رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

اﻟﺬﻛﺎء اﻻﺻﻄﻨﺎﻋﻰ ﻓﻰ ﻣﻮاﺟﻬﺔ اﻟﺒﺸﺮ

بوابة الوفد الإلكترونية

 

من مختبرات وادى السيليكون إلى مكاتب الشركات وبيوت المواطنين، يتسارع تطور الذكاء الاصطناعى بوتيرة مرعبة، حتى ظهرت تحذيرات من هذا التطور، مصحوبا بمخاوف من أن تنقلب هذه التقنية على البشر الذين اخترعوها، تزامن مع ذلك أنباء عن تطوير الذكاء الاصطناعى لنفسه مما أثار العديد من التساؤلات: فهل ما زال الإنسان قادرًا على التحكم فى التكنولوجيا التى صنعها؟ وهل تتحول الآلة من أداة تساعد البشر إلى منافس يهدد قدرتهم على اتخاذ القرار؟ وبين تحذيرات علماء واستقالات باحثين ومخاوف اقتصادية، يقف العالم حائرا أمام سباق مفتوح لا تزال نهايته غير محسومة.

فالذكاء الاصطناعى لم يعد مجرد برنامج يجيب عن الأسئلة أو ينفذ أوامر محددة. فقد أصبحت الأنظمة الحديثة قادرة على كتابة الأكواد البرمجية، وتحليل كميات هائلة من البيانات، وإنتاج الصور والفيديو، والمساعدة فى البحث العلمى، وتنفيذ سلاسل متتابعة من المهام باستخدام أدوات رقمية، لكن التحول الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بما تستطيع هذه الأنظمة فعله اليوم، بل بما قد تصبح قادرة على فعله غدًا، مع زيادة قدرتها على التخطيط والعمل بصورة مستقلة لفترات أطول.

ويشير التقرير الدولى لسلامة الذكاء الاصطناعى لعام 2026 إلى أن الأنظمة الحالية لا تزال تحتاج إلى إشراف بشرى فى كثير من المهام المعقدة، بينما تثير الأنظمة الأكثر استقلالية تساؤلات بشأن القدرة على مراقبتها وضمان تصرفها وفق الأهداف المحددة لها.. وهنا يبرز السؤال الذى يتجاوز حدود التطور التقنى: هل يمكن أن يصل الذكاء الاصطناعى إلى مرحلة تصبح فيها قدراته أكبر من قدرة البشر على فهمه ومراقبته والتحكم فيه؟

الإجابة العلمية حتى الآن ليست حاسمة. فتفوق النظام على الإنسان فى البرمجة أو الحساب أو تحليل البيانات لا يعنى بالضرورة امتلاكه ذكاءً شاملًا يتفوق على الإنسان فى كل المجالات، كما أن التقدم السريع لا يثبت حتمية خروج التكنولوجيا عن السيطرة. لكن عدم اليقين نفسه يجعل الاستعداد للمخاطر ضرورة لا يمكن تجاهلها.

 

خلف الأبواب المغلقة

 

من أكثر المؤشرات إثارة للجدل أن بعض المخاوف لا تأتى من خارج صناعة الذكاء الاصطناعى، بل من أشخاص شاركوا فى تطويره أو عملوا داخل شركاته الكبرى، ففى مايو 2024، استقال الباحث «يان ليكى»، الذى شارك فى قيادة جهود مواءمة الذكاء الاصطناعى مع الأهداف والقيم البشرية فى شركة «أوبن إيه أى» وانتقد فى تصريحات علنية ما اعتبره تراجعًا فى أولوية ثقافة السلامة أمام التركيز على إطلاق المنتجات وتطويرها. كما غادر الشركة المؤسس المشارك «إيليا سوتسكيفر» فى الفترة نفسها، ولم تتوقف المخاوف عند حدود الاستقالات؛ ففى يونيو 2024، وقّع موظفون حاليون وسابقون فى شركات بارزة، من بينها OPENAI وGOOGLE DEEPMIND، رسالة مفتوحة تطالب بمزيد من الحماية للعاملين الذين يكشفون عن مخاطر الذكاء الاصطناعى، وبمساحة أكبر للتعبير عن المخاوف المتعلقة بسلامة الأنظمة

 

الاستقالات وحدها لا تكفى

 

لكن هل تعنى هذه الاستقالات أن العلماء اكتشفوا بالفعل أن الذكاء الاصطناعى خرج عن السيطرة؟

لا. فالاستقالة ليست دليلًا على وقوع كارثة تقنية، ولا تعنى بالضرورة أن صاحبها يعتقد أن الآلات ستسيطر على البشر. تختلف أسباب المغادرة من شخص إلى آخر، وقد تتداخل فيها الخلافات الإدارية والأولويات البحثية والاعتبارات المهنية والمخاوف الأخلاقية، ومع ذلك، فإن خروج باحثين من مواقع مرتبطة بالسلامة، وإعلان بعضهم اعتراضات على طريقة إدارة المخاطر، يفتحان سؤالًا مشروعًا حول قدرة الشركات على الموازنة بين المنافسة التجارية والمسؤولية تجاه المجتمع.

وفى سبتمبر 2026، عاد الجدل إلى الواجهة بعد استقالة الباحث «جاكوب كوكسون» من شركة ANTHROPIC، إذ عبّر علنًا عن مخاوفه من سباق تطوير الأنظمة المتقدمة، محذرًا من ضيق الوقت المتاح لمعالجة مشكلات السلامة. كما تناولت تقارير صحفية فى أكتوبر 2026 استقالة موظف سابق فى OPENAI وانتقاده لثقافة تطوير التكنولوجيا بسرعة على حساب الحذر الكافى.

 

تحسين ذاتى

 

هذه الوقائع لا تثبت أن فقدان السيطرة أصبح أمرًا واقعًا، لكنها تؤكد أن النقاش حول سلامة الذكاء الاصطناعى لم يعد شأنًا نظريًا يقتصر على الفلاسفة والباحثين، بل أصبح خلافًا حاضرًا داخل الصناعة نفسها.

وتعليقا على ذلك قال الدكتور أحمد بهاء خيرى، أستاذ هندسة النظم بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية، إن التطور المتسارع فى تقنيات الذكاء الاصطناعى يثير تساؤلات جوهرية بشأن قدرة الإنسان على مواكبة تطور هذه الأنظمة والتحكم فيها، موضحًا أن الذكاء الاصطناعى لم يعد مقتصرًا على الإجابة عن الأسئلة وإنتاج النصوص، بل أصبح قادرًا على البرمجة وتحليل البيانات واستخدام الأدوات الرقمية وتنفيذ مهام متتابعة بدرجة متزايدة من الاستقلالية.

وأضاف «خيرى»، فى حديثه لـ«الوفد»، أن أحد أبرز مصادر القلق يتمثل فى إمكانية وصول الذكاء الاصطناعى إلى مرحلة يسهم فيها فى تطوير أنظمة أكثر تقدمًا منه، فيما يُعرف بالتحسين الذاتى المتكرر، مشيرًا إلى أن هذا السيناريو لم يتحقق حتى الآن بالصورة التى تجعل الآلة تعيد تصميم نفسها بالكامل وتخرج عن السيطرة، لكنه يستدعى تعزيز إجراءات السلامة والرقابة البشرية.

وأوضح أن الاستقالات والتحذيرات الصادرة عن بعض العاملين فى شركات التكنولوجيا تعكس وجود خلافات جدية حول سرعة تطور الأنظمة ومدى كفاية الضمانات المتاحة، دون أن تعنى بالضرورة أن فقدان السيطرة أصبح واقعًا.

وأشار «خيرى» إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعى لا يقتصر على المخاطر التقنية، بل يمتد إلى سوق العمل، لافتًا إلى تقديرات صندوق النقد الدولى التى تشير إلى احتمال تأثر نحو 40% من الوظائف عالميًا، ترتفع إلى 60% فى الاقتصادات المتقدمة، مقابل 40% فى الاقتصادات الناشئة و26% فى الدول منخفضة الدخل.

وتابع، أن المنتدى الاقتصادى العالمى يتوقع، بحلول عام 2030، استحداث 170 مليون وظيفة مقابل إزاحة 92 مليون، بصافى زيادة يبلغ 78 مليون وظيفة، مؤكدًا أن التحدى يتمثل فى اختلاف المهارات المطلوبة للوظائف الجديدة عن تلك التى يحتاج إليها العاملون حاليًا.

ولفت إلى أن دراسة لجامعة «ستانفورد»، استنادًا إلى بيانات أمريكية حتى يونيو 2026، رصدت انخفاضًا بنحو 19% فى توظيف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عامًا فى الوظائف الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعى، مقارنة بالمسار المتوقع للوظائف الأقل تعرضًا.

واختتم خيرى بالتأكيد على أن التحدى الحقيقى لا يكمن فى إيقاف تطور الذكاء الاصطناعى، وإنما فى ضمان أن تظل قدرات الإنسان على فهمه ومراقبته والتدخل فى عمله متناسبة مع مستوى استقلاليته، حتى تبقى التكنولوجيا أداة لخدمة البشرية، لا مصدرًا لمخاطر يصعب احتواؤها.

 

تطوير لا استقلال

 

ويرى الدكتور سامح ظريف، خبير الذكاء الاصطناعى، أن التطور المتسارع للتكنولوجيا يشهد تحولًا مهمًا، يتمثل فى استخدام نماذج الذكاء الاصطناعى نفسها فى كتابة الأكواد البرمجية، وتصميم التجارب، واختبار النماذج، وتحليل النتائج، واقتراح تحسينات، موضحًا أن ذلك يمثل شكلًا من أشكال المساهمة فى تطوير الذكاء الاصطناعى، لكنه لا يعنى أن الأنظمة أصبحت قادرة على تطوير نفسها بالكامل بصورة مستقلة.

وأضاف «ظريف»، فى حديثه لـ«الوفد»، أن المخاوف الحقيقية لا تتعلق فقط بقدرة الآلة على التفوق على الإنسان فى مهام محددة، مثل الحساب وتحليل البيانات والبرمجة واكتشاف الأنماط، وإنما باحتمال تطور أنظمة مستقبلية تستطيع تحسين قدراتها، واستخدام الأدوات الرقمية، والتخطيط لفترات طويلة، دون أن يتمكن البشر من التنبؤ بسلوكها بدقة كافية.

وأوضح ظريف أن التفوق فى بعض المهام لا يعنى أن الذكاء الاصطناعى أصبح أكثر ذكاءً من الإنسان فى جميع المجالات، مشيرًا إلى ضرورة التمييز بين القدرات المتقدمة التى تحققت بالفعل والسيناريوهات المستقبلية التى لا تزال محل بحث ونقاش علمى.

ولفت إلى أن التحذيرات والاستقالات داخل بعض شركات التكنولوجيا الغربية تعكس تصاعد النقاش بشأن سلامة الأنظمة المتقدمة، ومدى قدرة الشركات على الموازنة بين سرعة التطوير وإجراءات الرقابة، لكنها لا تثبت أن الذكاء الاصطناعى خرج بالفعل عن السيطرة.

وأكد أن التأثير لا يقتصر على المخاوف التقنية، بل يمتد إلى سوق العمل، حيث أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعى قادرة على أداء مهام كانت تتطلب كوادر بشرية فى مجالات متعددة، ما يفرض تحديات تتعلق بمستقبل الوظائف وإعادة تأهيل العاملين.

واختتم بالتأكيد أن التحدى الأساسى لا يتمثل فى إيقاف التطور التكنولوجى، وإنما فى ضمان مواكبته بضوابط فعالة واختبارات مستقلة ورقابة بشرية، بما يضمن بقاء الذكاء الاصطناعى أداة لخدمة الإنسان، لا مصدرًا لمخاطر يصعب التحكم فيها.

 

تحذيرات

 

من ناحية أخرى حذّر المهندس محمود فرج، خبير الذكاء الاصطناعى وأمن المعلومات، من التداعيات المتسارعة لتطور تقنيات الذكاء الاصطناعى، مؤكدًا أن خطورة المرحلة الحالية لا تقتصر على إحلال الآلات محل العمالة البشرية، بل تمتد إلى التأثير فى قدرة الإنسان على التفكير النقدى واتخاذ القرارات بصورة مستقلة.

وقال «فرج»، فى حديثه لـ«الوفد»، إن استقالات عدد من الموظفين والباحثين البارزين فى شركات التكنولوجيا الكبرى، وما صاحبها من تحذيرات بشأن سلامة الأنظمة المتقدمة، تستدعى الاهتمام، موضحًا أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعى قد يدفع الأجيال الجديدة إلى تلقى المعلومات دون التحقق منها أو تحليلها، بما يضعف مهارات التفكير وحل المشكلات.

وأضاف أن الذكاء الاصطناعى، رغم قدرته على أداء مهام متقدمة، لا يمتلك الوعى الإنسانى بالمعنى المعروف، مشيرًا إلى أن التحدى الحقيقى يتمثل فى كيفية استخدام البشر لهذه التكنولوجيا، ومدى قدرتهم على الحفاظ على استقلالية عقولهم وعدم التسليم المطلق بمخرجاتها.

وأوضح خبير الذكاء الاصطناعى وأمن المعلومات أن الأنظمة الذكية بدأت بالفعل تحل محل بعض الوظائف، خصوصًا الأعمال الروتينية مثل إدخال البيانات وخدمة العملاء وإعداد المحتوى الإعلانى، لافتًا إلى أن هذه التحولات تفرض على العاملين تطوير مهاراتهم والتكيف مع متطلبات سوق العمل الجديدة.

واستشهد «فرج» بأرقام تشير إلى إلغاء نحو 55 ألف وظيفة فى الولايات المتحدة خلال عام 2025، وإلغاء نحو 101 ألف و743 وظيفة خلال النصف الأول من عام 2026، فى سياق التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعى.

كما أشار إلى تقارير عن تسريح شركة «أوراكل» نحو 21 ألف موظف، معتبرًا أن هذه الأرقام تعكس حجم التغيرات التى يشهدها سوق العمل، مع ضرورة التحقق من أسباب كل حالة قبل نسبتها مباشرة إلى الذكاء الاصطناعى.

وحذّر من مخاطر منح الأنظمة المتقدمة صلاحيات واسعة للعمل بصورة مستقلة، خصوصًا فى المجالات السيبرانية والعسكرية، مؤكدًا أن صعوبة التنبؤ بسلوك بعض الأنظمة فى ظروف مختلفة تجعل الاختبارات المستقلة والرقابة البشرية ضرورة أساسية.

واختتم فرج بالتأكيد على أن الخطر لا يتمثل بالضرورة فى تمرد الآلة على الإنسان، بل فى فقدان البشر مهارات التفكير والتحقق، إلى جانب احتمال إساءة استخدام الأنظمة أو منحها استقلالية تتجاوز قدرة المشغلين على مراقبتها والتحكم فيها.