زيارة الرئيس السيسى إلى كوريا الجنوبية فى هذا التوقيت ، ليست مجرد زيارة دبلوماسية عابرة ، ولا مجرد لقاء لتبادل المجاملات السياسية ، وإنما جاءت فى توقيت تفرض فيه المتغيرات الاقتصادية والدولية على مصر البحث عن شركاء جدد ، واستثمارات منتجة ، وتكنولوجيا متقدمة تساعدها على الخروج من الظروف الاقتصادية الصعبة التى تشهدها مصر ، ولتخفيف الضغوط التى تواجهها .
واختيار كوريا الجنوبية تحديدا لم يأت من فراغ ، فهذه الدولة التى عانت فى الماضى من ظروف اقتصادية صعبة ، استطاعت أن تتحول إلى قوة صناعية وتكنولوجية عالمية ، بفضل الاستثمار فى التعليم والتصنيع والبحث العلمى ، والاعتماد على الإنتاج والتصدير .. ومن هنا تبدو التجربة الكورية جديرة بالدراسة والاستفادة منها ، لا بمجرد توقيع الاتفاقيات ، وإنما بنقل أسباب النجاح إلى الواقع المصرى .
الزيارة حملت رسالة واضحة بشأن رغبة القاهرة في تنويع شراكاتها الدولية ، وعدم الاكتفاء بالأسواق التقليدية ، خصوصا فى ظل الحاجة إلى جذب استثمارات أجنبية قادرة على خلق فرص عمل فى السوق المصرى ، وزيادة الصادرات ، وتوطين التكنولوجيا.. كما أن الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية ، والتحرك نحو اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة ، يفتحان الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والتعليم والتدريب.
لكن السؤال الأهم : ماذا ستجنى مصر من هذه الشراكة ؟ وهل ستتحول الاتفاقيات إلى مصانع تعمل ، وفرص عمل حقيقية ، ومنتجات مصرية تنافس فى الأسواق الخارجية ، أم ستظل مجرد توقيعات على ورق وحبيسة البيانات الرسمية ؟
مصر لا تحتاج فقط إلى استيراد التكنولوجيا الكورية ، بل إلى توطينها ، وتدريب العمالة المصرية عليها ، وإقامة مصانع مشتركة ، وزيادة نسبة المنتج المحلى ، حتى تصبح السوق المصرية قاعدة للإنتاج والتصدير إلى أفريقيا والمنطقة العربية.. فالمكسب الحقيقى ليس في زيادة الواردات ، وإنما في زيادة الإنتاج ، وخلق قيمة مضافة ، وتحسين الميزان التجارى ، وتوفير فرص عمل للشباب..
وعلى الصعيد الخارجى أعتقد أن هذه الشراكة سوف تمنح القاهرة مساحة أوسع للحركة ، وتدعم علاقاتها بواحدة من أهم القوى الاقتصادية الأسيوية ، في وقت تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع قضايا الأمن الإقليمى والملاحة الدولية.. كما يمكن أن تسهم فى تعزيز دور مصر بوصفها مركزا إقليميا للاستثمار والتصنيع والتجارة. ورغم ذلك فإن النجاح لا يُقاس بحجم التصريحات ولا بعدد الاتفاقيات ، وإنما بالتنفيذ على أرض الواقع ، وبمشروعات فعلية محددة ، واستثمارات تدخل حيز الإنتاج ، ونتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
كوريا الجنوبية ليست مجرد شريك تجارى جديد ، بل تجربة تستحق أن نتعلم منها كيف تتحول الإرادة إلى صناعة ، والمعرفة إلى ثروة ، والعمل إلى قوة اقتصادية.. وإذا أحسنت مصر استثمار هذه الفرصة ، فقد تكون الزيارة خطوة مهمة على طريق بناء اقتصاد منتج .. أما إذا توقفت عند حدود التفاهمات ، فستضاف إلى سجل الزيارات التي حملت آمالا كبيرة وانتظرت نتائج لم تأتِ..
ويبقى التحدى الحقيقى أمام الحكومة المصرية : أن تجعل من الشراكة مع سيول مشروعا للإنتاج والتقدم ، لا مجرد اتفاقيات دبلوماسية فقط ، فالدول لا تتقدم بما توقعه من اتفاقيات ، وإنما بما تنفذه على أرض الواقع.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض