ﻣﻦ ﻳﺤﻜﻢ ﻗﻠﻌﺔ اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻓﻰ ﻣﺼﺮ؟
اداره 15 مؤسسة وآلاف الموظفين يدارون بالإنابة
هيئة الكتاب بلا رئيس والمعرض على الأبواب
نجم: الخطة قبل الوزير
فتحى: الموظف يدير والوزير يمنح البصمة
سراج: نحتاج إلى الثقافة لا إلى وزير الثقافة
ليس فى الحياة ما هو أثقل على النفس من الانتظار حين يطول، فالانتظار فى جوهره فعل معلق بين لحظتين، لحظة مضت ولم تغلق صفحتها، وأخرى لم تأتِ بعد ولا يعرف لها موعد، هكذا يقف الإنسان بينهما كمن علق قلبه على مسمار الوقت، لا هو قادر على المضى ولا هو قادر على الرجوع، وكل حدث يترك معلقًا بلا حسم يتحول مع الأيام إلى حالة قلقة تتسع آثارها كلما امتدت، فتتراكم الأسئلة على الأبواب، وتتشابه الأيام فى صمت من ينتظرون جوابًا لا يجيء.
فإذا انسحب هذا التعلق من الأفراد إلى المؤسسات، ومن المشاعر إلى الكراسى، وصار الانتظار انتظارًا لمنصب خالٍ، فإن الأمر يتجاوز القلق الإنسانى إلى ضريبة مرتفعة تدفعها المؤسسات التى ينتظر أهلها رأسًا يقرر ويحاسب ويتحمل المسئولية، وهذا ما تعيشه وزارة الثقافة منذ السابع من يوليو الماضى، حين قبل رئيس الوزراء استقالة الدكتورة جيهان زكى، بعد تفاقم أزمة كتاب الكاتبة الصحفية سهير عبدالحميد، حينها تم تكليف وزير التعليم العالى الدكتور عبدالعزيز قنصوة بمهام القائم بأعمال الوزير لحين تعيين وزير جديد، ليطوى الشهر الثالث وما زال المنصب خاليًا دون حتى بوادر فى الأفق تعلن اسمًا محتملًا، ليثور سؤال ساخر فى أفق عقولنا: ترى هل خلت مصر من اسم واحد يمكنه تقلد ذلك المنصب؟
وللعارفين، فإن وزارة الثقافة ليست من الوزارات السهلة التى يمكن أن تدار بالإنابة وعلى الهامش، فهى من أكثر الوزارات تشعبًا وتعقيدًا، إذ تضم نحو خمس عشرة هيئة وجهة وقطاعًا رئيسيا، من المجلس الأعلى للثقافة والهيئة المصرية العامة للكتاب والهيئة العامة لقصور الثقافة ودار الكتب والوثائق القومية ودار الأوبرا، إلى المركز القومى للترجمة والمركز القومى للسينما وأكاديمية الفنون وصندوق التنمية الثقافية وجهاز الرقابة على المصنفات الفنية وقطاعى الفنون التشكيلية والإنتاج الثقافى، الذى تتفرع منه بيوت فنية ومسارح وفرق وسيرك ومراكز للفنون، فيتداخل فيها الإدارى بالإبداعى والمالى بالفنى والتراثى بالمعاصر، وتتناثر قصورها ومكتباتها عبر ستة أقاليم ثقافية وفى مراكز المحافظات وقراها، يعمل فيها جيش من الموظفين، حيث يصل عدد العاملين بالهيئة العامة لقصور الثقافة وحدها نحو 14 ألفًا و430 عاملًا، وذلك بحسب دراسة للجهاز المركزى للتنظيم والإدارة لعامى 2014 و2015، وقدّرهم أحد رؤساء الهيئة السابقين بنحو 18 ألف موظف، وبالتأكيد فقد زاد هذا العدد كثيرًا عن تلك الإحصائية الأخيرة..
ترى، هل يستقيم مع هذا الجسد الضخم، المثقل بالإرث والملفات والميزانيات والأزمات المتجددة، حين يبقى بلا رأس يملك القرار ويتحمل المسئولية؟ وجميعنا تنامى إلى علمه أزمة مهرجان الموسيقى العربية فى دورته الرابعة والثلاثين، بدءًا بجدل حول الميزانية والأجور، مرورًا باعتذار عدد من الفنانين، وانتهاءً باعتذار رئيس دار الأوبرا عن الاستمرار فى منصبه، لتكشف تلك الأزمة كيف يتحول غياب «كبير البيت» إلى ارتباك بين أفراد أسرته، حتى أرجع الكثيرون ومنهم الناقد الفنى طارق الشناوى، تلك الأزمات إلى خلو المنصب وابتعاد القائم بالأعمال عن تفاصيل الحياة الثقافية والفنية، وهو ما يعبر عن شعور واسع فى الوسط الثقافى، فيما تتفهم أصوات أخرى حرص الدولة على دقة الاختيار لمنصب بهذه الحساسية، وإن كانت ترى أن وزارة بهذا الحجم لا يملك أمرها إلا وزير أصيل متفرغ لها، يعرف تفاصيلها ويحمل همها كاملًا، لا سيما والموسم الثقافى الأكبر على الأبواب، وهو معرض القاهرة الدولى للكتاب.
وليست الهيئة المصرية العامة للكتاب، أعرق مؤسسات النشر فى مصر وراعية أكبر معرض للكتاب فى الشرق الأوسط وإفريقيا، ببعيدة عن أزمة الغياب، فقد غاب رئيسها منذ استقالة الدكتور أحمد بهى الدين العساسى فى أغسطس 2025، فأُديرت أشهرًا بتكليف د. خالد أبوالليل، الذى انتهى ندبه فى يونيو الماضى، فانتقل تسيير العمل إلى مديرين من داخل الهيئة، ليتعثر اختيار رئيس جديد بين ترقب الميزانية واعتذار المرشح، ولم يصدر حتى اليوم قرار بتعيين رئيس للهيئة ولا وزير للثقافة نفسها، ليجتمع الغياب فى رب البيت وبعض أفراد أسرته معًا.
على أن جدلًا واسعًا يدور فى أروقة الوسط الثقافى، تتناقله صفحات التواصل وتعلنه الألسنة فى المنتديات واللقاءات الثقافية، حول أهمية تعيين وزير للثقافة، اختلفوا كثيرًا حوله، فمن المثقفين من رأى فى ذلك ضرورة ومن رآه منصبًا للوجاهة، وأن الأمور بيد مديرى المؤسسات الثقافية وموظفيها...
انتقلنا بأسئلتنا وحيرتنا حول ضرورة المنصب لعدد من المثقفين الفاعلين، فماذا قالوا؟
• من ثروت عكاشة إلى اليوم.. ثقافة تبحث عن اتجاه
فى مقدمة من تناولوا الأزمة تحدث إلينا الدكتور السيد نجم، الكاتب والمؤرخ ونائب رئيس نادى القصة، مؤكدًا أن اختيار وزير الثقافة ضمن أهم تطلعات المثقف نحو الأمل فى مزيد من الإنجاز والتحقق لمفهوم الثقافة ودورها فى حياة الناس، وأضاف أن انتظار تعيين وزير جديد «طال أمده» حتى صار مثيرًا للسؤال: لماذا لم يعين وزير جديد بعد أن استقالت الوزيرة السابقة؟، وأما عما يراه الأهم فقال: «أتساءل عن الخطة القومية والمأمولة والمستقبلية لوزارة الثقافة؟ وهو السؤال الأهم الآن»، مستحضرًا ما كانت عليه أنشطة الوزارة «خلال فترة ما بعد نكسة 67 وحتى ما بعد 73 من دور فاعل وملموس»، ومرجعًا ذلك إلى «وجود بوصلة توجهت نحوها كل المرافئ الثقافية»، ولم يغفل ما حققته الوزارة فى فترة الدكتور ثروت عكاشة «من منجزات»، ليختتم تصريحه بدعوة صريحة قال فيها: «أنتهز الفرصة وأدعو إلى البحث عن بوصلة ثقافية تُشيَّد بمجمل الآراء نحو ثقافة فاعلة ومنتجة لجموع أفراد الشعب، وتحت مظلة سياسية تعى احتياجات الناس».
• القائم بالأعمال لا يصنع قرارات استثنائية
ومن زاوية الاستقرار الإدارى تناول الدكتور حاتم رضوان، الكاتب وعضو مجلس إدارة اتحاد الكتاب، الأمر متسائلًا: هل أصبحت وزارة الثقافة مشكلة مزمنة تمثل أزمة؟، ورأى أنها «أكثر وزارة طالتها يد التغيير»، إذ تولى الوزارة منذ عام 2011 وحتى الآن 12 وزيرًا عبر 15 تداولًا وزاريًا، وأضاف أن وجود وزير قوى ومخلص يملك صلاحيات واسعة أمر ضرورى يمس صلب العمل الإدارى والتنفيذى للثقافة، خاصة فى دولة بحجم مصر ومؤسساتها الثقافية العريقة، وذلك فى توقيت يسوده موسم مليء بالفعاليات الكبرى كمعرض القاهرة الدولى للكتاب، وهو واجهة الدبلوماسية الناعمة للدولة.
وأما عما يخص القائم بالأعمال فرأى رضوان أن وزير التعليم العالى غير متفرغ يتحرك غالبًا فى حدود الأطر الروتينية الحالية، بينما تحتاج الفعاليات الكبرى مثل معرض الكتاب أحيانًا لقرارات استثنائية، مؤكدًا أن وجود الوزير ضرورة لحسم الكثير من القضايا والمشاكل، وفك حالة الارتباك القائمة حاليًا، وتوحيد الرؤية والتنسيق بين رؤساء قطاعات الوزارة المختلفة، مختتمًا بقوله إن ما يدور فى الهيئة المصرية للكتاب والأوبرا خير دليل.
• الموظف يدير الأمور لكن من يصنع البصمة؟
أما الشاعر والكاتب الصحفى جمال فتحى، رئيس القسم الثقافى بجريدة الجمهورية، فتناول المسألة من باب آخر، حيث أقر بأنه كتب قبل أيام عن «قدرة موظفى وزارة الثقافة على إدارة وتنفيذ وإخراج الدورة القادمة من معرض القاهرة الدولى للكتاب فى أفضل صورة»، مفسرًا ذلك بالخبرات المتراكمة لدى هؤلاء فى إنجاز مثل هذه الفعاليات على مدار عقود وبمعرفتهم الواسعة بالمشهد وتوازناته، وأضاف أن أغلب القطاعات الآن يديرها «الموظف» حتى فى وجود الوزير للأسف، وأما عما يضيع بغياب الوزير فقال إن الحديث ليس عن إدارة الأمور وإخراجها، بل عن البصمة الشخصية للوزير الذى يمتلك رؤية لا يمتلكها الموظف، محذرًا من أنه فى غياب هذه البصمة تتشابه الفعاليات وتصاب بالتنميط والتكرار، ومشددًا على أن شخصية وزير ثقافة مصر «تمثل واجهة ضرورية»، ثم تساءل بمرارة: هل جف المشهد وتيبس فلم تعد أرض الثقافة والفنون قادرة على إنبات مثقف كبير يليق بنا؟، وختم بأن الأمر صار محيرًا، لا سيما مع خلو قطاعات مهمة فى الوزارة من كوادر تديرها بكفاءة، وهيئة الكتاب أكبر مثال، فلا وزير ولا رئيس هيئة، والله أعلم كيف ستمضى الأمور فى المستقبل وإلى أين ستصل!
• نحن نحتاج إلى الثقافة لا إلى وزير الثقافة
وعلى الطرف المقابل يقف الشاعر والإعلامى أحمد سراج بموقف مغاير، إذ يقول إن معرض الكتاب يحتاج هذا العام إلى عدة أشياء ليس من بينها وجود وزير ثقافة؛ بل إن الثقافة لا تحتاج إلى وزير فى الأصل، مستدلًا بأن مشكلاتها تقل فى حالة عدم وجود الوزير، وأضاف سراج محذرًا إن جاء معرض الكتاب بهيئته التنفيذية كالعام السابق فنحن نكرر الخطأ وتكرار الخطأ جريمة، مشيرًا إلى ما كتبه السماح عبدالله وسمير درويش عن تحويل بعض مشرفى الأنشطة المعرض إلى ساحة للمجاملات والتربيطات، وأما عما يريده للمعرض فرأى أنه أكبر سوقٍ للكتاب وأضخم قناة للمعرفة والثقافة، وأن المطلوب استرداد هذين؛ صناعة إبداعية وقوة ناعمة، متسائلًا فى ظل ما وصفه بـ«حالة احتراب عربى غير مسبوقة»: هل سيظل لدينا ممنوعون من المشاركة لأنهم على غير هوى البعض؟ هل ستعود للمعرض مناقشة القضايا الثقافية أو الاجتماعية أو السياسية؟ وختم بقوله إن ما يحتاج إليه المعرض هو الثقافة بوصفها أداة تحسين للوطن، وللمثقف بوصفه الطبيب البارع فى التشخيص الماهر فى اقتراح الدواء، نحن نحتاج إلى الثقافة لا إلى وزير الثقافة.
هكذا يقف المشهد بين فريقين لا يكادان يلتقيان، فريق يرى فى الوزير بصمة ورؤية وواجهة وصاحب قرار استثنائى لا يملكه من يدير بالإنابة، وفريق يرى أن الثقافة أوسع من كرسى وأقدر من أن تعلق حياتها على اسم، وربما لا يكون ما نراه سياسة مرسومة بقدر ما هو عادة تسللت إلى الإدارة حتى بدت طبيعية، لكن العادة حين تتكرر فى أكثر من موقع وعلى امتداد أكثر من وزير تستحق أن تثتر حولها الأسئلة، وعلى أبواب معرض الكتاب وموسم حافل بالفعاليات، يبقى السؤال معلقًا على باب الوزارة ينتظر قرارًا من يحمل هم الثقافة كاملًا؟ وسواء جاء الجواب باسم وزير جديد أو بخطة قومية أو ببوصلة تجمع الآراء، فإن الثقافة، وهى القوة الناعمة التى لا تحتمل الفراغ، لا تحتمل مزيدًا من الانتظار.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض