رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

قراءات نقدية

عروس السراديب.. تداخل الذاكرة التاريخية والتجربة الإنسانية المعاصرة

بوابة الوفد الإلكترونية

ثمة حكايات تأبى أن تستقر في زمنها، وأرواح تظل معلقة بين الحياة والموت، كأنها تنتظر من يعيد إليها صوتها، ويزيل عن أسرارها غبار القرون، وفي هذه المساحة المترددة بين الواقع والأسطورة، تنسج عبير العطار روايتها "عروس السراديب"، مستعيدة من أعماق التاريخ شخصيات ومصائر تتقاطع مع أسئلة الإنسان المعاصر، فتجعل الماضي مرآة للحاضر، كما تجعل الحب بما يحمله من رغبة في الخلاص والخلود خيطًا يصل بين عالمين تفصل بينهما آلاف السنين.
 

تنهض رواية "عروس السراديب" على تداخل الحكايات والأزمنة، حيث تتقدم أسطورة إيزادورا، الفتاة التي دفعت حياتها ثمنًا لعشق تجاوز الفوارق الاجتماعية، لتلتقي حكايتها في امتداداتها الرمزية بعالم معاصر تتشابك فيه مصائر شخصيات مثل كاميليا وهبة، وتصبح الآثار والسراديب والمقابر المصرية القديمة مساحات متاحة لاستدعاء الماضي ومساءلة الحاضر، فلم يعد المكان مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى ذاكرة تنطق بما عجز الزمن عن محوه، وإلى معبر تتقاطع عنده الأسطورة مع التجربة الإنسانية، ويغدو اكتشاف الأسرار الأثرية رحلة موازية لاكتشاف خبايا النفس البشرية.
وتتعدد القضايا التي تطرحها الكاتبة عبر حكاياتها، من الحب والحرمان والرغبة في الأمومة، إلى العنف الواقع على المرأة، والخوف من الشيخوخة، والصراع على المال والمكانة، فضلًا عن تسلط الموروثات الاجتماعية حين تتحول من امتداد للذاكرة إلى قيود تحاصر الإنسان وتنتزع منه حقه في الاختيار، وهو ما يمنح العمل بعدًا اجتماعيًا يتجاوز غرائبية الحكاية التاريخية، ليقترب من أوجاع بشرية تتكرر بأقنعة مختلفة مهما تبدلت العصور.

ويحضر المكان بوصفه عنصرًا فاعلًا في بناء الرواية، ولا سيما منطقة تونة الجبل بالمنيا، حيث تتجاور الآثار والطقوس الشعبية والزيارة المرتبطة بطلب الإنجاب، كما يتضح في حكاية هبة التي تلجأ إلى الطواف حول جسد إيزادورا بعد إخفاق محاولات العلاج، وهنا تلتقي الذاكرة الأثرية بالمعتقد الشعبي، ويكشف السرد كيف يمكن للمكان التاريخي أن يكتسب في الوعي الجمعي المعاصر، دلالات تتجاوز وظيفته الأثرية.

 

اللغة:
 

تحفل لغة الرواية بالصور البلاغية المكثفة، كما في قول إيزادورا: «في حبي لك، كل الناس مجموعون تحت الباء في نقطتها، وأنت وحدك حاء الحياة»، وهي عبارة تجسد تغليب العاطفة على الواقع المعاش، لكنها تكشف أيضًا عن ميل الرواية أحيانًا إلى التصريح بالشعور وتأكيده بلاغيًا بدلا من تركه يتكشف من خلال الفعل والمشهد.

 

الوصف:
 

لدى عبير قدرة على المشهدية والوصف، وإن كان تراكم الوصف في بعض المواضع يهدد بإبطاء الحركة السردية.

هكذا، تقدم «عروس السراديب» عالمًا تتقاطع فيه الأسطورة مع قضايا إنسانية واجتماعية ملموسة، وتكمن أبرز إمكاناتها في وصل مصائر الشخصيات بذاكرة المكان، فيما يظل إحكام التوازن بين الوصف والحركة، وبين التعبير المباشر وترك الدلالة للقارئ، أحد المعايير المهمة للحكم على تماسك بنائها الفني.

 

الحوار:
 

يؤدي الحوار في رواية «عروس السراديب» دورًا يتجاوز تبادل الكلام بين الشخصيات، إذ يسهم في إبراز اختلاف البيئات والأزمنة، ويكشف عن التوترات النفسية والاجتماعية التي تحكم العلاقات بينها، ففي الحكاية المرتبطة بإيزادورا على سبيل المثال، يأتي الحوار مع الأب محمّلًا بسلطة الطبقية والخوف على المكانة الاجتماعية، كما يتجلى في مواجهته لها حين يسألها غاضبًا: «كيف جرؤت على هز ثقتي بك؟»، فينكشف من خلال السؤال أن الصراع لا يتعلق بعاطفة الفتاة وحدها، بل بحقها في الاختيار ومواجهة سلطة الأسرة، بينما تمنح العامية المصرية حوارات الشخصيات المعاصرة ملمحًا محليًا واضحًا، كما في الحكاية التي ترويها ليلى عن ظهور إيزادورا، وفي المشاحنات التي تتخلل علاقات بعض الشخصيات، فتقترب اللغة من الحياة اليومية بما تحمله من تلقائية وسخرية وانفعال، ويكتسب الحوار بعدًا آخر في المواجهات بين كاميليا وإيزا، حين تتداخل أسئلة الهوية والحقيقة مع غرابة التجربة التي تعيشانها، بينما يكشف تهديد برايان لكاميليا: «لن أرتاح حتى تعطيني البحث راضية أو مرغمة!» عن تحول الحوار إلى أداة ضغط وصراع على المعرفة، ومع ذلك، تميل بعض الحوارات إلى التصريح بالمعلومة أو شرح الموقف للقارئ، وهو ما يقلل أحيانًا من مساحة الإيحاء التي يستطيع الحوار الجيد أن يحققها، حين يترك للشخصية أن تكشف عن نفسها من خلال نبرة كلامها وما تخفيه بقدر ما تعلنه.
وتنجح الكاتبة في المزج في الحوار بين الفصحى والعامية بما ينسجم مع تنوع العوالم الروائية وطبيعة كل شخصية.
 

هكذا، تختار عبير العطار في روايتها «عروس السراديب» أن تجعل الحب مدخلًا إلى عوالم تتجاور فيها الذاكرة التاريخية والتجربة الإنسانية المعاصرة، مستلهمة حكاية إيزادورا، التي يربط النص مصيرها بالعشق والتضحية، لتنسج حولها حكايات أخرى تتصل بالرغبة والحرمان والأسرار التي تخفيها الأمكنة، وكأن السراديب التي تحفظ الأجساد والآثار تحت الأرض تختزن، في الوقت نفسه، أسئلة الإنسان التي لا تنقضي بتعاقب الأزمنة.