رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لا يمكن تقييم أي تجربة سياسية بمعزل عن ظروفها التاريخية
ولا يمكن قياس أداء قيادة سياسية دون النظر إلى طبيعة الدولة التي تسلمت مسؤوليتها، وحجم التحديات التي واجهتها
والموارد المتاحة أمامها.
ومن هذا المنطلق، تبدو تجربة الرئيس عبد الفتاح السيسي جديرة بقراءة تتجاوز ثنائية التأييد والمعارضة، لتضعنا أمام سؤال جوهري:

هل واجه الرئيس تحديات الحكم ذاتها التي واجهها من سبقوه؟

قبل عام 2011، كانت مصر، رغم ما عانته من مشكلات اقتصادية واجتماعية وهيكلية، تتمتع بقدر من الاستقرار السياسي والأمني النسبي، وكانت المنطقة العربية أقل اضطرابًا مما أصبحت عليه لاحقًا. وكانت أمام الدولة فرص ممتدة لتطوير التعليم والصحة والصناعة والبنية الأساسية، وإعادة بناء الإنسان المصري، لكن كثيرًا من هذه الملفات ظل ينتظر إصلاحًا جذريًا حتى دمر تماما

ثم جاءت ثورة يناير 2011، وما تبعها من اضطرابات وتحولات سياسية، وصولًا إلى أحداث يونيو 2013، لتدخل مصر مرحلة شديدة التعقيد. وفي الوقت نفسه، كانت المنطقة المحيطة بها تتغير بصورة دراماتيكية؛ ليبيا تتفكك، وسوريا تغرق في الحرب، واليمن يدخل دوامة الصراع، والإرهاب يتمدد، والحدود الإقليمية تتحول إلى مصادر تهديد متزايدة.

وفي عام 2014، تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية في ظل هذه الظروف، ليجد نفسه أمام معادلة شديدة الصعوبة: الحفاظ على الدولة وإعادة بنائها في الوقت نفسه.

لم تكن المهمة مجرد إدارة مؤسسات قائمة، بل مواجهة تهديدات أمنية وإرهابية، ومعالجة اختلالات اقتصادية ومالية، وتلبية احتياجات سكانية متزايدة، وتطوير بنية أساسية تحتاج إلى استثمارات ضخمة، في ظل موارد محدودة وضغوط داخلية وإقليمية ودولية متلاحقة.

ثم جاءت جائحة كورونا، وتداعياتها الاقتصادية العالمية، والحرب الروسية الأوكرانية، واضطرابات سلاسل الإمداد، والأزمات الإقليمية المتصاعدة وحرب غرة وبعدها عدم استقرار اقليمى مستمر ومتصاعد 
لتضيف إلى التحديات القائمة أعباءً جديدة لم تكن الدولة المصرية بمنأى عنها.

ومن هنا يمكن فهم توجه الدولة نحو التوسع في مشروعات الطرق والنقل والطاقة والإسكان والمدن الجديدة والمرافق. فهذه المشروعات لم تكن مجرد إنشاءات مادية، بل استهدفت أيضًا توسيع قدرة الدولة على الحركة، وتهيئة بنية تسمح بالاستثمار والإنتاج والتنمية.

لكن الإنصاف في قراءة التجربة يقتضي الاعتراف بأن بناء البنية الأساسية لا يكفي وحده؛ إذ يظل الاختبار الحقيقي في تحويل هذه الاستثمارات إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة، وفرص العمل، والتعليم، والصحة، والدخل، والعدالة الاجتماعية. كما أن ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية والأعباء التي تحملها المواطنون تظل تحديات لا يجوز تجاهلها أو التقليل من أثرها.

ومن ثم، فإن الحكم التاريخي المنصف على هذه التجربة يجب ألا يسأل

ماذا أنجز الرئيس عبد الفتاح السيسي؟ 
بل يجب أن يمتد إلى: ماذا كانت مصر تواجه عندما تولى المسؤولية؟ 
وما حجم المخاطر التي أحاطت بها؟ 
وكيف تعاملت الدولة معها؟ 
وهل تحولت القدرة على البناء إلى حياة أفضل للمواطن؟

فالقيادة لا تُختبر فقط في الأوقات التي تكون فيها الظروف مواتية، وإنما تُختبر أيضًا عندما تصبح الظروف نفسها جزءًا من المعركة.
وهنا تكمن خصوصية هذه التجربة: 
أن الرئيس لم يتولَّ دولة مكتملة الشروط للإنجاز، بل تولى دولة تواجه تحديات متشابكة، وكان عليه أن يعمل على تثبيت أركانها، وبناء أدواتها، ودفعها نحو التنمية وسط عاصفة إقليمية ودولية لا تزال آثارها مستمرة.
ومع تقدير حجم التحديات التي واجهت الرئيس عبد الفتاح السيسي، فإن القراءة الموضوعية تقتضي الاعتراف بأن صعوبة الظروف لا تعني بالضرورة نجاح جميع السياسات
إن قراءة تجربة الرئيس عبد الفتاح السيسي تحتاج إلى الخروج من ثنائية التأييد والمعارضة إلى مساحة أوسع من التحليل التاريخي.

فهذا الرجل تولى المسؤولية في واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في التاريخ المصري الحديث، ولم تكن أمامه بيئة مثالية للإنجاز، بل كانت مهمته الأولى أن يعيد بناء البيئة التي يمكن أن يصبح فيها الإنجاز ممكنًا.
وقد واجه في الوقت نفسه تحديات أمنية واقتصادية وإقليمية واجتماعية متشابكة، بينما كان المجتمع المصري نفسه يمر بمرحلة عميقة من التحولات.

ومن هنا، فإن وصفه بأنه “رئيس سيئ الحظ” يحمل دلالة سياسية وتاريخية أكثر من كونه وصفًا شخصيًا؛ فقد وجد نفسه أمام دولة تحتاج إلى الإنقاذ والبناء في آن واحد، ومنطقة إقليمية تزداد اضطرابًا، وتحديات لم تكن متاحة أمام أجيال سابقة من الحكام بالدرجة نفسها.

وفي المقابل، فإن المصريين أنفسهم كانوا شركاء في هذه الرحلة؛ تحملوا أعباء اقتصادية قاسية، وصبروا على الإصلاح، وتحملوا نتائج مرحلة تاريخية شديدة الصعوبة.

ولهذا فإن المسألة لا ينبغي أن تُختزل في شخص الرئيس وحده.
لان الدولة مشروع جماعي.
والرئيس يستطيع أن يضع الرؤية، ويقود، ويوجه، ويخلق الأدوات، لكنه يحتاج إلى حكومة رشيدة، وإدارة كفؤة، وإعلام مهني، ومؤسسات تعليمية وثقافية ودينية فاعلة، ومجتمع مدني مسؤول، وشعب واعٍ بحجم التحدي.

وهنا تكمن خصوصية تجربة  الرئيس عبد الفتاح السيسي:

لم يرث بيئة مكتملة للإنجاز، وإنما عمل على صناعة بيئة يمكن فيها للدولة أن تنجز.

ففي النهاية، قد يكون أعظم إنجاز في بعض المراحل التاريخية ليس أن تبني الدولة فوق أرض مستقرة، وإنما أن تنقذ الأرض أولًا، وتعيد تثبيت أركان الدولة، ثم تبدأ البناء وسط العاصفة.