رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الناصية

هناك مشهد يستحق التأمل فى جولة الرئيس عبدالفتاح السيسى الآسيوية فى أكتوبر الجاري؛ وهو الاستقبال والحفاوة والمحبة البالغة ولا أريد أقول المبالغة.. فقد فوجئنا بحجم هذه المودة الصادقة والتقدير العميق من قادة وشعوب دول كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا لمكانة مصر وحضورها التاريخى والحضارى.. بصورة غير متوقعة!

كان يمكن أن يكون استقبالا رسميا عاديا، وباحترام أيضا، وكنا سنكون ممتنين رسميًا وشعبيًا.. ولكن بهذه الصداقة والحميمية فهو شيء يستحق فعلا التفكير، خاصة أن هذه الدول الثلاث تحديدًا لا تريد منك شيئا ولا تسعى إلى استغلالك اقتصاديًا فأنت أساسا من أكبر المستوردين لمنتجاتها، والحقيقة نحن الذين فى حاجة إلى تسويق منتجاتنا إليها وتشجيعها على استيراد المزيد منها بأكثر مما تستورده!

ولا شك، كما شاهدنا فى استقبال الرئيس ان هذه الدول وشعوبها تعرف الكثير عن فنون مصر وحضارتها الثقافية وتاريخها العريق من أول الأهرامات والأزهر إلى جمال عبدالناصر وسامية جمال وحتى أغنية «فيها حاجة حلوة» لعمر خيرت.. لكن ثمة سؤالًا مهمًا وهو ماذا يعرف المصريون عن كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا؟ ربما لا يعرف كثيرون أسماء أبرز فنانيها أو سياسييها أو تفاصيل حضاراتها، لكنهم يعرفون السيارات الكورية، ويستخدمون منتجات ماليزية وإندونيسية، ويتعاملون مع علامات تجارية صنعت لنفسها مكانًا فى الأسواق العالمية.. وهنا يظهر الفارق بين شهرة الحضارة وقوة الاقتصاد!

والأرقام صريحة ولا تعرف مجاملات الاستقبالات.. فقد بلغت صادرات كوريا الجنوبية السلعية نحو 709.7 مليار دولار عام 2025، مقابل نحو 375 مليار دولار لماليزيا، و281.7 مليار دولار لإندونيسيا، بينما بلغت صادرات مصر السلعية نحو 50.5 مليار دولار وفق بيانات التجارة الدولية.. وهو رقم ضئيل يدعو للخجل بالمقارنة مع قيمة صادرات الدول الثلاث!

هذه الفجوة ليست مجرد اختلاف فى الأرقام، بل تعكس اختلافًا فى طبيعة الاقتصادات وقدرتها على الإنتاج والتصنيع والمنافسة. فكوريا الجنوبية تصدر أشباه الموصلات والسيارات والسفن، وماليزيا تنافس فى الإلكترونيات والمكونات الكهربائية، بينما تستفيد إندونيسيا من مواردها الطبيعية وصناعات معالجة المعادن وزيت النخيل.

أما مصر، فتتنوع صادراتها بين مواد البناء والأسمدة والمنتجات الكيميائية والأغذية والحاصلات الزراعية والملابس والمنتجات الهندسية، إلى جانب صادرات الذهب والطاقة. وهى قطاعات مهمة، لكنها تحتاج إلى مزيد من التصنيع المتقدم، والتكنولوجيا، والابتكار، ورفع القيمة المضافة للمنتجات المصرية.

وبالطبع، لا تعنى المقارنة أن هذه الدول تفتقر إلى التاريخ أو الثقافة، ولا أن موارد مصر الاقتصادية محدودة؛ لكنها تكشف أن امتلاك حضارة عظيمة لا يضمن وحده امتلاك اقتصاد عظيم، مثلما أن الشهرة الفنية لا تعوض غياب المنتج القادر على المنافسة عالميًا.

إن التحدى الحقيقى أمام مصر ليس الاختيار بين التاريخ والمستقبل، ولا بين الفن والصناعة، وإنما الجمع بينها جميعًا. نحتاج إلى أن يعرف العالم أهراماتنا وأم كلثوم، وأن يعرف أيضًا منتجاتنا الصناعية وتقنياتنا وشركاتنا وعلاماتنا التجارية. نحتاج إلى تعليم ينتج المعرفة، وبحث علمى يتحول إلى ابتكار، وصناعة قادرة على المنافسة، وسياسات تصديرية تفتح الأسواق أمام المنتج المصرى.. وسياسة وديمقراطية حقيقية.

إن «فيها حاجة حلوة» ليست مجرد أغنية جميلة؛ إنها تعبير عن محبة مصر وصورتها فى الوجدان. لكن الأجمل أن تتحول هذه المحبة إلى ثقة فى المنتج المصرى، وأن يصبح اسم مصر حاضرًا فى الأسواق العالمية بقدر حضوره فى كتب التاريخ وذاكرة الفن، إذا جمعت بين عبقرية التاريخ وقوة العلم والفن والصناعة والتكنولوجيا الحديثة.. ويا سلام لو فوقهم شوية مناخ سياسى تنافسى وحبتين حريات مطعّمين بالديمقراطية!

[email protected]