حرب الممرات البحرية.. هل تستخدم إيران الحوثيين لتوسيع نفوذها الإقليمي؟
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد التهديدات التي تواجه أمن الملاحة الدولية في منطقة الشرق الأوسط، تتشابك الحسابات العسكرية والسياسية مع الصراعات على النفوذ والسيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية، التي تمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وفي هذا المشهد، تبرز منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر وباب المندب باعتبارها ساحات تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، وسط مخاوف من اتساع نطاق المواجهات وتحولها إلى صراعات متعددة الجبهات، بما ينعكس على أمن الدول واستقرار الاقتصاد العالمي.
وتتصدر العلاقة بين إيران وجماعة الحوثيين في اليمن جانبًا مهمًا من هذه التطورات، في ظل اتهامات لطهران بتوظيف الجماعة لتحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز حدود الساحة اليمنية، وتمتد إلى الضغط على دول الخليج والتأثير في حركة الملاحة البحرية.
الجماعات المسلحة
وتثير هذه التحركات تساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي تلعبه الجماعات المسلحة في الصراعات الإقليمية، ومدى ارتباط عملياتها العسكرية بحسابات القوى الإقليمية، فضلًا عن التداعيات الأمنية والاقتصادية المترتبة على استهداف الممرات البحرية الحيوية.
وفي هذا السياق، تكتسب التحركات المرتبطة بمضيق هرمز وباب المندب أهمية استثنائية، نظرًا للموقع الاستراتيجي الذي يحتله الممران في حركة التجارة الدولية ونقل الطاقة، فالتوتر في أحدهما قد يمتد تأثيره إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، بينما يؤدي تصاعد التهديدات في كليهما إلى زيادة الضغوط الأمنية والعسكرية على دول المنطقة، ويفتح المجال أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا للصراع الإقليمي.
ولا تقتصر تداعيات هذه التطورات على الحسابات العسكرية وحدها، بل تمتد إلى الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، خصوصًا في اليمن الذي يعاني تداعيات سنوات طويلة من الصراع وتراجع مؤسسات الدولة وتدهور الأوضاع المعيشية. ومن هنا، تبرز أهمية مناقشة طبيعة الأدوار الإقليمية في الأزمة اليمنية، وانعكاساتها على أمن الخليج العربي واستقرار المنطقة، في ضوء التحليلات التي تربط بين نشاط الحوثيين وحسابات النفوذ الإيراني.
ومن جانبه، قال العميد سمير راغب، الخبير الاستراتيجي والعسكري، إن إيران توظف جماعة الحوثيين باعتبارها أحد الأذرع التي تعتمد عليها في التأثير على أمن الخليج العربي، معتبرًا أن استهداف المملكة العربية السعودية يمثل تهديدًا يتجاوز حدود الدولة إلى منظومة الأمن القومي الخليجي والعربي بأكملها، فضلًا عن ارتباط هذه التحركات بمحاولات التأثير على الممرات الملاحية الاستراتيجية.
الأمن القومي العربي
وأكد راغب، أن المملكة العربية السعودية تحتل مكانة محورية في المنظومة العربية والإسلامية، بالنظر إلى ثقلها السياسي والإقليمي، واحتضانها الحرمين الشريفين، ودورها في منظمة التعاون الإسلامي وعلى الساحة الدولية.
وأوضح أن استهداف السعودية لا يمكن النظر إليه باعتباره تهديدًا منفصلًا عن بقية التحديات الأمنية في المنطقة، مشيرًا إلى أن انعكاساته قد تمتد إلى أمن دول الخليج ومصالحها الاستراتيجية، في ظل الترابط الجغرافي والأمني بين دول المنطقة، وتداخل التهديدات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة والممرات البحرية.
وأضاف أن الموقع الجغرافي لمناطق سيطرة الحوثيين، خاصة في صعدة والجوف والمناطق القريبة من الحدود السعودية، يمنح الجماعة، بحسب تقديره، قدرة على تهديد الأراضي السعودية باستخدام الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، وهو ما يزيد من تعقيدات المشهد الأمني ويضع تحديات إضافية أمام جهود حماية الحدود والمنشآت الحيوية.
وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن اعتماد إيران على الحوثيين يتيح لها ممارسة ضغوط إقليمية من خلال طرف غير مباشر، بما يحقق، وفق تحليله، أهدافًا استراتيجية مع تقليل احتمالات تحمل طهران الكلفة السياسية المباشرة للتحركات العسكرية.
صراع النفوذ على الممرات البحرية
وتطرق راغب إلى الأبعاد الجيوسياسية للتحركات الحوثية، معتبرًا أن السعي إلى التأثير على حركة الملاحة في مضيق باب المندب يرتبط بحسابات إقليمية أوسع تتعلق بالنفوذ والسيطرة على طرق التجارة الدولية وإمدادات الطاقة.
وأوضح أن إيران، وفق قراءته، تسعى إلى توظيف أوراق الضغط المتاحة لها في أكثر من ساحة بحرية، من خلال التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز، بالتوازي مع تحركات الحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب، بما يتيح ممارسة ضغوط متزامنة على المصالح الاقتصادية والأمنية للدول المعنية.
ولفت إلى أن أهمية هذه الممرات تتجاوز الإطار الإقليمي، إذ ترتبط بها حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، فضلًا عن مرور شحنات الطاقة والسلع الأساسية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب أمني فيها ذا انعكاسات محتملة على تكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية.
وأضاف أن استمرار التهديدات البحرية قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، بما يزيد زمن الرحلات وتكاليفها، ويضع ضغوطًا إضافية على التجارة الدولية، وهو ما يجعل أمن الملاحة أحد الملفات الأساسية في حسابات الاستقرار الإقليمي والدولي.
الحوثيون وحسابات الصراع الإقليمي
وفي قراءته للخطاب الذي يضع الحوثيين ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة، أبدى راغب تحفظه على هذا التوصيف، معتبرًا أن العمليات العسكرية التي تنفذها الجماعة تحت هذا الشعار لم تحقق، من وجهة نظره، مكاسب تتناسب مع حجم الأضرار التي لحقت باليمن.
وأشار إلى أن استمرار العمليات العسكرية والتصعيد الإقليمي يفاقمان الأعباء الواقعة على الشعب اليمني، ويؤثران على البنية الاقتصادية والخدمات الأساسية، في وقت يحتاج فيه اليمن إلى جهود واسعة لإعادة بناء مؤسساته واستعادة الاستقرار.
وأكد أن توظيف الجماعات المسلحة في صراعات النفوذ الإقليمية يضعف فرص التسوية السياسية، ويزيد من تعقيدات المشهد الداخلي، خاصة عندما تتداخل المصالح الخارجية مع الصراعات المحلية، بما يجعل الوصول إلى حلول مستدامة أكثر صعوبة.
وأضاف أن استمرار المواجهات يثير تساؤلات بشأن الكلفة التي يتحملها اليمنيون نتيجة الصراع، ومدى قدرة العمليات العسكرية على تحقيق أهداف سياسية معلنة، مقارنة بتداعياتها على الاقتصاد الوطني وأوضاع المواطنين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

