رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

شامخ الشندويلي يكتب: التجربة الشعرية عند محمد ثابت: بين جماليات الصياغة وسمو المعنى

بوابة الوفد الإلكترونية

 

 

للشاعر محمد ثابت موهبة شعرية أصيلة فهو يمتلك أدوات القريض بثبات واقتدار، ناهلاً من أساليب العربية الفصحى جزالةً ورصانة، وممتزجاً مع قضايا عصره ووجدانه بحرارة شعورية صادقة. تتسم تجربته الشعرية بالترفع الأخلاقي والسمو الروحي، فلا يقف عند حدود التعبير العاطفي العابر، بل يتعداه إلى التأسيس لرؤية فكرية وإنسانية تنحاز للقيم والكرامة واليقين والغيرة على مقدسات الأمة. تتنوع قصائده بين الغزل العفيف، والكبرياء الوجداني، والصرخة القومية الحارقة، والتأمل الفلسفي الإيماني، مما يجعله مثالاً حياً للشاعر الملتزم الذي يجعل من كلمته حصناً للقيم ومرآة نبيلة للروح.

 

تجسد قصيدة( العشق الحلال) فضاءً صوفياً يطهر العاطفة من أدران الشهوة والغواية، ويبرز تميزها في البناء الفكري القائم على المقابلة الحادة بين العفاف والغواية، حيث يرفع الشاعر الحب إلى مرتبة السمو الأخلاقي والرضا الإلهي، مستخدماً مفردات كالعناب والخميلة والتسامي الصوفي ليصوغ نسيجاً جمالياً يجمع بين الرقة والمهابة والترفع عن الدناءة، يقول: 

 

 

 

عَضَّتْ على الْعُنَّابِ

والْمَعْنَى تَعَالى

وأَنَا على بَرِّ الْهَوَى

لَا لَا ولَا لَا

تِلْكَ الَّتِي

مَالَتْ مَعَ الشَّيْطانِ

نَاحِيَةَ الرَّدَى

وأَنَا على عَهْدِي

مَعَ الْمَوْلَى تَعَاَلى

الْحُبُّ لَيْسَ مَطِيَّةَ

الْعُشَّاقِ نَحَو الْمُلْتَقَى

لِضَعِيفِ نَفْسٍ قَدْ غَوَى

في كُلِّ وادٍ

يَأْخُذُ الْعُمْرَ اخْتِيالَا

الْحُبُّ أَرْقَى أَنْ يَكُونَ

لِفَاسِدٍ

يَهْوِي بِهِ

في كُلِّ أَرْضٍ

يُمْنَةً وَشَمَالَا

يَا مَنْ تُعَرْبِدُ في الْحَيَاةِ

عَلى هَوَاهَا

والرِّجَالُ إلَى حَظِيرَتِهَا

مَعَاً شَدُّوا الرِّحَالَا

لَا تَفْرَحِي فَالشَّيْبُ آتٍ

والْهُرُوبُ صَغِيرَتِي

أَضْحْى مُحَالَا

الْحُبُّ نُورٌ في الْقُؤَادِ

يَفُوحُ عِطْرَاً رَائِعاً وَجَمَالَا

وَخَمِيلَةٌ في ظِلِّهَا

تَرْسُو الْقُلُوبُ وَتَرْتَوِي

عِشْقاً حَلَالَا

الْحُبُّ يَعْلُو بِالنُّفُوسِ إلَى الْعُلَا

لَا لِلْفِرَاشِ جَهَالَةً وَضَلَالَا

الْحُبُّ لَيْسَ خَطِيئَةً وَثَنِيَّةً

إِبْلِيسُ يُرْسِلُهَا

لِكُلِّ مُغَامِرٍ

تَرَكَ الْعَنَانَ لِشَهْوةٍ

مَا بَيْنَ كُلِّ هُنَيْهَةٍ

وهُنَيْهَةٍ تَتَوَالَى

الْحُبُّ عِنْدِي قِصَّةٌ وَقَصِيدَةٌ

صُوفِيَّةٌ وَرِضَا الْإلَهِ

يُجِلُّهَا إِجْلَالَا

 

ـــــــــــــــ

 

 

وفى قصيدة (لا تخجلي)  تبرز كبرياء العاشق المكلوم وعزته أمام الخيانة والغدر، وتتجسد حيوية النص في تحويل ألم الجراح إلى مصدر قوة وتحدٍ بدلاً من الاستكانة والانكسار، وتظهر جماليتها في التناص الأدبي الذكي مع أسطورة مجنون ليلى، حيث ينقل الشاعر المشاعر من حالة الضعف والدموع إلى حالة الثورة والكبرياء بإيقاع هادر يتصدى للغرور. يقول:

 

 

 

 

لاَ تـَخْجَلِي إِنْ فَـاجَـأَتـْكِ عُـيُـونـِي

أَبـْدَلْـتِ شَـكِّـي فِـي الهَـوَى بـِيقِـينِـي

 

إِنَّ الجِـرَاحَ عَلَى الـفُـؤادِ تـَعَـوَّدَتْ

وَتـَعَـوَّدَ الـقَـلْـبُ الجِـرَاحَ فَـخُـونـِي

 

أَظَـنَـنْـتِ أَنـِّي قَــدْ أَمُـوتُ بـِلَـوْعَـتِـي

وَتـَذُوبُ مِـنْ فَـرْطِ الـبُـكَـاءِ جُـفُـونـِي

 

وَأُقِـيـمُ لَـيْـلِـي وَاللَّهِـيبُ بـِمُهْـجَـتِـي

وَالـيَـأْسُ يـَبْـقَـى أَيـْسَـرِي وَيـَمِينِـي

 

وَأَظَـلُّ أَشْـكُـو طُـولَ لَـيْـلَى وَالـنَّـوَى

وَأَظَـلُّ أَشْـرَحُ لِلْخَـلاَءِ شُـجُـونـِي

 

قَـدْ غَـرَّكِ اللَّحْـظُ الَّـذِي لا يـَنْـثَنِـي

 

إِلاَّ بـِمَـقْـتَـلِ عَـاشِـقٍ مَـفْـتُـونِ

 

إِنْ كُـنْـتِ لَـيْـلَـى يـَا مَـلِيـحَـةُ فِـي الهَـوَى

فَـلْـتَـحْـذَرِي مِـنْ ثـَوْرَةِ المَـجْـنُـونِ

 

 

 

ــــــــــــ

 

 

 

وفي قصيدة (وفي عينيك تنتحر القوافي ) ينساب الغزل بعذوبة وجدانية شفافة تنبض بالولع، وتظهر براعة النص في الصورة الفنية المبتكرة التي تجعل من عيني المحبوبة مصدراً للإلهام ومقبرة للقوافي في وقت واحد، بينما ويلاحظ سلاسة الإيقاع وجرس القوافي الذي يخلق نغماً موسيقياً يفيض العشق من خلاله متجاوزاً الجفاء والبعد. يقول:

 

 

عَلَى شَفَتَيْكِ تَبْتَسِمُ الأَغَانِي

 

وَعَن شَفَتَيْكِ لاَ أَنْوِي انْحِرَافِي

 

وَمِن عَيْنَيْكِ أَكْتُبُ كُلَّ شِعْرِي

 

وَفِي عَيْنَيْكِ تَنْتَحَـرُ القَوَافِي

 

عَلَى طُولِ الزَّمَانِ أَرَاكِ شَمْسِي

 

وَأُهْدِيكِ الحُرُوفَ فَلاَ تَخَافِي

 

عَلَى جَمْرِ الهَوَى أَسْقِيكِ خَمْرِي

 

وَأَسْكَرُ رَغْمَ هَجْرَكِ وَالتَّصَافِي

 

مَرَضتُ بِدَاءِ حُبِّكِ يَا هَوَايـَا

 

وَلَن أَرْضَى بِغَيْرِ هَوَاكِ شَافِي

 

يَنَامُ القَلْبُ فِي شَوْقٍ يُنَادِي

 

بِاسْمِكِ فِي سُكُونِي وَارْتِجَافِي

 

أُحِبُّكَ يَا ابْتِسَامِ الرُّوحِ فِي لَــيْــ

 

لِ حُـزْنِي مِن بِعَادَكِ وَالتَّجَافِي

 

 

ــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

أما قصيدة ( فَدَعِيهِ يَأْخُذُ فِي رِضَاكِ)  فتصور حالة الانبهار والذهول اللحظي الذي يستبد بالفؤاد فور لقاء المحبوبة، وتتجلى جودة الصياغة في توظيف استعارات الحرب والرمي بالسهام والسيف للحديث عن أثر الكحل واللحظ ، يقول:

 

 

فَدَعِيهِ يَأْخُذُ فِي رِضَاكِ

-------------------------

أَلْقَت عَلَىَّ تـَحِـيَّـةً وَسَـلاَمَـا

 

وَأَنـَا أَذُوبُ صَـبَـابـَةً وَهُـيَـامَـا !!

 

هَلَّت عَلَىَّ بـِرُوحِهَـا وَبـِنُـورِهَـا

 

وَعُـيُـونـُهَـا تـُلْقِـي عَـلَىَّ سِهَـامَـا !!

 

فَسَقَطتُ فِي رُوحِي صَـرِيعَ غَرَامِهَا

 

قَـد كُـنْتُ قَـبْـلَكِ مَـا عَـرِفْتُ غَـرَامَـا !!

 

عَجَـزَ اللِّسَـانُ عَـنِ الجَـوَابِ حَبِيبَتِي

 

وَكَـأَنَّ دَهْـرَاً مَـا نـَطَـقْتُ كَـلاَمَـا !!

 

أَلْقَت عَلَىَّ مِنَ العُـيُـونِ رَسَـائِـلاً

 

تـُهْـدِي إِلَىَّ الـنُّـورَ وَالأَحْـلاَمَـا !!

 

أَيـْقَظْتِ قَلْبِي مِـن سُبَـاتٍ قَـد مَضَى

 

مَا كَانَ يـَرْجُـو فِي الغَـرَامِ صِـدَامَـا !!

 

فَـبَـدَا يـُلَـوِّحُ لِلْحَـنِـينِ بـِسَـيْـفِـهِ

 

وَبـَدَا يـَشُـدُّ إِلَى الشُّعُـورِ لِجَـامَـا !!

 

وَمَعَ الشَّجَـاعَـةِ صَـارَ يـَصْعَـدُ بـِالهَـوَى

 

يـَبْغِي هَـوَاكِ فَيَـسْبِـقُ الأَيـَّامَـا !!

 

لاَ يـُمْـنَـعُ المَـكْـبُـوتُ مِـن فَيَـضَـانـِهِ

 

فَـدَعِيـهِ يـَأْخُـذُ فِي رِضَـاكِ وِسَـامَـا !!

 

غُـضِّي عُـيُـونـَكِ عَـن قَـتِيـلٍ مَـا لَـهُ

 

إِلاَّ عُـيُـونـُكِ مَلْجَـأً وَمُقَـامَـا !!

 

حَـالِي بـِحُـبِّكِ فى المَدَى لا ينْتَهى

 

أَرْسَلْتُ شِـعْـرِي رَاهِـبَـاً وَإِمَـامَـا !!

 

يـَا مَـن تـُقَـاتـِلُ فِي الـرِّجَـالِ بـِكُحْلِهَا

 

نـَفْسِي تـَئِـنُّ حَـرَارَةً إيـلاَمَـا !!

 

رَامَت عُـيُـونـَكِ فَانـْتَهَيْتُ بِلَحْظِهَا

 

أَيـْنَ الـنَّجَـاةُ وَسَهْـمُ لَحْظِـكِ رَامَـا ؟!

 

وَإِذَا انـْقَـلَبْتُ عَلَى هَـوَاكِ فَمَـن تـُرَى

 

يـَأْوِي صَـرِيعَـاً فِي غَـرَامِـكِ هَـامَـا ؟!

 

قَلْبِي حَبِيبِي لاَ يـُغَـادِرُ مُهْجَتِي

 

لَـمَّـا رَآكِ بـِحُضْنِ عَيْـنِكِ نـَامَـا !!

 

مَا لِي وَحُـبُّكِ بـَعْـدَ أَن أَحْـيَـا مَـوَا

 

تَ قَصَائِدِي وَاسْتَـنْـفَـرَ الإِلْهَـامَـا ؟!

 

 

 

ونلاحظ إدارته لحوار داخلي متدرج ينتقل فيه الفؤاد من مباغتة السلام إلى الاستسلام الكامل لسحر العيون بأسلوب ذكي يجمع بين الشغف والجزالة.

 

 

ــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

 

وفي قصيدة( ما أروعه ) يتجلى الإبداع في تحويل الحب إلى شريعة قلبية ثابتة تتحدى الرحيل والجفاء والعَزول، ويظهر ثقل القصيدة في التزاوج اللطيف بين المفاهيم الشرعية والفلسفية للتعبير عن العاطفة ، يقول:

 

مَازَالَ حُبُّكِ 

 

في صَمِيمِ شَرِيعَتي

 

 والْقَلْبُ يَسأَلُ حَائِرًا 

 

مَنْ شَرَّعَهْ

 

إنَّ الْعَزُولَ إذَا أَتَتْهُ صَبَابَتي 

 

 يَبْكِي دَمًا حَتَّى يُلاقى

 

 مَصْرَعَهْ

 

وَالنَّاسُ مِنْ هَوْلِ

 

 الْمُصَابِ تَجَمَّعُوا 

 

 وَيُوَدِّعُونَ فَقِيدَهَمْ .

 

 قَلْبِي مَعَهْ

 

والدَّمُعُ يَبْكِي

 

 في هَوَاكِ جَدَاوِلا 

 

 واللَّحظُ سَاهٍ 

 

بالرِّمُوشِ الْمُشْرَعَهْ

 

قَلْبي يُحَاصِرُهُ الْهَوَى

 

 كَيْفَ الْهُروبُ 

 

مِنَ السِّهَامِ 

 

وقَدْ أقَضَّتْ مَضْجَعَهْ

 

إنْ أنْتِ أزْمَعْتِ الرَّحِيلَ

 

 عَلَى الْجَفَا 

 

والْقَلْبُ يَنْزِفُ مِنْ 

 

وَرِيدي

 

 أَدْمُعَهْ

 

قَسَمًا بِرَبِّي

 

 والَّذِي خَلَقَ الوَرَى 

 

 سَيَظَلُّ قَلْبِي يَشْتَكِي

 

 مَنْ ضَيَّعَهْ

 

وأظلُّ أَقْتَحِمُ

 

 الْحُصُونَ بأَحْرُفِي 

 

وَيَظَلُّ شِعْرِي 

 

فى الْهَوَى

 

 مَا أَرْوَعَهْ

 

 

ونلاحظ جمالية الختام الذي يفيض بالفخر والاعتزاز بقوة الشعر وقدرته على اقتحام الحصون وصنع الجمال رغم ألم النزيف واللوعة.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــ

 

 

وتنتقل التجربة إلى الموقف القومي في قصيدة (السوس) التي تمثل صرخة غضب حارقة ومواجهة صريحة مع الواقع العربي المؤلم، وتكمن صلابة النص في جسارة الرموز المستعملة كالسوس والجردان "وجَسَّاس" لتشخيص التآكل الداخلي ، يقول:

 

وَطَـنٌ يـَعِيشُ السُّـوسُ فِيـهِ

 

وَيـَمْـرَحُ !!

 

وَتـُقَـاتـِلُ الجُـرْذَانُ

 

فِي جَيْشِ المُلُوكِ وَتـُمْـزَحُ !!

 

وَالشِّعْـرُ يـَقْتُلُ بـَعْضَهُ

 

كَى لاَ يَعِيشَ عَلَى الفُتَاتْ

 

مَـاتَت جَمِيعُ الأُمْنِيَـاتْ

 

مَـاتَت جَمِيعُ الأُغْنِيَـاتْ

 

لاَ شَيْءَ يَبْقَى فِي ثـَبَـاتْ

 

لاَ شَيْءَ يَبْقَى فِي الفُرَاتْ

 

لاَ شَيْءَ يَبْقَى...؛

 

وَالعُـرُوبـَةُ تـُذْبَحُ

 

مَا عَادَ فِي الأَوْطَانِ شَيْءٌ

 

يـَصْلُحُ

 

وَطَـنٌ تـَنَاثـَرَ فِي الهَوَاءْ

 

وَالشَّعْبُ يَحْيَا فِي شَقَاءْ

 

وَالخَطْـوُ يَمْضِي لِلْوَرَاءْ

 

وَالجَهْلُ فِينَـا يَنْضَحُ

 

هَـا قَـد رَجَعْنَا لِلْبَلِيَّةْ

 

لِنَعِيشَ أَيـَّامَاً شَقِيَّةْ

 

[ جَسَّـاسُ ] يَقتلُنَا جَمِيعَاً ...؛

 

[ وَاليَمَامةُ ] تـُذْبَحُ

 

مَا عَادَ شَيْءٌ يَصْلُحُ

 

وَطَنٌ 

 

يَعِيشُ السُّوسُ فِيهِ 

 

وَيَمْرَحُ

 

فالقدسُ  تـُطْوَى مَـن لَهَا ؟!

 

وَالشَّامُ تـُطْوَى مَن لَهَا ؟!

 

مَـن يَنْصَحُ ؟!

 

وَالدَّمُّ فِينَا بَارِدٌ !!

 

وِدَماءُ أُخْتِي

 

فِي العُرُوبَةِ تُسْفَحُ !!

 

وَطَـنٌ يـَعِيشُ السُّـوسُ فِيـهِ

 

وَيـَمْـرَحُ !!

 

وَطَـنٌ يـَعِيشُ السُّـوسُ فِيـهِ

 

وَيـَمْـرَحُ !!

 

وَطَـنٌ يـَعِيشُ السُّـوسُ فِيـهِ

 

وَيـَمْـرَحُ !!

 

ونلاحظ ظهورالجمال التعبيري في التكرار الفاجع والمُلِّح لجملة وطن يعيش السوس فيه ويمرح، مما يولد إيقاعاً تنبيهياً يوقظ الضمير ويجسد لوعة الشاعر على القدس والشام ومقدسات الأمة.

 

 

ــــــــــــــــ

 

 

 

 

أما قصيدة لا تسألي الأيام ببعدها التأملي والحكمي فتقدم وثيقة إيمانية صلبة في مواجهة تقلبات الدهر والابتلاءات، وتتجلى قيمة النص في القدرة على تجاوز القهر الشخصي للوصول إلى رحاب العدل الإلهي. يقول:

 

الْعُمْرُ يَمْضِي وَالزَّمَانُ يَدُورُ

 

وَالْقَلْبُ مِنْ فَرْطِ الْهَوَى مَسْحُورُ

 

وَالنَّاسُ تَنْعَمُ بَيْنَ طَيَّاتِ الدُّنَا

 

وَاللهُ يَعْلَمُ أَنَّنِي مَقْهُورُ

 

لَا تَسْأَلِي الْأَيَّامَ كَيْفَ تَثَاقَلَتْ

 

وَالْيَأْسُ دَاءٌ وَاللَّظَى مَنْثُورُ

 

لَا أَشْتَكِي الدُّنْيَا وَلَسْتُ بِجَاحِدٍ

 

بِاللهِ يُفْتَحُ فِي الظَّلَامِ النُّورُ

 

دُنْيَا تَغُرُّ الْجَاهِلِينَ وَلَا تَفِي

 

إِلَّا بِوَعْدٍ لَيْسَ فِيهِ سُرُورُ

 

يَا مَنْ يُقَلِّبُ كَفَّهُ فِي حَسْرَةٍ

 

عُدْ فَالْحَيَاةُ عَسِيرُهَا مَيْسُورُ

 

يَأْتِي الْبَلَاءُ بِجَيْشِهِ وَعَتَادِهِ

 

وَيَعُودُ يُنْعَى سَيْفُهُ الْمَكْسُورُ

 

فَالْحَقُّ فَوْقَ النَّاسِ يَنْثُرُ عَدْلَهُ

 

فِي كُلِّ كُوخٍ حَامِدٌ وَشَكُورُ

 

وَتَرَى قُصُورًا لَيْسَ فِيهَا رَاضِيًا

 

وَالْعَنْكَبُوتُ بِعَرْشِهَا مَنْشُورُ

 

تَبًّا لِمَنْ عَرَفَ الْحَيَاةَ جَهَالَةً

 

يَخْتَالُ فَوْقَ الْأَرْضِ وَهْيَ تَمُورُ!

 

سَيَظَلُّ يَحْيَا فِي الشَّقَاءِ بِجَهْلِهِ

 

وَيَفِيضُ دَمْعُ الْعَيْنِ وَهْوَ بُحُورُ

 

دُنْيَا تَغُرُّ النَّاظِرِينَ بِحُسْنِهَا

 

وَالسِّرُّ تَحْتَ تُرَابِهِا مَقْبُورُ

 

 

وهكذا قدم الشاعر المفارقة البديعة بين الكوخ المليء بالرضا والقصور التي تتهاوى تحت خيوط العنكبوت، مما يضفي على الأبيات عمقاً حكيماً يلامس القلوب.

 

ـــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

 

ونختتم بقصيدة آخر فصول المأساة التي تشكل تشريحاً نقدياً قاسياً للواقع المعاصر، وتظهر شجاعة القصيدة في الاعتماد على السخرية السوداء والتقطيع الموسيقي القصير للأسطر المتتابعة، مما يعكس حالة التشرذم والعبثية وفقدان الهوية، مستخدماً لغة مكشوفة وحادة تصيب مكامن الخلل في واقع الأمة. يقول:

أفلامُنا هنديَّةْ

أمراضُنا نفسيّةْ

كلماتُنا  عبثيّةْ

أشعارُنا نثريّةْ

أحلامُنا وثنيّةْ

 

قد جفّت الأقلامُ في ...

هذي النفوسِ العنتريّةْ

ضاع الطريقُ فلا ....

مسيحٌ هاهنا 

لا مَجدليّةْ

 

وجميعُنا قد ضاجعَ الشيطان....

كي يجني الخطيّةْ

من أولياء أمورِنا؟؟؟

أطفالنُا ونسائنُا

نمسي ونصبحُ فى بليّةْ

نستعطفُ الأعداءَ

كي يمنحونا خبزَنا

نستصرخُ الجزَّارّ هيّا

 

يا أمةً لا تملكُ الحريّةْ

لا ترتفعْ

للنفحةِ القدسيّةْ

ضاع الطريقُ فلا زعيمٌ 

هاهنا لا لا هويّةْ

أسمائُنا وهميّةْ

أشكالُنا منسيّةْ

أفكارُنا عربيّةْ

أمراضُنا جنسيّةْ

 ماتت صناديدُ العروبةِ.....

لا أميرٌ هاهنا

بل فوضويّةْ

 

 

ــــــــــــــــــــ

 

وختاماً، فالشاعر محمد ثابت هو صوت أصيل يمتلك زمام الكلمة ورصانة البيان، ويتميز بقدرته على التنقل بين عوالم العشق الصوفي، والكبرياء الوجداني، والغيرة القومية، والتأمل الحكيم. وهو يضع الفن في خدمة القيمة،  ليبقى شعره تجربة إنسانية وأدبية متكاملة تنبض بالجمال والصدق والخلود.