لماذا تشتعل أسعار الأسماك في كفر الشيخ رغم وفرة الإنتاج والمصايد؟
بورصة الأسماك بكفر الشيخ بين غزارة الإنتاج وأشجان المستهلكين
تُعدّ محافظة كفر الشيخ العاصمة الأولى للإنتاج السمكي في مصر بلا منازع؛ إذ تسهم بحصة التأسيس الكبرى في إمداد الأسواق المحلية بحصيلة وفيرة تتجاوز 40% من إجمالي الإنتاج القومي.
وتتنوع المصادر المائية في المحافظة بين امتداد ساحلي شاسع على البحر الأبيض المتوسط، ومساحة مائية عريضة تمثلها بحيرة البرلس، بالإضافة إلى مياه نهر النيل (فرع رشيد)، فضلاً عن آلاف الأفدنة من المزارع السمكية والأحواض المائية الحضرية والأهلية.
ورغم هذه الوفرة الإنتاجية الهائلة التي تجعل المحافظة سلة غذاء بروتينية ذات ثقل استراتيجي، تشهد أسواق التجزئة بمدن ومراكز المحافظة (مثل كفر الشيخ، ودسوق، وبلطيم، ومطوبس، وسيدي سالم، والحامول) حالة من التباين والارتفاعات التي أثارت تساؤلات الشارع الرياضي والمحلي حول الدوافع الحقيقية لزيادة الأسعار في قلب أرض الإنتاج.
خريطة الأسعار التفصيلية في أسواق مدن المحافظة
رغم الوفرة العريضة في المعروض بجميع حلقة ومنافذ البيع، تباينت أسعار الأسماك والمأكولات البحرية بحسب الجودة، والحجم، ومصدر الصيد (مزارع، بحر، بحيرة، نهر):
السمك البلطي (سيد المائدة): تراوح سعر كيلو البلطي الممتاز (درجة أولى/أحجام كبيرة) بين 85 و95 جنيهاً، بينما سجل البلطي المتوسط أحجاماً بأسعار تراوحت بين 70 و80 جنيهاً، متأثراً بزيادة الطلب اليومي عليه كوجبة رئيسية للأسر.
أسماك البوري والطوبار: سجل كيلو البوري الممتاز (الأحجام الكبيرة) مستويات تراوحت بين 120 و150 جنيهاً، بينما تراوح البوري المتوسط والحجم الصغير (الطوبار) بين 90 و110 جنيهات للكيلو.
السيوف والقراميط والأنواع الشعبية: تراوح سعر كيلو القراميط بين 50 و65 جنيهاً، بينما سجلت أسماك السردين والسيوف البلدي أسعاراً تتراوح بين 80 و110 جنيهات بحسب موسم الصيد وشبكات المراكب بالبحر المتوسط.
الجمبري والمأكولات البحرية: سجل الجمبري البلدي بمختلف أحجامه مستويات تبدأ من 250 جنيهاً للأحجام الصغيرة والمتوسطة، وتصل إلى 450 و550 جنيهاً للأحجام الجامبو والكبيرة. بينما سجل كيلو الكابوريا بين 100 و200 جنيه حسب الحجم والامتلاء، وبلغ سعر كيلو السبيط والكلماري بين 280 و380 جنيهاً.
الأسماك البحرية الفاخرة (الدنيس والوقار والبربون): سجل كيلو الدنيس المزارع والبحر ما بين 180 و260 جنيهاً، في حين تجاوزت أسماك الوقار والقاروص حاجز 250 إلى 350 جنيهاً للكيلو في حلقات الأسماك الرئيسية ببلطيم ومطوبس.
مواطنون : مفارقة "بلد السمك" وارتفاع الفاتورة
أبدى عدد من مواطني كفر الشيخ استغرابهم من وصول الأسعار إلى هذه المستويات، مؤكدين أن المحافظة هي المنتج الأول للأسماك، وكان من المفترض أن تنعكس هذه الميزة النسبية على القوة الشرائية للأهالي.
يقول "أحمد متولي" (معلم من مدينة كفر الشيخ): نحن نعيش في المحافظة المنتجة، وكان البلطي والبوري يمثلان الخيار الجيد والبديل المتاح والمناسب للحوم الحمراء والدواجن. ولكن أن يصل سعر كيلو البلطي إلى حدود 90 جنيهاً والبوري لـ 140 جنيهاً، فهذا يضغط بشدة على ميزانية الأسرة متوسطة الدخل التي تضم عدة أفراد .
في حين تؤكد "السيدة أمل عبد الرازق (ربة منزل من مدينة دسوق): "نلاحظ فرقا واضخا بين الأسعار في بورصة الأسماك بالجملة وبين محلات التجزئة بالمدن؛ حيث تضاف حلقات وسيطة وهوامش أرباح وتكاليف نقل ترفع السعر النهائي على المستهلك. نطالب بتوسع المحافظة في إقامة منافذ بيع مباشرة من المزارع والبحيرة للمواطنين دون تجار وسطاء .
تشخيص الأسباب وتكاليف المدخلات
من جانبهم، يفند التجار والخبراء الزراعيون والأكاديميون في مجال الاستزراع المائي أسباب هذه الظاهرة، موضحين أن السعر النهائي لا يرتبط فقط بكمية المعروض، بل بحزمة عريضة من تكاليف الإنتاج والتشغيل.
ويرى الحاج إبراهيم العبد (تاجر بأسواق كفر الشيخ): أن ارتفاع أسعار الأعلاف المركزة المُصنعة للأسماك يُعد الحاكم الأول والسبب الرئيسي في ارتضاع أسعار أسماك المزارع، إضافة إلى ارتضاع أجور العمالة، وتكاليف طاقة السولار والكهرباء المستخدمة في تشغيل بدالات التهوية ومضخات المياه بالأحواض، إلى جانب تكاليف النقل والتبريد.
أوضح خبراء الاستزراع السمكي والثروة السمكية بالمحافظة أن هناك عدة عوامل تؤثر مباشرة على الأسعار، أبرزها:
تكلفة الأعلاف وتذبذب المدخلات: تعتمد مزارع الأسماك بشكل رئيسي على الأعلاف ذات النسب العالية من البروتين، والتي تتأثر بأسعار الصويا والذرة والمكونات المستوردة.
تكاليف الصيد الحر: يخضع صيد البحر وبحيرة البرلس لتكاليف صيانة المراكب، وأسعار المحروقات، وتوقف الصيد في فترات المنع البيئي والتكاثر (المنع البيولوجي) لتنمية المخزون السمكي، مما يقلل المعروض الحر في بعض الفترات.
التصدير والطلب الخارجي: الطلب المرتفع على أسماك المحافظة من باقي محافظات الجمهورية (كالقاهرة والجيزة والإسكندرية) يفرز منافسة شرائية سريعة في البورصة الرئيسية للأسماك بالرياض ومحاطات التجميع، مما يرفع سعر الجملة عالمياً ومحلياً.
مقترحات وتوصيات لتعديل الكفة وضبط الأسواق
لتجاوز هذه الفجوة وتحقيق التوازن بين مصلحة المنتج والمستهلك، يوصي المتخصصون والشارع المحلي بضرورة اتخاذ خطوات عملية عاجلة، تتمثل في:
دعم مدخلات الإنتاج: توطين وصناعة الأعلاف المحلية عالية الجودة بأسعار مخفضة لمربي المزارع السمكية للحد من تكلفة الكيلو المنتَج.
الأسواق المباشرة والتوسع في المنافذ: فتح منافذ بيع ثابتة ومتحركة تابعة للجهات التنفيذية والجمعيات الاستزراعية لبيع الأسماك من المزارع وبحيرة البرلس إلى المستهلك مباشرة بأسعار عادلة.
التشديد الرقابي على حلقة التجزئة: متابعة محلات البيع وبورصات الجملة للحد من المضاربات العشوائية، والتأكد من إعلان الأسعار بشفافية أمام المواطنين.
تطوير وتطهير بحيرة البرلس: المواصلة في أعمال تنمية وتطهير بحيرة البرلس وإزالة التعديات لزيادة إنتاج الأسماك البحرية والطبيعية ذات الجودة العالية لل صيادين الصغار.
تحقيق المعادلة الصعبة بين حماية المزارع والصياد من الخسائر
تظل محافظة كفر الشيخ قلعة مصر النابضة بالخيرات السمكية ومصدر أمانها الغذائي، إلا أن تحقيق المعادلة الصعبة بين حماية المزارع والصياد من الخسائر، وتوفير الأسماك بأسعار تناسب المواطن البسيط، يتطلب حلولاً جذرياً في هيكلة تكاليف الأعلاف وتقليص السلسلة التجارية الوسيطة، لتبقى خيرات البحيرة والبحر والمزارع متاحة فوق مائدة كل مواطن.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض