فى الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، لم تكن الندوة التثقيفية الرابعة والأربعون للقوات المسلحة، التى شهدها الرئيس عبدالفتاح السيسى تحت عنوان «وطن الأبطال»، مجرد احتفالية لاستعادة صفحات مضيئة من تاريخ مصر العسكرى، أو تكريم أبطال صنعوا ملحمة العبور واسترداد الأرض، وإنما حملت رسائل سياسية ووطنية بالغة الأهمية تعد بمثابة خريطة طريق للبناء والعمل ومواجهة التحديات، وتتجاوز حدود استحضار الماضى إلى قراءة تحديات الحاضر واستشراف مخاطر المستقبل.
جاءت كلمات الرئيس لتؤكد أن معارك الأوطان لا تنتهى بانتصار عسكرى، وأن الحفاظ على الأرض لا ينفصل عن حماية الدولة ومؤسساتها، وصيانة وعى المواطنين، والتمسك بالهوية الوطنية، والقدرة على التمييز بين الحقائق والشائعات فى عالم أصبحت فيه المعلومات المضللة سلاحًا لا يقل خطورة عن أدوات المواجهة التقليدية.
لقد أثبتت حرب أكتوبر أن قوة الدول لا تقاس بما تمتلكه من إمكانات مادية فقط، وإنما بقدرتها على تنظيم مواردها، وإعداد مؤسساتها، وتحويل التحديات إلى حافز للعمل، والتضحيات إلى طريق للانتصار، وهذه هى الرسالة التى تظل حاضرة بعد أكثر من نصف قرن على المعركة، فى ظل منطقة تموج بالصراعات والتوترات وتواجه فيها الدولة المصرية تحديات تتطلب أعلى درجات اليقظة والتماسك.
كانت إحدى أبرز الرسائل التى حملتها كلمة الرئيس السيسى هى الربط بين تحديات عام 1973 وتحديات عام 2013، مع اختلاف طبيعة كل مرحلة وظروفها، ففى أكتوبر 73 كانت المعركة من أجل استعادة الأرض وصون السيادة الوطنية، بينما واجهت مصر فى عام 2013 تحديًا يتعلق ببقاء الدولة وهويتها الوطنية وقدرة مؤسساتها على الاستمرار.
وقد أكد الرئيس أن الحفاظ على الدولة واستمرارها يجب أن يظل أولوية وطنية تتجاوز الخلافات السياسية والحسابات الضيقة، وأن معيار المسئولية الوطنية هو حماية الوطن ومقدراته، وليس الانتصار لطرف أو تيار على حساب آخر، وهذه الرسالة تضع أمام الجميع مسئولية إدراك الفارق بين الاختلاف السياسى، وبين تعريض استقرار الدولة ومؤسساتها للخطر، فالأوطان تُبنى بإعلاء المصلحة الوطنية واحترام الدستور والقانون.
وتحمل تأكيدات الرئيس عبدالفتاح السيسى بشأن عدم المساس بالدستور رسالة واضحة بأهمية احترام إرادة الشعب وصون الشرعية الدستورية، باعتبارها ركيزة أساسية لاستقرار الدولة واستمرار مؤسساتها، حيث شدد الرئيس على أهمية احترام الدستور والحفاظ على الثوابت الدستورية للدولة، مؤكدًا أن الدستور الذى وافق عليه الشعب يمثل الإطار الحاكم لتنظيم مؤسسات الدولة وتحديد اختصاصاتها وضمان استقرارها.
لذلك جاءت هذه الرسالة المهمة فى كلمة الرئيس بأنه لن يسمح بالمساس بالدستور أو العبث به، ويعكس هذا الموقف أن الحفاظ على الدولة لا ينفصل عن احترام دستورها وقوانينها، وأن قوة الأوطان ترتبط بترسيخ سيادة القانون والالتزام بالقواعد الدستورية.
ولم يكن تحذير الرئيس السيسى من محاولات تزييف الوعى والعبث بالذاكرة الوطنية تفصيلًا عابرًا فى كلمته، بل مثّل أحد محاورها الرئيسية، ففى عصر وسائل التواصل الاجتماعى والتطور التكنولوجى والذكاء الاصطناعى، أصبحت الشائعة قادرة على الانتشار فى دقائق، وقد تتحول المعلومة المجتزأة أو الصورة المضللة إلى وسيلة لإثارة الغضب أو نشر الإحباط أو التشكيك فى الثوابت الوطنية، والأخطر أن استهداف الوعى لا يقتصر على اختلاق أخبار كاذبة، وإنما يمتد إلى إعادة تقديم الوقائع التاريخية بصورة مشوهة، أو التقليل من قيمة الإنجازات والتضحيات، أو استغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لبث اليأس وفقدان الثقة فى قدرة المجتمع على تجاوز الصعوبات، لذلك تكمن أهمية تعزيز الوعى لدى كل مواطن فى حماية استقرار الوطن.
وفى رسالة لا تقل أهمية، أعاد الرئيس التأكيد على أن العمل والصبر يمثلان الطريق الضرورى لتجاوز الصعوبات، مستحضرًا محاولات الإصلاح الاقتصادى فى سبعينيات القرن الماضى، وما واجهته من تحديات، فالعمل والإرادة هما أساس النجاح والقدرة على تجاوز التحديات، كما تتكامل معركة الوعى مع معركة الاقتصاد، فلا استقرار مستدام بدون تنمية، ولا تنمية مكتملة بدون مجتمع واعٍ وقادر على المشاركة والإنتاج.
وحمل حديث الرئيس السيسى عن سيناء ومعاهدة السلام والقضية الفلسطينية وأمن الخليج رسائل واضحة بشأن ثوابت السياسة المصرية، فمصر التى خاضت حربًا لاستعادة أرضها، وقدمت تضحيات كبيرة من أجل تحرير سيناء، تتمسك بحقوقها وسيادتها، وتتعامل مع أمنها القومى باعتباره خطًا أحمر لا يقبل المساومة، وفى الوقت نفسه، تؤكد أن السلام ليس ضعفًا، وإنما خيار استراتيجى يحمى المصالح ويمنح شعوب المنطقة فرصة للحياة والتنمية بعيدًا عن دوائر الصراع.
ومن هذا المنطلق، يأتى تمسك مصر بحل الدولتين باعتباره المسار الذى يمكن أن يفتح الطريق أمام سلام عادل ودائم، يضمن للشعب الفلسطينى إقامة دولته المستقلة، كما أن تأكيد الرئيس أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى يعكس طبيعة الروابط التاريخية والاستراتيجية بين مصر وأشقائها العرب، ويؤكد أن استقرار المنطقة مسئولية مشتركة تتطلب خفض التصعيد، وتأمين الملاحة، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية على المواجهات التى يدفع المدنيون والاقتصادات الوطنية ثمنها.
«حصنوا بلدكم».. مسئولية وطنية لا تقبل التأجيل، فإن الرسالة الأهم فى كلمة الرئيس السيسى أن حماية مصر ليست مسئولية مؤسسة واحدة، ولا مهمة أجهزة الدولة وحدها، وإنما واجب مشترك يتحمله الجميع، كل فى موقعه، من الأسرة والمدرسة والجامعة إلى الإعلام ومؤسسات الثقافة والمجتمع المدنى، ومن العامل فى مصنعه إلى المعلم فى فصله، ومن المسئول فى موقعه إلى المواطن الذى يشارك فى بناء مجتمعه، لذلك فإن ختام الرئيس كلمته برسالة «خلوا بالكم من مصر.. خلوا بالكم من بلدكم» يلخص جوهر المرحلة: وطن يستحق أن نصونه بالوعى والعمل، وأن نحميه بالتكاتف والمسئولية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض