الفول والموروث اللغوي.. دور الكنيسة القبطية في حفظ التراث المصري
في مصر، لا يبدأ التاريخ دائمًا من أحداث استثنائية، ولا تسكن ذاكرته بين جدران المعابد أو صفحات الكتب وحدها، فأحيانًا تختبئ آثاره في تفاصيل تبدو عادية، نمر عليها كل يوم دون أن نتوقف أمامها، في خبز على مائدة الصباح، أو كوب الشاي في بيت بسيط، أو طبق "فول" تفوح منه رائحة الطعام الشعبي الذي ألفته البيوت المصرية جيلًا بعد جيل.
ويحمل هذا الطبق العديد من الحكايات التي يختلط التراث بالتاريخ، تتجاوز مذاقه ومكوناته، ولعل أبرز ما يجعل هذا الطعام مميزًا حين يقدم في الأديرة القبطية، يحمل العديد من القصص الآخرى لا تتعلق بمذاقه وحده، بل بما تحمله جدران الأديرة من تاريخ وما ارتبط بها من صلاة وتأمل وضيافة.
وهناك بعض المفردات التي تتميز بها الثقافة المصرية عن غيرها ولا توجد دولة في العالم تنطق هذه الكلمات سوى مصر، وقد يعزي الفضل في توارث هذه التعبيرات على رغم مرور السنوات واختلاف الاجيال، إلى الكنيسة القبطية، حارسة التراث والحضارة المصرية، ومن بينها كلمة المنشفة التي يرددها العرب، إلى أن مصر تنطق "فوطة" تستخدمها البيوت المصرية اعتاد على نطقها الجميع من شعب هذا البلد، حتى صارت جزءًا من الحديث العابر.

أياء تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تفتح أبوابًا على ذاكرة بلدى تشكلت هويته آلاف السنين، وامتزجت فيها الحضارات حتى أصبحت كل مرحلة صقحة في كتاب مصر الكبير.
ومن هذه التفاصيل اليومية، أعاد قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، طرح سؤال الهوية المصرية، خلال افتتاح المؤتمر العلمي الدولي الرابع لمعهد الدراسات القبطية الذي أقيم الخميس الماضي لمدة يومين، بالكاتدرائية المرقسية الأرثوذكسية في العباسية، حين تحدث عن الحضارة المصرية بوصفها كتابًا ضخمًا، تتجاوز في صفحاته الحضارات الفرعونية والقبطية والإفريقية، والعربية، والإسلامية، مؤكدًا أن هذه المراحل لم تنفصل بعضها عن بعض، بل أسهمت مجتمعة في تكوين الشخصية المصرية.
وفي كلمته، وضع البابا تواضروس، الكنيسة المصرية في قلب هذه القصة التاريخية، مؤكدًا أنها :حارس التقليد والتراث والحضارة المصرية"، في إشارة إلى دورها في صون تراث امتد عبر القرون، ولم يبقى حبيس جدران الأديرة والكنائس، بل امتد إلى تفاصيل الحياة واللغة والعادات اليومية.
وهناك، حيث هدوء الأديرة المصرية، لا يبدو طبق الفول مجرد وجبة عابرة للزائر، بل جزءًا من تقليد قديم يحتصر طبيعة الحياة الرهبانية، حيث تمتزج البساطة مع العبادة، ويصبح الطعام وسيلة للترحيب بالضيف، مهما كانت المسافة التي قطعها للوصول إلى الدير.

وقد أعاد البابا تواضروس، تسليط الضور على خصوصية هذه الوجبة، خلال زيارته إلى دير السيدة العذراء مريم ورئيس الملائكة ميخائيل بالبهنسا خلال جولته الرعوية سبتمبر الماضي بمحافظة المنيا، عندما تحدث عن تقاليد الضيافة في الأديرة المصرية، مستعيدًا صورة طبق الفول وكوب الشاي اللذين اعتاد الزائر أن يجدهما في استقباله، ولم يتوقف البابا عند بساطة الوجبة، بل منحها بعدًا إنسانيًا وروحيًا، موضحًا أن الرهبان يصلون أثناء إعداد هذه الوجبة، وقال في كلمته: "هو فول عادي طبعًا، لكنه مصنوع بالصلاة".
وبهذه الكلمات اختصر البابا تواضروس معني يتجاوز مكونات الطعام وطريقة طهيه، فقد تم إعداده في محيط هادئ وبسيط وممتلئ بالصلاة والمحبة، وهو ما يمنح التجربة خصوصيتها، وهنا تكتمل فلسفة الحياة داخل الدير القبطي، حيث لا تنفصل تفاصيل الحياة اليومية عن روح العبادة، ولا تقاس قيمة الضيافة بما يقدم على المائدة بقدر ما تقاس بما تحمله من ترحاب واهتمام بالآخر.
وحين ينظر الزائر إلى الأديرة المصرية، يشعر بالراحة النفسية، ولعل السبب وراء هذا الشعور هو دفئ المكان المفعم بالصلاة والتسابيح والمحبة والهدوء، ولفهم هذا الشعور وخصوصية هذه الوجبة البسيطة التي تشبه المكان، لا بد من العودة إلى تاريخ الرهبنة القبطية في مصر، التي ارتبطت نشأتها وتطورها بأسماء كبيرة، وفي مقدمتها أب الرهبان القديس الأنبا أنطونيوس الكبير، والقديس الأنبا باخوميوس، الذي ارتبط اسمه بتنظيم الحياة الرهبانية الجماعية.
ومنذ قرون المسيحية الأولى أصبحت الأديرة مراكز للصلاة والتعبد والعمل، واتخذت الجياة فيها طابعًا يقوم على البساطة والانضباط، واكتسب الطعام اليومي مكانته مع مرور الزمن بوصفه جزءُا من احتياجات الحياة، لا مجالًا للتفاخر أو الإسراف، ومع مرور الزمن، ارتبطت صورة الدير في الوجدان المصري بالهدوء والضيافة، وبالطعام البسيط الذي يُقدم للزائر، ولم يكن الفول غريبًا عن هذه الصورة، فهو أحد أبرظ الأطعمة في المائدة المصرية، ويتميز بتوافره وقدرته على إشباع الجوع، كما يناسب أنماط الطعام خلال فترات الصوم بالكنيسة القبطية.

وهنا تلتقى خصوصية وجبة الفول باعتباره طعامًا شعبيًا عاش في البيوت المصرية، وطبيعة الدير القبطي باعتباره مكانًا يحافظ على تقاليد البساطة والضيافة، وتكمن نقطة الإلتقاء بينهما، وتصبح هذه الوجبة الصغيرة علامة على علاقة الإنسان بالمكان، وعلى قدرة التفاصيل اليومية على حمل معاني أكبر من شكلها الظاهر.
وتتجلى صورة وجبة الفول في فترات متنوعة داخل الكنيسة المصرية، ولا يمكن أن تكتمل خصوصيتها في الذاكرة القبطية دون التوقف أمام "الجمعة العظيمة"، التي تُحيى فيها الكنيسة ذكرى صلب السيد المسيح، وتقام خلالها صلوات طويلة يغلب عليها طابع الحزن والتأمل، وفي هذا اليوم يلتزم الأقباط بالصوم الانقطاعي وفقًا لترتيبات الكنيسة، ويمتنعون عن الطعام لساعات طويلة، قبل أن يتناولوا وجبتهم بعد انتهاء فترة الصوم، ومن بين الأطعمة النباتية التي اعتاد كثيرون تناولها في هذه المناسبة هو الفول النابت، إلى جانب بعض الأطعمة الأخرى التي ارتبطت بالعادات الشعبية المتوارثة.
أما عن بعض المفردات المتوارثة في مصر، تأتي كلمة "فوطة" يتعارف عليها في جميع الدول العربية باسم "المنشفة" إلا مصر، فالتاريخ لا يقرأ في الكتب والمخطوطات وحدها، ولا يختصر في المعابد والآثار، التي تقف شاهدة على عظمة التاريخ المصري، بل يمكن البحث عن بعض آثاره في مفردات اللغة، وعادات الطعام، والاشياء التي يستخدمها الناسدون أن يعرفوا دائمًا جذورها.
وتحدث قداسة البابا تواضروس، عن بعض الكلمات التي حافظ المصريون عليها منذ آلاف السنين، مستشهدًا بكلمة "فوطة"، كلمة تستخدم يومية في المجتمع المصري، وهى مثال آخر على الكلمات التي تستحق البحث في أصولها ومسارات انتقالها بين اللغات والثقافات.
فاللهجة المصرية تحمل مفردات من طبقات تاريخية متعددة، من بينها كلمات ذات أصول مصرية قديمة، أو قبطية وأخرى عربية أو وافدة من لغات مختلفة، هنا تتجلى أهمية الدراسات القبطية، فهي لا تقتصر على دراسة تاريخ الكنيسة أو الطقوس الدينية، وإنما تمتد إلى اللغة والفنون والعمارة والموسيقى، والمخطوطات، لتساعد على فهم جانب من تاريخ مصر وهويتها الثقافية.

وتعد الكنيسة القبطية ذاكرة حية تتجاوز حواجز السنوات، ووصفها البابا في حديثه بأنها "حارس التقليد المصري"، واستند في هذه الكلمات إلى تاريخ طويل ارتبط بأرض مصر، منذ كرازة القديس مارمرقس في الإسكندرية، واستشهاده، مرورًا بتاريخ الأديرة والرهبنة القبطية، وصولًا إلى ما حفظته الكنيسة من تراث روحي وفني ولغوي.
وتكتسب العودة إلى هذا التراث أهميتها من قدرتها على إظهار الصلة بين الماضي والحاضر، وفهم الكيفية التي تشكلت بها الهوية المصرية عبر مراحل تاريخية متعاقبة، فالحضارة المصرية ليست فصلًا منفصلًا عما سبقه أو تلاه، بل مسار ممتد تفاعلت داخله روافد ثقافية وحضارية متعددة.
وقد تبدو وجبة "الفول" عادية على مائدة مصرية، وقد تمر كلمة "فوطة" على الأذن دون أن تستوقف أحدًا، لكن التفاصيل المألوفة قد تحمل وراءها أسئلة عن التاريخ واللغة والعادات والهوية.
وبين وجبة تُعد داخل دير تحيط بها الصلوات، وكلمة تتردد كل يوم في البيوت المصرية، تتكشف مساحة من التاريخ المصري العريق الذي لا يسكن الآثار، بل يعيش أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية، فذاكرة الأوطان لا تحفظها الكتب والمباني فقط، وإنما تحملها العادات والكلمات وتُسلمها إلى الأجيال، لتظل صفحات حية في كتاب مصر الكبير الذي لا يوجد في عالم مثله.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

