على الدعاية وحدها.
وفى مجال العناية بالبشرة، كانت سارة، 26 عامًا، تبحث عن وسيلة للتخلص من حب الشباب وآثاره، حين شاهدت إعلانًا عن كريم يعد ببشرة صافية خلال أيام، وظهرت فى الإعلان صور لنتائج لافتة وتعليقات تشجع على الشراء، دون معلومات واضحة بما يكفى عن مكونات المستحضر ومدى ملاءمته لنوع بشرتها وبين رغبتها فى التخلص من آثار الحبوب والخوف من تفاقم المشكلة، لجأت لاستخدامه دون التحقق من مصدر المستحضر ومكوناته، وكانت النتيجة مختلفة تمامًا، حيث ساءت حالة بشرتها أكثر.
ولا تقتصر المخاطر على هذه المنتجات فقط بل تمتد أدوية علاج الأمراض المختلفة، حيث تنتشر إعلانات كريمات علاج العظام وخشونة الركبة والانزلاق الغضروفى على العديد من الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعى، حيث يستخدم المعلنون أشخاصًا يدّعون أن هذا الكريم كان سببًا فى علاجهم، وهو ما أغرى إيمان السيد لتجربة أحد هذه المستحضرات مقابل 800 جنيه دفعتها للشركة، وبعد فترة من استخدام المستحضر لم تتحسن حالتها بل ساءت أكثر.
الغريب أن هذه المستحضرات الطبية وصلت للعب على أحلام البسطاء فى الإنجاب أيضًا، حيث تنتشر إعلانات لأعشاب طبية لعلاج العقم، أغرت الكثيرين لتجربتها ولكن دون نتيجة.
وتكشف هذه النماذج عن تنوع أساليب الترويج، من منتجات الشعر والتخسيس والبشرة إلى إجراءات التجميل، وتوضح كيف يمكن للصورة الجذابة والتعليقات المتكررة والوعود السريعة أن تؤثر فى قرار المستهلك قبل أن يتحقق من مصدر المنتج أو سلامة استخدامه.

تهديد لصحة المواطنين
وتعليقًا على ذلك أكد الدكتور محمد أسامة طه حسين، استشارى أمراض القلب وعميد معهد القلب القومى سابقًا لـ«الوفد» أن اعتماد الأدوية وطرحها فى الأسواق يخضعان لمراحل من الدراسات والتقييمات العلمية للتأكد من أمانها وفاعليتها، مشيرًا إلى أن الجهات التنظيمية المختصة، مثل هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) والجهات الأوروبية المعنية، تضع ضوابط لتقييم الأدوية قبل تداولها.
وأوضح أن تطوير الدواء يمر بمراحل متعددة من التجارب السريرية، تبدأ بالمرحلة الأولى وتمتد حتى المرحلة الرابعة، التى تشمل متابعة الدواء بعد طرحه فى الأسواق، لافتًا إلى أن ظهور معلومات جديدة عن مخاطر أى دواء قد يؤدى إلى تقييد استخدامه أو سحبه من التداول حتى بعد اعتماده.
وانتقد حسين الترويج لأدوية أو مستحضرات لم تخضع للتجارب العلمية اللازمة، اعتمادًا على تجارب فردية يدّعى أصحابها تحسن حالتهم بعد استخدامها، ثم نشر هذه التجارب عبر الإنترنت باعتبارها دليلًا على فاعلية المنتج. وشدد على أن تحسن حالة شخص بعد تناول مستحضر لا يُعد دليلًا علميًا كافيًا على فاعليته أو سلامته، ولا يبرر التوصية به للآخرين.
وطالب بمواجهة هذه الممارسات بحزم من جانب الجهات المعنية، داعيًا المواطنين إلى عدم الانسياق وراء الادعاءات العلاجية غير الموثقة، وعدم استخدام الأدوية أو التوقف عن العلاج الموصوف طبيًا بناءً على تجارب منشورة على الإنترنت دون الرجوع إلى الطبيب المختص.

اللجان الإلكترونية تصنع الثقة
على المستوى التقنى يرى الدكتور محمد محسن رمضان، مستشار الأمن السيبرانى ومكافحة الجرائم الإلكترونية وخبير الذكاء الاصطناعى، أن الإعلانات الطبية المضللة تطورت فى بعض صورها إلى حملات رقمية منظمة تعتمد على الحسابات الوهمية والتلاعب بالتفاعلات، لإيهام المواطنين بفاعلية منتجات تُسوّق لعلاج أمراض خطيرة أو حل مشكلات الشعر والبشرة.
وأوضح، فى حديثه لـ«الوفد»، أن بعض هذه الحملات تستخدم حسابات متعددة لنشر تجارب شفاء مزعومة، وتكرار التعليقات الإيجابية، والرد على المشككين، بما يخلق انطباعًا زائفًا بنجاح المنتج ويدفع المستهلك إلى شرائه دون التحقق من سلامته.
وشدد على أن كثرة المتابعين والإعجابات وشهادات المستخدمين لا تمثل دليلًا على الفاعلية الطبية، محذرًا من أن هذه الإعلانات قد تدفع المرضى إلى تأجيل العلاج المناسب أو التوقف عن الأدوية الموصوفة بحثًا عن نتائج سريعة.
وأشار رمضان إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعى أتاحت إنتاج صور وشهادات ومقاطع صوتية ومرئية تبدو واقعية، وقد تُستخدم تقنيات التزييف العميق لانتحال شخصية طبيب أو شخصية عامة وإيهام الجمهور بتأييد منتج لم يعلن عنه صاحبه.
وأضاف أن هذه التقنيات تساعد على إنتاج إعلانات متعددة تستهدف فئات مختلفة، بما يزيد صعوبة اكتشاف المحتوى المضلل، لكنه أكد أن إثبات استخدام الذكاء الاصطناعى يتطلب فحصًا فنيًا، ولا يمكن الاعتماد على المظهر وحده للحكم على صحة الصور أو الفيديوهات.
وأوضح رمضان أن كشف الحملات المضللة يعتمد على تحليل أنماط النشر والتفاعلات والروابط والمواد الإعلانية، إلى جانب البحث عن المصدر الأصلى للصور والفيديوهات، وتوثيق المنشورات والمراسلات وبيانات المعاملات ذات الصلة.
ولفت إلى أن تكرار التعليقات وتزامن النشر وتشابه الروابط قد تمثل مؤشرات تستدعى الفحص، لكنها لا تكفى وحدها لإثبات وجود حملة احتيالية أو أن الحسابات تدار من جهة واحدة، إذ يتطلب الأمر جمع الأدلة وتحليلها فنيًا.
وشدد على أهمية تعاون منصات التواصل الاجتماعى مع الجهات المختصة، من خلال تعزيز الشفافية بشأن الإعلانات المدفوعة، والتعامل مع المحتوى الطبى المخالف، وحفظ الأدلة اللازمة للتحقيقات وفقًا للقانون، مع حماية البيانات الشخصية وحقوق المستخدمين.
وأكد رمضان ضرورة عدم الانسياق وراء الوعود بالشفاء النهائى أو النتائج المضمونة، مع التحقق من مصدر المنتج ووضعه التنظيمى، والرجوع إلى الطبيب أو الصيدلى المؤهل قبل استخدامه، وعدم إيقاف الأدوية الموصوفة أو استبدالها بمنتجات يروج لها عبر الإنترنت دون استشارة الطبيب المعالج.
كما دعا إلى الاحتفاظ بروابط الإعلانات والمراسلات وإثباتات الدفع عند الاشتباه فى التعرض للخداع، والإبلاغ عن المحتوى المخالف للمنصة والجهات المختصة.
واختتم بالتأكيد أن مواجهة الإعلانات الطبية المضللة تتطلب تكامل الرقابة القانونية والفحص التقنى والتوعية المجتمعية، مشددًا على أن الإقناع البصرى وكثرة التفاعلات لا يمكن أن يحلا محل الدليل العلمى على فاعلية المنتج وسلامته.

حبس وغرامة
حذّر الدكتور أحمد محسن قاسم، المحامى بالاستئناف العالى ومجلس الدولة، من خطورة الإعلانات الطبية المضللة التى قد تعرض صحة المواطنين وحياتهم للخطر، خاصة عندما تروّج لعلاج أمراض خطيرة دون سند علمى أو ترخيص قانونى، أو تسوّق منتجات مجهولة المصدر بادعاءات غير مثبتة.
وأوضح، فى حديثه لـ«الوفد»، أن قانون تنظيم الإعلان عن المنتجات والخدمات الصحية رقم 206 لسنة 2017 يحظر الإعلان عن أى منتج أو خدمة صحية دون ترخيص من اللجنة المختصة، ويعاقب المخالفين بالحبس والغرامة وفقًا لأحكامه، مع تشديد العقوبة فى الحالات التى يترتب فيها على استخدام المنتج وفاة شخص أو إصابته بعاهة مستديمة، متى توافرت الشروط القانونية.
وأشار إلى أن قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018، المعدل بالقانون رقم 20 لسنة 2024، يواجه الممارسات التى تتضمن خداعًا بشأن طبيعة المنتج أو خصائصه أو نتائجه المتوقعة، مؤكدًا أن المسئولية قد تمتد إلى المعلن أو المروّج أو الوسيلة الإعلامية، بحسب دور كل طرف ومدى ثبوت مسئوليته.
واستشهد قاسم بأحكام قضائية تناولت الترويج لمنتجات صحية غير مسجلة أو مجهولة المصدر، من بينها حكم المحكمة الاقتصادية فى الجنحة رقم 819 لسنة 2022 جنح اقتصادية القاهرة، الذى قضى بحبس مروّجة ثلاثة أشهر مع الشغل والنفاذ، وتغريمها 100 ألف جنيه ومصادرة المضبوطات، إلى جانب تغريم متهم آخر 20 ألف جنيه ونشر الحكم، على خلفية الترويج لمنتجات ودورات تخسيس مجهولة المصدر، مع تقديم نفسها بصورة توحى بأنها طبيبة.
وأوضح قاسم أن نشر تجارب شفاء مختلقة أو تعليقات إيجابية مصطنعة بهدف دفع المواطنين إلى شراء منتج صحى قد يشكل ممارسة خادعة وفقًا لقانون حماية المستهلك، إذا توافرت عناصر المخالفة وأدلتها.
وأشار إلى أن بعض الوقائع قد تخضع أيضًا للمادة 24 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، إذا تضمن الأمر إنشاء حساب أو موقع ونسبته زورًا إلى شخص أو جهة حقيقية بما يشكل انتحالًا للهوية. لكنه شدد على أن استخدام اسم مستعار أو حساب غير حقيقى لا يكفى وحده لإثبات الجريمة، إذ يتوقف التكييف القانونى على طبيعة الواقعة والأدلة المتاحة ودور كل طرف.
قنوات الشكاوى
وأكد قاسم أن هيئة الدواء المصرية تختص بالمسائل المتعلقة بالمستحضرات والإعلانات الطبية فى نطاق اختصاصها، بينما يتولى جهاز حماية المستهلك التعامل مع الممارسات الإعلانية المضللة، ويستطيع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام اتخاذ الإجراءات المقررة تجاه الوسائل الخاضعة لاختصاصه.
ونصح المتضررين بالاحتفاظ بنسخة من الإعلان ورابطه، والمراسلات والفواتير وإثباتات الدفع وبيانات المنتج، إلى جانب التقارير الطبية إذا وقع ضرر صحى، موضحًا أن هذه المستندات تساعد فى توثيق الواقعة ودعم الشكوى.
وأشار إلى إمكانية التواصل مع هيئة الدواء المصرية عبر الخط الساخن 15301، أو جهاز حماية المستهلك على الرقم 19588 وواتساب 01577779999، مع احتفاظ المتضرر بحقه فى المطالبة برد قيمة المنتج والتعويض عن الضرر وفقًا للأدلة والإجراءات القانونية. واختتم بالتأكيد أن كثرة التعليقات الإيجابية وشهادات الشفاء المنشورة عبر الإنترنت لا تثبت وحدها فاعلية المنتج أو سلامته.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض