لا تواجه الدول العربية اليوم أزمة في أعداد المدارس أو الجامعات، ولا في فرص الالتحاق بالتعليم كما كان الحال قبل عقود. فقد نجحت معظم الدول في توسيع التعليم بصورة كبيرة، وأصبح ملايين الطلبة يدخلون المدارس والجامعات كل عام. لكن العالم الذي سيغادرون إليه بعد التخرج لم يعد يشبه العالم الذي دخل إليه آباؤهم قبل سنوات.
بحلول عام 2030، يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن يشهد سوق العمل العالمي تحولاً يمس نحو 22% من الوظائف الحالية، مع ظهور 170 مليون وظيفة جديدة واختفاء نحو 92 مليون وظيفة، فيما ستتغير قرابة 39% من المهارات المطلوبة في الوظائف القائمة اليوم. ولا ترتبط هذه الأرقام بالذكاء الاصطناعي وحده، وإنما أيضاً بالتحولات الرقمية والاقتصادية والديموغرافية التي تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي بوتيرة غير مسبوقة.
هذه الأرقام تضع التعليم العربي أمام واقع مختلف. فالطالب الذي يبدأ دراسته هذا العام قد يعمل في مهنة لم تكن موجودة عندما دخل المدرسة، وقد يستخدم أدوات وتقنيات لم تدخل بعد إلى كثير من الفصول الدراسية. وفي المقابل، ما زالت خطط التطوير في عدد من الأنظمة التعليمية تتحرك بوتيرة أبطأ من التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
وتزداد أهمية هذه المسألة إذا ما أخذنا في الاعتبار الطبيعة الديموغرافية للمنطقة العربية. فالمجتمعات العربية من أكثر مجتمعات العالم شباباً، وهو ما يمنحها فرصة كبيرة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية، لكنه يجعل جودة التعليم أكثر حسماً من أي وقت مضى. فكل عام يدخل مئات الآلاف من الشباب إلى سوق العمل، والسؤال لم يعد يتعلق بعدد الخريجين، وإنما بقدرتهم على المنافسة في سوق تتغير احتياجاته باستمرار.
ولم تعد مؤشرات النجاح في التعليم تقاس كما كانت في السابق. فارتفاع معدلات الالتحاق بالتعليم أو زيادة أعداد الجامعات لا يضمن بالضرورة وجود قوة عاملة قادرة على قيادة اقتصاد المعرفة. والمؤشرات التي تراقبها الشركات اليوم تختلف كثيراً؛ فهي تبحث عن القدرة على التحليل، والعمل الجماعي، والتواصل، واستخدام البيانات، والتعامل مع التقنيات الحديثة، أكثر من بحثها عن حفظ المعلومات أو استرجاعها.
ولهذا، لم تعد الفجوة الأساسية داخل كثير من الأنظمة التعليمية العربية بين الطالب والمدرسة، وإنما بين ما يتعلمه الطالب وما سيحتاج إليه بعد سنوات قليلة. وتظهر هذه الفجوة بصورة أوضح عندما تجد مؤسسات الأعمال صعوبة في استقطاب كفاءات تمتلك المهارات الرقمية والمعرفية المطلوبة، في الوقت الذي يستمر فيه آلاف الخريجين في البحث عن فرص عمل.
وتشير دراسة حديثة أعدتها منظمة العمل الدولية والإسكوا إلى أن الطلب في أسواق العمل العربية يتجه بصورة متزايدة نحو المهارات المعرفية والرقمية والاجتماعية، مع نمو واضح في الوظائف المرتبطة بتقنية المعلومات والخدمات المتقدمة، وهو ما يعكس تغيراً متسارعاً في طبيعة المهارات التي يبحث عنها أصحاب العمل في المنطقة.
ومن اللافت أن تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي يشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستكون من أكثر مناطق العالم تغيراً في المهارات المطلوبة للعمل خلال السنوات المقبلة، إذ يتوقع أصحاب الأعمال في المنطقة تغير نحو 46% من المهارات الحالية، وهي نسبة أعلى من المتوسط العالمي البالغ 39%. وهذا يعني أن الضغوط الواقعة على أنظمة التعليم العربية ستكون أكبر من تلك التي تواجهها كثير من المناطق الأخرى.
ولا يبدو أن تحديث المناهج وحده كافٍ للتعامل مع هذا الواقع. فالتعليم منظومة تبدأ بإعداد المعلم، وتمر بطريقة التدريس وأساليب التقييم، وتنتهي بمدى ارتباط المدرسة والجامعة بالاقتصاد والبحث العلمي. وقد أثبتت التجارب الدولية أن إدخال الأجهزة الذكية أو المنصات الرقمية لا يغير نتائج التعليم إذا بقيت فلسفة التعليم نفسها دون تغيير.
ويكتسب البحث العلمي أهمية خاصة في هذا التحول. فالجامعات التي تقود الاقتصادات المتقدمة لم تعد تكتفي بمنح الشهادات، بل أصبحت تنتج المعرفة، وتطور التقنيات، وتعمل مع القطاع الخاص على ابتكار حلول للمشكلات الاقتصادية والصناعية. أما الاقتصادات التي يظل فيها البحث العلمي معزولاً عن التنمية، فإنها تجد نفسها مضطرة إلى استيراد المعرفة بدلاً من إنتاجها.
كما أن العلاقة بين التعليم والاقتصاد أصبحت أكثر مباشرة من أي وقت مضى. فالاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتقنيات المتقدمة، والصناعات الرقمية، لن تحقق أهدافها إذا لم تجد الكفاءات القادرة على تشغيلها وتطويرها. ولهذا، فإن التعليم لم يعد ملفاً خدمياً يقتصر أثره على المدارس والجامعات، بل أصبح جزءاً من سياسات النمو الاقتصادي والتنافسية الوطنية.
وتسير دول عربية عدة اليوم في هذا الاتجاه من خلال الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والاقتصاد المعرفي، وهو ما يجعل تطوير التعليم ضرورة اقتصادية قبل أن يكون مشروعاً تعليمياً. فكل تقدم تحققه هذه القطاعات سيزيد الحاجة إلى كوادر تمتلك مهارات تختلف عن تلك التي كانت كافية قبل سنوات قليلة.
ولهذا، فإن المعيار الحقيقي لنجاح التعليم العربي خلال السنوات المقبلة لن يكون عدد المدارس الجديدة، ولا عدد الخريجين، ولا حتى حجم الإنفاق على التعليم. وسيقاس بقدرته على إعداد أجيال تستطيع التعلم باستمرار، والتكيف مع التحولات، والمشاركة في إنتاج المعرفة والابتكار. ففي عالم تتغير فيه المهارات بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، يصبح التعليم هو الاستثمار الأطول عمراً، والأكثر تأثيراً في مستقبل الاقتصادات العربية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض