الذكاء الاصطناعي.. المستعمر الخفي.. مبدعون بلا موهبة وأساتذة بلا علم
المجتمع يصفق للمزيفين فمن يحمي الإبداع الحقيقي؟
كُتاب وصحفيون وباحثون اشتهروا فجأة.. وخبراء يدقون ناقوس الخطر
منصور: مراجع مفبركة وترجمة آلية والحل في ثلاث طرق
هاشم: نصوص مسبوكة.. والنقاد يكشفونها بسهولة
بركة: أدوات إبداعية مستهلكة ونهايتها فضيحة مدوية
الليثي: الأزمة في المستخدم.. ولجان القراءة خط الدفاع الأول
في أقل من عامٍ صار هو الأداة الاصطناعية الأشهر، والتي يلجأ إليها المعظم إن لم يكن الجميع، خاصة في مصر، حتى أصبح أكثر اتساعا من أن نتخيل، وأخطر من أن نصمت عليه.
ففي غضون شهور، ظهرت أصوات روائية وقصصية وإبداعية لم تكن موجودة على الساحة، وربما لم يسمع بهم ذووهم أنفسهم، ولم يعرف أحد من المحيطين بهم أنهم يمتلكون ملكة الكتابة.. فجأة بزغ شعراء، وترددت كلماتهم، وطبقت دواوينهم آفاق الندوات والأمسيات، فجأة صار صحفيون بسطاء _ممن يطلق عليهم صحفيو البيانات والأخبار_ يكتبون التقارير والتحقيقات بأسلوب أدبي رفيع، بينما كانوا يعجزون في الماضي القريب عن كتابة جملتين طويلتين متعاقبتين، أو حتى تغطية مؤتمر أو ملتقى بسيط بأسلوب مهني.
هكذا أصبح السوق يعج بالعباقرة، بل إن مجالس الكليات والجامعات أقرت ترقيات كانت معطلة منذ سنين لأبحاث لم تُقدم، فجأة قُدمت هذه الأبحاث، ولاقت أعلى التقديرات.
حتى الرسائل العلمية والأكاديمية التي كان أصحابها يؤجلون مناقشتها أكثر من مرة، ويعانون أزمة مع مشرفيهم، فجأة انتهوا من كتابة هذه الرسائل، ونوقشت ونالوا عنها أعلى الدرجات الأكاديمية، فجأة تحولت منشورات السوشيال ميديا إلى قطع أدبية منمقة، صحيحة لغوياً، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
لنجد أنفسنا أمام ظاهرة خطيرة، تستوجب معها ليس فقط التوقف والحذر، بل الطرق بيد من حديد، فمن يستسهل استخدام الذكاء الاصطناعي في أن يقوم هو بالكتابة كلياً عنه، إنما يمارس نوعاً من الخداع والتدليس على نفسه أولاً، ثم على المحيطين به ثانياً، الذين يصفقون له وهم لا يدركون، وربما يدركون، لأنهم ببساطة يمارسون نفس فعل السرقة والتدليس، فيحاولون تمرير فعلهم حتى يبرروا لأنفسهم أن الجميع سواسية، والنتيجة أننا في غضون أقل من عام، سوف يكون لدينا مبدع شهير لا موهبة له، وأستاذ جامعي فاشل، ليس على قدر الرسالة التي حصل عنها على الدرجة العلمية، وصحفي جاهل، ربما لا يعي معنى الجملة الأدبية التي يكتبها عنه الذكاء الاصطناعي، وسوف يكون لدينا طابور طويل من اللامعين والمنمقين في كل المجالات، لكنهم حتماً لا يستحقون ما وصلوا إليه.
ظاهرة مخيفة، تجاوزت حد الخطر، في مجتمع رضي طواعية أن يجنب عقله وفكره ووعيه وثقافته، وأن يترك نفسه كليا لأداة اصطناعية تقوده دون تفكير، تكتب عنه، تفكر عنه، وتضع له الخطط، وتحل له مشاكله، دون أن يعي حدود استخدامها فيما ينفعه، ولسنا هنا بصدد التحدث عن خطورة ما يسمى بالفضفضة، أو كتابة كل شيء وقول كل شيء لتلك الأداة، ونحن قد علمنا من حوادث قريبة أن تلك الأداة تحمل ذاكرة تحتفظ فيها بكل كلمة وحرف تقوله لها، أو تدخله لها، بل نحن هنا بصدد الحديث عن استخدام تلك الأداة كمبدع ومحرر بديلاً عن عقل الإنسان، حتى صار من لا يملك موهبة عبقرياً في مجاله، ومن يملك موهبة حقة صار مستواه أقل من العادي مقارنة بما تكتبه تلك الأداة، وما تستخدمه من تكنيك عالٍ في البلاغة والإبداع والمصطلحات والمعلومات.
نحن الآن على عتبات انزواء المبدعين والموهوبين الحقيقيين وانطفاء أنجمهم، في مقابل لمعان أنجم المدلسين والمخادعين ممن يستخدمون تلك الآلة الاصطناعية.
ترى هل سيصل بنا الأمر أن نصبح جميعاً آلات تتحرك بلا مشاعر، تكتب بلا مشاعر، تفكر بلا مشاعر، والأخطر تشعر بلا مشاعر.. نسخ مكررة، نسخ لا فرق بينها، يستوي فيها من يمكنه التعامل مع تلك الآلة بذكاء، ومن لا يستطيع التعامل معها.
لكن.. هل هناك آليات للتعامل مع تلك الآلة؟ ونحن فقط في مصر والدول العربية نجهل تلك الآليات ونتعامل معها بغباء.
هل هناك حدود لاستخدام تلك الآلة بحيث يمكننا أن ننتفع بها دون أن نضر أنفسنا ومواهبنا وقدراتنا الحقيقية، ودون أن نتحول إلى مخادعين وكاذبين ومدلسين على الآخر، وأن نتقلد مناصب ومكانات اجتماعية ومهنية لا نستحقها؟ هل مخترع تلك الآلة كان يدرك جيداً ما سنصل إليه وما ستؤول إليه الأمور، خصوصاً في بلاد العالم النامي؟ وهذا ما كان يطمح له؛ إصابة العقل البشري بالشلل التام، وجعله يعتمد كلياً على مجرد آلة لا ندري من وراءها ومن يتحكم فيها، ومن يصب بين يديه كل ما ندخله إليها من معلومات عن أنفسنا، وعن مهنتنا، وعما نفعله ونكتبه؟
إنه سلاح العصر المخفي، في صورة مزينة وعلينا أن نتصدى له؛ دولة ومؤسسات ودور نشر وصحف، حتى الأسرة يجب أن تتصدى له، ويجب أن يوقظ كل منا ضميره الذاتي حتى يرفض أن يخدع، أن يكذب، أن يدلس، في مقابل أن يصفق له الآخرون.
معا.. ندق ناقوس الخطر ونتوجه بأسئلتنا إلى مبدعين وأكاديميين وناشرين، علنا نخرج من هذا التقرير بحل لتلك الظاهرة المتفاقمة.
هلوسة رقمية ومراجع مفبركة
بداية يؤكد د. طارق منصور، أمين عام اتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة ووكيل آداب عين شمس سابقاً، أن الذكاء الاصطناعي ليس حديثاً، بل إنه يستخدم منذ عقود في مجالات حساسة كالصناعات الطبية والعسكرية، إلا أن إتاحته مؤخراً للجميع جعل بعض الباحثين يعتمدون عليه كبديل للعقل البشري، مما أدى للانتقال من الاستخدام المشروع (كمناقشة نقطة بحثية أو اقتراح عناوين مراجع) إلى اللامشروع، كاعتماد مخرجاته الهشة التي تتضمن معلومات مغلوطة و"هلوسة رقمية" ومراجع مفبركة، وقد دفع ذلك الشركات لإضافة علامات مائية على النصوص، وظهور برامج كشف الانتحال لحماية حقوق الملكية.

ويشير منصور إلى كشفه حالات واقعية في أطروحات علمية، منها باحث اعتمد بالكامل على الترجمة الآلية، وآخر نسب إليه شخصيا ثمانية مراجع مزورة، وهو ما يخالف أخلاقيات البحث العلمي ويجرد البحوث من قيمتها.
ويرى د. طارق منصور أنه يجب تدريب وتوعية الباحثين والمبدعين بأن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة وليس بديلاً للعقل، كما ينبغي فحص الرسائل العلمية ببرامج كشف الانتحال قبل إجازتها، وأخيرا تطوير أدوات دار الكتب المصرية لفحص الأعمال الإبداعية المتقدمة للحصول على أرقام إيداع ببرامج كشف الانتحال، وتحديد نسبة استخدام لا تتعدى 5% لمنح رقم الإيداع وضمان أصالة العمل.
غباء إبداعي "مزدوج"
بينما يرى الروائي والكاتب الصحفي محمد بركة أن توظيف الذكاء الاصطناعي كمؤلف ينم عن غباء "مزدوج"، فالشخص الذي يسير في هذا الطريق ينسى، أو يتناسى، أن الأمر سرعان ما سينكشف والنصوص المكتوبة عبر الخوارزميات مآلها فضيحة مدوية وشماتة من مختلف الأطراف.
كما أن تلك الأداة التكنولوجية الرقمية الحديثة لا يمكن أن تنتج إبداعا بالمعنى الحقيقي والمباشر للكلمة، فالأخير يعني ببساطة شديدة أن نخلق منتجا على غير مثال سابق، أن ننتج قصة أو رواية أو قصيدة أو فيلما أو مسلسلا أو لوحة أو قطعة موسيقية به سمات وملامح مختلفة تماما عما سبق إليه الآخرون، وهذا بالضبط ما لا يمكن أن يصل إليه الذكاء الاصطناعي.

ويوضح بركة: الخوارزميات هى أداة خرافية وعملاقة لتجميع وتصنيف ما سبق أن "أبدعه" البشر، في جميع المجالات عبر التاريخ الإنساني، أي أن "إبداعها" سيكون أسير "خيال سابق" وأدوات إبداعية "مستهلكة"، في حين أن جوهر الإبداع يقوم على تحقيق اختراق لكل ما سبق والخروج بحالة جديدة تناقض القديم، كليا أو جزئيا.
ويتساءل محمد بركة: هل يعني ذلك أن الذكاء الإصطناعي عدو؟ ليجيب بقوله: لا أنصح بالتعامل معه من هذا المنظور، أرى أنه يمكن أن يكون صديقا مفيدا، ثورا يمكن الإمساك بقرنيه وترويضه، فهو فعال حين نسأله عن رأيه في عنوان مقترح، أو نلجأ إليه للحصول على مادة شاملة، باعتباره أداة بحث عميقة، شريطة أن نلح عليه مرارا وتكرارا بذكر المصادر.
الإبداع المعلب يهدد الأدب
فيما يقول الناقد والكاتب د.أحمد صلاح هاشم: بوصفي ناقدًا، أرى أن خطورة تدفق النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي تتلخص في نقطة بالغة الأهمية، وهي تهديد الإبداع بـ"التسطيح"، ووضع حدود للإمكانات، بما تقدمه الآلة من بدائل جاهزة مفرغة من مضمونها العميق، وتشبه بقية الأعمال البلاستيكية المعلبة.
ويتابع: قد تكون هذه الأعمال مسبوكة لغويًّا لكنها ستكون دائمًا بلا قلب، ولا ذاكرة، ولا خصوصية أسلوبية، فالإبداع في جوهره يترجم "الهالة الإنسانية" الفريدة الناتجة عن المعاناة والوعي بالوجود، وهو ما تعجز خوارزميات التنبؤ بالكلمات عن محاكاته، وفي نقدنا الأكاديمي، نكشف هذه النصوص بسهولة عبر مثاليّتها الجافة، وصورها البلاغية المتوقعة.

ويستدرك هاشم قائلا: لكن، ومع ذلك فإنه يبدو من الفانتازيا الدعوة لهجر الذكاء الاصطناعي بالكلية، بعد أن أصبح يحاصرنا في كل المنافذ الكتابية، لكن الأمر يحتاج على الأقل إلى تعيين حدود آمنة، بأن يبقى الذكاء الاصطناعي امتدادًا للعقل البشري بحيث لا ينوب عنه أو يلغيه، يعني ذلك أن يستخدم كأداة للعصف الذهني والتحرير مع وجوب التدقيق البشري بعده، وأن يُنحى تمامًا عن صياغة العواطف ورسم المصائر الإنسانية.
وفي سبيل تحقيق ذلك، ينبغي على دور النشر تفعيل لجان قراءة نقدية صارمة، واستخدام برمجيات الفحص الرقمي، مع فرض معيار أخلاقي يُلزم الكاتب بالإفصاح عن نسبة تدخل الآلة، بما يمنع هذا الاستنزاف الإبداعي والقولبة التي أصبحت ماثلة حولنا في كل مكان!
يساء استخدامه
أما الناشر شريف الليثي، فيقول: نعم، بالطبع يمثل الذكاء الاصطناعي خطرًا حقيقيًا على الإبداع الأدبي، ولكن ليس بوصفه ذكاء اصطناعيًا في ذاته، لكن بسبب الطريقة التي يساء بها استخدامه، فهو في أصله أداة مساعدة وليست منفِّذة، يمكن أن ترشدنا لكنها لا ينبغي أن تقودنا، وهي تفتح أمامنا آفاقًا جديدة دون أن تلغي دورنا في التفكير والابتكار والإبداع، فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، يظل في حاجة إلى عقل بشري يوجهه، ويطرح عليه الأسئلة الصحيحة، ويمنحه الغاية التي ينبغي أن يعمل من أجلها، وتكمن المشكلة الحقيقية في أن بعض الأشخاص يستخدمونه لإعادة إنتاج أفكار الآخرين وصياغتها في قوالب جديدة، دون اعتبار لحقوق الملكية الفكرية، وهو ما يضعنا أمام تحدٍ أخلاقي وقانوني لا يمكن تجاهله.

ويضيف الليثي: وبصفتي ناشرًا، أؤمن بأن الخبرة الأدبية وتعدد الرؤى داخل لجان القراءة والتحكيم يمنحاننا القدرة على اكتشاف الأعمال التي تفتقر إلى الأصالة، أو التي تثير الشكوك حول طبيعة كتابتها، وقد نختلف حول مدى قدرتنا على كشف كل نص مولَّد بالذكاء الاصطناعي، لكننا نملك من الخبرة ما يعيننا على تقييم أصالة العمل وقيمته الإبداعية، واتخاذ قرار النشر على هذا الأساس.
ويختتم الليثي قائلا: أما المواجهة الحقيقية فلا تكون بمحاربة التكنولوجيا، بل بترسيخ ثقافة تحترم الملكية الفكرية أولًا، وتعلي من قيمة الإبداع الإنساني، وتتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه شريكًا في تطوير أدوات المبدع، وليس بديلًا عنه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض