المجلس الأعلى للثقافة يناقش البعد الديموجرافي لتراجع معدلات الوفيات وانعكاساته التنموية
تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة؛ وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، وبإشراف الدكتور أشرف العزازي؛ الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، والأستاذ وائل حسين؛ رئيس الإدارة المركزية للشعب واللجان الثقافية، أقام المجلس الأعلى للثقافة ندوة بعنوان «البعد الديموجرافي لتراجع معدلات الوفيات وانعكاساته التنموية»، نظمتها لجنة الجغرافيا والبيئة، بقاعة المجلس الأعلى للثقافة.
قدم الندوة الأستاذ الدكتور هشام القصاص؛ مقرر لجنة الجغرافيا والبيئة، وأستاذ بيئة التربة والمياه والعميد الأسبق لكلية الدراسات العليا والبحوث البيئية بجامعة عين شمس، وأدارها وشارك فيها الأستاذ الدكتور سامح عبد الوهاب؛ أستاذ جغرافيا السكان ورئيس قسم الجغرافيا بجامعة القاهرة وعضو اللجنة، بمشاركة الأستاذ الدكتور أشرف العبد؛ أستاذ جغرافيا السكان بكلية الآداب بجامعة العاصمة، فيما اعتذر الأستاذ الدكتور محمد نور الدين السبعاوي؛ عميد كلية الآداب بجامعة المنيا الأسبق، وقدمت الدكتورة داليا صالح عرضه العلمي نيابةً عنه.
واستعرض الأستاذ الدكتور هشام القصاص التحولات السكانية والصحية في مصر، موضحًا أن تحسن الأوضاع الصحية وتراجع وفيات الأطفال يتيحان فرصًا للاستفادة من اتساع شريحة السكان في سن العمل، شريطة توفير التعليم الجيد وفرص العمل اللازمة لتحقيق العائد السكاني.
كما تناول العلاقة بين الصحة والبيئة والتنمية المستدامة، وأهمية مفهوم «الصحة الواحدة» الذي يربط صحة الإنسان والحيوان بسلامة النظم البيئية، مشيرًا إلى تجربة مصر في مكافحة فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي «سي» بوصفها نموذجًا لتكامل جهود الفحص والعلاج والوقاية، وأكد أهمية الاهتمام بجودة الحياة إلى جانب إطالة العمر المتوقع.
من جانبه، أوضح الأستاذ الدكتور أشرف العبد أن دراسة الوفيات من منظور جغرافي تتطلب الربط بين المكان والمجتمع وفرص البقاء على قيد الحياة، مع مراعاة التباينات المكانية وانعكاساتها على جودة الحياة. وأكد أن تحسن المؤشرات العامة لا يعني بالضرورة تراجع الفروق بين المناطق، مشيرًا إلى أن مستقبل جغرافية الوفيات يتجاوز رصد المناطق الأكثر ارتفاعًا في معدلات الوفاة إلى تحديد المناطق الأكثر احتياجًا لتحسين فرص البقاء على قيد الحياة، من خلال دراسة التوزيع المكاني للسكان والخدمات الصحية والاجتماعية. كما شدد على أهمية تحويل مكاسب إطالة العمر إلى سنوات تتسم بالصحة والكرامة، عبر الوقاية والرعاية المستمرة وتحسين البيئة المعيشية، لافتًا إلى إمكانية الاستفادة من التقنيات الجغرافية والنماذج الإحصائية والذكاء الاصطناعي في تحليل أنماط الوفيات واستشراف اتجاهاتها، مع مراعاة حدود التنبؤ.

وفي مداخلته، تناول الأستاذ الدكتور سامح عبد الوهاب تطور معدلات الوفيات وأسبابها من منظور مقارن، موضحًا أن اختلاف أنماط الوفيات بين الدول يرتبط بتباين أوضاعها الصحية والاجتماعية والاقتصادية وتركيبتها السكانية. وأشار إلى أن تراجع وفيات الأعمار الصغيرة، نتيجة تحسن الرعاية الصحية والوقاية، صاحبه تركز أكبر للوفيات في الأعمار المتقدمة، بالتزامن مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع وتزايد نسبة كبار السن في عدد من المجتمعات. واستعرض نماذج مقارنة لدول مختلفة، من بينها مصر وألمانيا واليابان والصومال، موضحًا أن مسارات تطور الوفيات ليست متطابقة، وأن لكل مجتمع ظروفه السكانية والصحية التي تستلزم مراعاتها عند وضع السياسات السكانية والصحية.
وتابع الأستاذ الدكتور سامح عبد الوهاب متطرقًا إلى أسباب الوفاة، التي أوضح أنها تشمل الأمراض المعدية، والأمراض غير المعدية، والإصابات والحوادث. وأشار إلى أن الأمراض غير المعدية، وفي مقدمتها أمراض القلب والأوعية الدموية والسكتات الدماغية والسرطانات والأمراض المزمنة والسكري، تمثل تحديًا صحيًا متزايدًا في المجتمعات التي تراجعت فيها الأمراض المعدية، الأمر الذي يعزز أهمية الوقاية والكشف المبكر وتطوير الخدمات الطبية. كما لفت إلى تفاوت دقة تحديد أسباب الوفاة بين الدول تبعًا لكفاءة نظم التسجيل والتوثيق الصحي، وأهمية معدل وفيات الرضع باعتباره مؤشرًا يعكس جوانب من الأوضاع الصحية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية للمجتمع. وتناول كذلك تأثير جائحة كورونا في أنماط الوفيات، مؤكدًا أن اختلاف الظروف والتركيبات السكانية يجعل من الضروري تطوير استجابات صحية تتناسب مع احتياجات كل مجتمع.
ومن خلال العرض العلمي الذي قدمته الدكتورة داليا صالح نيابةً عن الأستاذ الدكتور محمد نور الدين السبعاوي، تناولت التحولات الصحية والسكانية التي شهدتها مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مع التركيز على تطور عبء الوفاة الناتجة عن الأمراض. وأوضح العرض أن تطور إجراءات الوقاية والعلاج والتوسع في الخدمات الصحية، إلى جانب التغيرات الاقتصادية والاجتماعية وتحسن مستويات التعليم والمعيشة، أسهم في تغير أنماط الوفيات؛ إذ تراجعت نسبيًا أهمية بعض الأمراض المعدية، مقابل تزايد أهمية الأمراض المزمنة مع تغير أنماط الحياة وارتفاع متوسط العمر المتوقع.
وتناول العرض مفهوم عبء الوفاة باعتباره أوسع من مجرد إحصاء أعداد المتوفين، إذ يشمل سنوات الحياة المفقودة، وتأثير الوفيات في التركيب العمري والنوعي للسكان، وما يترتب عليها من أعباء صحية واقتصادية واجتماعية، مع مراعاة توقيت الوفاة والأمراض المسببة لها والفئات السكانية الأكثر تعرضًا لمخاطرها.
واختُتمت المناقشات بالتأكيد على أهمية دراسة تراجع معدلات الوفيات في إطار متكامل بما يربط التحولات السكانية بالصحة والبيئة والخدمات والتنمية، بما يساعد على فهم التحديات الراهنة واستشراف الاحتياجات المستقبلية للمجتمع المصري.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض