جامع سيدي زغلول الأثري برشيد.. شاهد على 5 قرون من التاريخ ورمز للمقاومة الوطنية
يُعد جامع سيدي زغلول الأثري بمدينة رشيد بمحافظة البحيرة واحدًا من أهم وأعرق المساجد الأثرية في مصر، وأحد أبرز المعالم الحضارية والتاريخية بمدينة رشيد، لما يمثله من قيمة دينية ومعمارية وتاريخية، حيث يمتد تاريخه لأكثر من خمسة قرون، بينما تشير بعض الروايات التاريخية إلى أن جذور إنشائه تعود إلى نحو سبعة قرون.
وقد مر الجامع عبر تاريخه بعدة مراحل إنشائية، بدأت في العصر المملوكي المبكر، نحو عام 775هـ/1373م، عندما أُنشئ القسم الشمالي المعروف باسم «الديواني»، ويُعتقد أن شخصية مملوكية تُدعى «فيروز الصلاحي» كانت وراء إنشائه، حيث ضم هذا الجزء صحنًا وأروقة ملحقة به.
وشهد الجامع مرحلة إنشائية ثانية نحو عام 956هـ/1549م، على يد علي زغلول، الذي أُطلق اسمه على الجامع، وشملت هذه المرحلة إضافة الجزء الجنوبي من المسجد. ثم جاءت المرحلة الثالثة خلال القرن السابع عشر، على يد محيي الدين عبد القادر، حيث أُضيف القسم الشرقي، وشُيدت المئذنة الشرقية ودكة المبلغ.
ويقع جامع سيدي زغلول في الجزء الجنوبي من مدينة رشيد، وتبلغ أبعاده نحو 90 مترًا طولًا و48 مترًا عرضًا، بإجمالي مساحة تقدر بنحو 5300 متر مربع، ما يجعله من أكبر وأهم المساجد التاريخية في المدينة.
ويتميز الجامع بطراز معماري فريد، حيث يضم نحو 244 عمودًا من الرخام والجرانيت، في تكوين معماري يذكّر بالطراز المعماري لجامع الأزهر، كما يتميز بسقف تغطيه مجموعة من القباب الصغيرة ذات الطابع العثماني، ترتكز على عقود مدببة تحملها الأعمدة المنتشرة داخل أروقة المسجد.
ويضم الجامع عددًا من العناصر المعمارية والفنية المميزة، من بينها المحاريب ذات الزخارف والنقوش الجصية، والمنبر الخشبي المزخرف، فضلًا عن عدد من المحاريب التي تعكس المراحل التاريخية المختلفة التي مر بها الجامع. كما يضم مئذنتين، إحداهما شرقية شُيدت ضمن المرحلة الثالثة من إنشاء المسجد، والأخرى غربية لم يكتمل بناؤها، وأصبحت في صورتها الحالية شاهدًا على أحداث تاريخية مهمة مرت بها مدينة رشيد.
ويرتبط جامع سيدي زغلول بواحدة من أبرز صفحات المقاومة الشعبية في تاريخ مصر الحديث، خلال حملة فريزر الإنجليزية على رشيد عام 1807م. فقد كان المسجد أحد أبرز مراكز المقاومة، حيث ارتبطت مئذنته بأحداث المواجهة مع القوات البريطانية، وتذكر الروايات التاريخية أن تكبيرات «الله أكبر» انطلقت من المسجد بقيادة الشيخ حسن كريت، نقيب الأشراف وإمام المالكية آنذاك، إيذانًا ببدء المواجهة الشعبية مع القوات الإنجليزية.
وانتهت معركة رشيد بهزيمة القوات البريطانية، التي تكبدت خسائر كبيرة في الأرواح، وأُسر عدد من جنودها، ثم تواصلت المقاومة في قرية الحماد في أبريل من عام 1807م، لتسهم هذه الأحداث في إفشال الحملة البريطانية على رشيد. وقد تعرضت المئذنة الغربية للقصف خلال تلك الأحداث، وبقيت غير مكتملة حتى اليوم، لتظل شاهدًا معماريًا على تلك الحقبة التاريخية.
وشهد الجامع خلال العقود الأخيرة أعمال ترميم وإعادة تأهيل استهدفت الحفاظ على قيمته الأثرية وإعادته إلى أداء دوره الديني، حيث بدأت أعمال الترميم عام 2005م، ونفذتها شركة المقاولون العرب، واستمرت أعمال الترميم والتطوير لسنوات، شملت الجزء الغربي من المسجد، ورفع مناسيب الأرضيات، وتدعيم الأعمدة، وإصلاح القباب والعناصر المعمارية المختلفة.
واكتملت أعمال ترميم الجزء الغربي من الجامع في نحو عام 2017، بتكلفة قاربت 25 مليون جنيه، قبل أن يُفتح المسجد جزئيًا أمام المصلين خلال شهر رمضان عام 2018، في احتفالية شهدت حضور وزيري الآثار والأوقاف ومحافظ البحيرة وعدد من القيادات التنفيذية والدينية.
ويمثل جامع سيدي زغلول نموذجًا فريدًا لتداخل المراحل التاريخية والحضارية في العمارة الإسلامية المصرية، إذ يجمع بين آثار العصر المملوكي والتوسعات التي شهدها خلال القرن السادس عشر، والإضافات ذات الطابع العثماني في مراحل لاحقة، ليشكل بذلك سجلًا معماريًا حيًا لتطور العمارة الإسلامية عبر قرون متعاقبة.
ولا تقتصر أهمية الجامع على قيمته المعمارية والأثرية، بل تمتد إلى مكانته في الذاكرة الوطنية المصرية، باعتباره أحد الشواهد الباقية على مقاومة أهالي رشيد للحملة الإنجليزية عام 1807م، وهو ما جعله رمزًا من رموز الصمود والمقاومة الشعبية.
ومع عودته إلى أداء دوره الديني، أصبح جامع سيدي زغلول منبرًا للعبادة والعلم والثقافة، تُقام فيه الصلوات والندوات والمحاضرات والفعاليات الدينية، ليواصل أداء رسالته التي امتدت عبر قرون، جامعًا بين أصالة التاريخ وحضور الرسالة الدينية والثقافية في مدينة رشيد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







