نبض الكلمات
تأتى الذكرى «53» لانتصارات السادس من أكتوبر 1973 كعلامة مضيئة فى التاريخ المصرى والعربى، حيث جسدت إرادة شعب لا يعرف الاستسلام، وجيش أعاد للأمة العربية كرامتها وهيبتها. واليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود على هذا النصر العظيم، تعيش مصر ظروفًا سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، لكنها ما زالت تستلهم من روح أكتوبر القدرة على الصمود والعبور نحو المستقبل...إن مصر اليوم وهى تحتفل بذكرى نصر أكتوبر المجيد، تقف على أعتاب مرحلة جديدة مليئة بالتحديات، لكنها أيضًا مليئة بالفرص، وإذا كان العبور الأول فى 1973 قد حرر الأرض وأعاد الكرامة، فإن العبور الثانى المطلوب الآن هو عبور اقتصادى واجتماعى نحو الاستقرار والتنمية، وما دامت روح أكتوبر حاضرة فى وجدان المصريين، فإن المستقبل مهما بدا صعبًا سيكون حافلًا بالإنجازات والانتصارات.
ففى مثل هذه الأيام من عام 1973، عبر المصريون أصعب المحن، وانتصروا على جيش كان يُقال عنه إنه «لا يُقهر». انتصار أكتوبر لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل كان إعلان ميلاد جديد للأمة المصرية، درسًا فى الإرادة والتحدى لكن اليوم، وبعد أكثر من خمسين عامًا على ذلك النصر، نجد مصر محاصرة من كل اتجاه اقتصاد ينهار، مجتمعًا يئن، وحكومة تتحدث عن الإنجازات بينما الواقع يحكى قصة أخرى. فهل نحتاج إلى أكتوبر جديد؟...مصر اليوم غارقة فى خطابات مطولة عن الأمن القومى والتنمية، لكن الواقع أن الدولة تعيش عزلة سياسية إقليمية ودولية جزئية، وتعتمد على التحالفات الظرفية أكثر مما تعتمد على قوتها الذاتية. ملفات حيوية كالأمن المائى فى خطر مع استمرار أزمة سد النهضة دون حسم، فيما الحدود الغربية والجنوبية مشتعلة، أين الحزم الذى واجهنا به إسرائيل فى 73؟ وأين القرار المستقل الذى جعلنا نسترد الأرض والكرامة؟..
فى أكتوبر 73، العبور كان إلى النصر. أما اليوم، فالعبور يبدو إلى المزيد من الديون والانهيار المعيشى، الأسعار تشتعل، الجنيه يترنح أمام العملات الأجنبية، والمواطن البسيط هو الضحية الأولى، تُبنى مدن جديدة شاهقة، لكن ملايين من المصريين لا يجدون ما يسد رمق يومهم. إذا كان جيش أكتوبر قد اقتحم خط بارليف فى ساعات، فهل يصعب على الدولة اليوم اقتحام خط الفقر والجوع؟..المجتمع المصرى صامد، نعم، لكنه صمود أشبه بالصمت المكبوت..البطالة، الغلاء، تراجع الخدمات الأساسية من تعليم وصحة، كلها ألغام تهدد النسيج الاجتماعى. ورغم مبادرات كـ«حياة كريمة»، إلا أن الفجوة بين الغنى والفقير تتسع. الشعب الذى صنع معجزة أكتوبر يستحق عدالة اجتماعية حقيقية، لا شعارات إعلامية تُلقى على الشاشات...فروح أكتوبر..الغائبة الحاضرة.
فى 1973، الشعب والجيش والقيادة كانوا على قلب رجل واحد... وما زالوا وهذا ما يتميز به الشعب المصرى الوطنى.. لكن كيف التلاحم، ويحل محله خطاب رسمى يطلب الصبر من الناس بينما يزداد الأثرياء ثراءً والفقراء فقراً. إسرائيل فى 73 كانت العدو الواضح، أما اليوم فعدونا الحقيقى هو الفساد والظلم والاحتكار وسوء الإدارة، وإذا لم نواجه هذه المعركة بالروح نفسها التى واجهنا بها إسرائيل، فإن الهزيمة ستكون من الداخل قبل أن تكون من الخارج.
تتعرض مصر لأصعب ضغوط مثل ملف غزة والتهجير، أخطر ما يُطرح اليوم هو محاولة فرض تهجير الشعب الفلسطينى من غزة إلى سيناء، بما يعنى نقل الأزمة إلى داخل مصر وتفجير أمنها القومى كذلك سد النهضة فهو تهديد مباشر لحياة المصريين المائية، ومصدر ابتزاز سياسى واقتصادى مستمر، دوائر النار على الحدود، من ليبيا إلى السودان، ومن البحر الأحمر إلى شرق المتوسط، تُحاصر مصر بأزمات إقليمية متفجرة تستنزف جهدها ومواردها.
انتصارات أكتوبر أثبتت أن المستحيل يمكن كسره، وأن مصر قادرة على العبور مهما كان الثمن. لكن السؤال: هل لدينا اليوم شجاعة اتخاذ قرار حرب اقتصادية ضد الفساد والفقر مثلما خضنا حربًا عسكرية ضد إسرائيل؟ أم أننا سنكتفى بالاحتفال بذكرى النصر بينما تنهشنا أزمات الداخل والخارج؟..إن مصر لا ينقصها الأمل ولا الرجال، لكنها تحتاج إلى عودة روح أكتوبر، لا كذكرى عابرة، بل كمنهج حياة، كى تعود الدولة قوية كما كانت يوم عبر جنودها قناة السويس وحطموا أسطورة الجيش الذى لا يُقهر... إن مصر اليوم فى قلب معركة وجودية لا تقل خطورة عن معركة 1973، لكنها معركة بأدوات مختلفة، سياسية واقتصادية وإعلامية. وكما تحطم خط بارليف تحت أقدام الجنود المصريين، فإن مخططات التهجير والابتزاز والحصار يمكن أن تتحطم بروح الصمود والإرادة، الرسالة التى يكتبها التاريخ واضحة، من انتصر بالأمس على إسرائيل، لن يهزمه اليوم حصار ولا ضغوط. روح أكتوبر باقية... وهى سلاح مصر الحقيقى فى وجه كل المؤامرات.
رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام اتحاد المرأة الوفدية
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض