أمجد أيام تاريخنا.. نص خطاب النصر للسادات بعد حرب أكتوبر
سيبقى صوت الرئيس الراحل محمد أنور السادات رمزاً للنصر والسلام، وستظل نبرة صوته القوية والرصينة عاكسة لقوة مصر وشجاعة جنودها وقدرة رجال قواتها المسلحة على الحفاظ على الوطن، فصوته المراوغ الذي يرتفع حيناً وينخفض حيناً سيبقى شاهدٌ على لحظات مصر الفارقة.
كما سيبقى خطابه - خطاب النصر - الذي ألقاه أمام مجلس الشعب في 16 أكتوبر من عام 1973 خالداً تتوارثه الأجيال، يسمعونه ويتدبرون كلماته، ويغوصون في معانيه وينبهرون بكل كلمة فيه؛ كلمات الخطاب التي جاءت في الصميم ومتوازنة وطريقة الإلقاء الجذابة للغاية للرئيس الراحل السادات.
وكشف السادات في خطابه تحت قبة البرلمان المصري عن الانتصارات التي حققتها القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر، وقال وقتها: "لست أتجاوز إذا قلت إن التاريخ العسكري سوف يتوقف طويلاً بالفحص والدرس أمام عملية يوم 6 أكتوبر 73، حين تمكنت القوات المسلحة المصرية من اقتحام مانع قناة السويس الصعب واجتياز خط بارليف المنيع وعبور الضفة الشرقية من القناة، بعد أن أفقدت العدو توازنه".
نص خطاب النصر للسادات
"بسم الله، أيها الإخوة والأخوات، كان بودي أن أجيء إليكم قبل الآن، ألتقي بكم وبجماهير شعبنا وأمتنا، لكن مشاغلي كانت كما تعلمون وكما تدرون، وأثق أنكم تقدرون. ومهما يكن فلقد أحسست بكم وبشعبنا وأمتنا معاً فيما أخذته على مسؤوليتي تعبيراً عن إرادة أمة، وتعبيراً عن مصير شعب، مناسباً أن أجيء إليكم اليوم أتحدث معكم ومع جماهير شعبنا ومع شعوب أمتنا العربية وأمام عالم يهمه ما يجري على أرضنا لأنه وثيق الصلة بأخطر القضايا الإنسانية، وهي قضية الحرب والسلام. ذلك لأننا لا نعتبر نضالنا الوطني والقومي ظاهرة محلية أو إقليمية، لأن المنطقة التي نعيش فيها بدورها الاستراتيجي والحضاري في القلب من العالم وفي الصميم من حركته، ولأن الحوادث كبيرة، ولأن التطورات متلاحقة، ولأن القرارات مصيرية؛ فإنني أريد أن أدخل مباشرة فيها، أريد أن أتحدث معكم وسوف أركز على نقطتين: الحرب والسلام.
أولاً: الحرب؛ لست أظنكم تتوقعون مني أن أقف أمامكم لكي نتفاخر معاً ونتباهى بما حققناه في أحد عشر يوماً من أهم وأخطر، بل وأعظم وأمجد أيام تاريخنا. وربما جاء يوم نجلس فيه معاً لا لكي نتفاخر ونتباهى، ولكن لكي نتذكر وندرس ونعلم أولادنا وأحفادنا جيلاً بعد جيل، قصة الكفاح ومشاقه، ومرارة الهزيمة وآلامها، وحلاوة النصر وآماله. نعم، سوف يجيء يوم نجلس فيه لنقص ونروي ماذا فعل كل منا في موقعه، وكيف حمل كل منا الأمانة، وكيف خرج الأبطال من هذا الشعب وهذه الأمة في فترة حالكة ليحملوا مشاعل النور وليضيئوا الطريق حتى نستطيع أن نعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء. ذلك كله سوف يجيء وقته، وأظنكم توافقونني على أن لدينا من المشاغل والمهام ما يستحق أن نكرس له وقتنا وجهدنا. وإذا جاز لي أن أتوقف قليلاً وأنا أعلم أنني أتوق شوقاً إلى سماع الكثير، فإنني أقول ما يلي:
أولاً: فيما يتعلق بنفسي فقد حاولت أن أفي بما عاهدت الله وما عاهدتكم عليه. حاولت أن أفي بما عاهدت الله وما عاهدتكم عليه قبل ثلاث سنوات بالضبط من هذا اليوم؛ عاهدت الله وعاهدتكم أن قضية تحرير التراب الوطني والقومي هي التكليف الأول الذي حملته ولاءً لشعبنا ولالأمة. عاهدت الله وعاهدتكم على أن لن أدخر جهداً ولن أتردد دون تضحية مهما كلفني في سبيل أن تصل الأمة إلى وضع تكون فيه قادرة على دفع إرادتها إلى مستوى أمانيها؛ ذلك أن اعتقادنا دائماً كان ولا يزال أن التمني بلا إرادة نوع من أحلام اليقظة يرفض حبي وولائي لهذا الوطن أن تقع في سرابه أو في ضبابه.
عاهدت الله وعاهدتكم على أن نثبت للعالم أن نكسة 1967 كانت استثناءً في تاريخنا وليست قاعدة، وقد كنت في هذا أصدر عن إيمان بأن التاريخ يستوعب (7000) سنة من الحضارة، ويستشرف آفاقاً أعلم علم اليقين بأن نضال شعبنا وأمتنا لا يعلو عنها والوصول إليها وتأكيد قيمها وأحلامها العظمى. عاهدت الله وعاهدتكم على أن جيلنا لن يسلم أعلامه إلى جيل سوف يجيء بعده منكسة أو ذليلة، وإنما سوف نسلم أعلامنا مرتفعة هاماتها، عزيزة صواريها، قد تكون مخضبة بالدماء، ولكننا ظللنا نحتفظ برؤوسنا عالية في السماء وقت أن كانت جباهنا تنزف الدم والألم والمرارة. عاهدت الله وعاهدتكم على ألا أتأخر عن لحظة أجدها ملائمة ولا أتقدم عنها، لا أغامر ولا أتلكأ. وكانت الحسابات مضنية والمسؤولية فادحة، ولكنني أدركت كما قلت لكم وللأمة مراراً وتكراراً أن ذلك قدري، وأني حملته على كتفي. عاهدت الله وعاهدتكم وحاولت مخلصاً أن أفي بالوعد ملتمساً عون الله، وطالباً ثقتكم وثقة الأمة، وإني لأحمد الله.
ثانياً: لقد كان كل شيء منوطاً بإرادة هذه الأمة؛ حجم هذه الإرادة وعمق هذه الإرادة. وما كنا نستطيع شيئاً، وما كان أحد يستطيع شيئاً لو لم يكن هذا الشعب، ولو لم تكن هذه الأمة. لقد كان الليل طويلاً وثقيلاً، ولكن الأمة لم تفقد إيمانها أبداً بطلوع الفجر. وإني لأقول بغير ادعاء: إن التاريخ سوف يسجل لهذه الأمة أن نكستها لم تكن سقوطاً، وإنما كانت كبوة عارضة، وأن حركة كفاحها لم تكن فوراناً، وإنما كانت ارتفاعاً شاهقاً. لقد أعطى شعبنا جهداً غير محدود، وقدم شعبنا تضحيات غير محدودة، وأظهر شعبنا وعياً غير محدود، وأهم من ذلك كله، أهم من الجهد والتضحيات والوعي، فإن الشعب احتفظ بإيمان غير محدود، وكان ذلك هو الخط الفاصل بين النكسة والهزيمة.
ولقد كنت أحس بذلك من أول يوم تحملت فيه مسؤوليتي وقبلت راضياً بما شاء الله أن يضعه على كاهلي. كنت اعرف أن إيمان الشعب هو القاعدة، وإذا كانت القاعدة سليمة فإن كل ما ضاع يمكن تعويضه، وكل ما تراجعنا عنه نستطيع الانطلاق إليه مرة أخرى. وبرغم ظواهر عديدة، بعضها طبيعي وبعضها مصطنع من تأثير حرب نفسية وجهت إلينا، فقد كان سؤالي لنفسي ولغيري في كل يوم يمر: هل القاعدة سليمة؟ وكنت واثقاً أنه ليس في قدرة أية حرب نفسية، مهما كانت ضراوتها، أن تمس صلابة هذه القاعدة، وما دامت القاعدة بخير فإن كل شيء بخير، وغير ذلك لن يكون إلا زوبعة في فنجان كما يقولون.
لست أنكر أننا ووجهمنا بمصاعب جمة، مصاعب حقيقية؛ مصاعب في الخدمات، مصاعب في التموين، مصاعب في الإنتاج، مصاعب في العمل السياسي أيضاً. وكنت اعرف الحقيقة، ولكنني لم أكن في موقف يسمح لي بشرحها؛ كنت اعرف أننا نحاول جعل الحياة مقبولة للناس، وفي نفس الوقت فإن علينا أن نحتاط لما هو منتظر، وكنت واثقاً أنه سوف يجيء يوم تظهر فيه الحقيقة لغيري كما كانت ظاهرة لي، وحين تظهر الحقيقة فإن الناس سوف يعرفون وسوف يقدرون، وأحمد الله.
ثالثاً: لقد كانت هناك إشارة واضحَة إلى وجود تمزق في ضمير الأمة العربية كلها، وكنت أرى ذلك طبيعياً لأسباب اجتماعية وفكرية زادت عليها مرارة النكسة. كان هناك من يسألونني ويسألون أنفسهم: هل تستطيع الأمة أن تواجه امتحانها الرهيب وهي على هذه الحالة من التمزق في ضميرها؟ كنت أقول: إن هذا التمزق - فضلاً عن أسبابه الطبيعية - يعكس تناقضاً بين الواقع والأمل، وليس في ذلك ما يخيف، بل كنت أعتقد أنه ليس هناك شفاء لضمير الأمة ولا راحة له إلا عندما تواجه الأمة لحظة التحدي، ولم أكن في نفس الأوقات على استعداد للدخول في مناقشات عقيمة: هل نعالج التمزق قبل مواجهة التحدي؟
وكان رأيي أن الأمم لا تستطيع أن تكشف نفسها أو جوهرها إلا من خلال ممارسة الصراع، وبمقدار ما يكون التحدي كبيراً بمقدار ما تكون يقظة الأمة واكتشافها لقدراتها كبيراً. لست أنكر وجود خلافات اجتماعية وفكرية، فذلك مسار حركة التاريخ، ولكنني في نفس الوقت كنت اعرف أن الأمم العظيمة عندما تواجه تحدياتها الكبرى فإنها قادرة على أن تحدد لنفسها أولوياتها بوضوح لا يقبل الشك. كنت مؤمناً بسلامة وصلابة دعوة القومية العربية، وكنت مدركاً للتفاعلات المختلفة التي تحرك مسيرة أمة واحدة.
ولكنني كنت واثقاً أن وحدة العمل سوف تفرض نفسها على كل القوى وعلى كل الأطراف وعلى كل التيارَات؛ لأننا جميعاً سوف نعي أن هذا الظرف ليس مساواة بين الاجتهادات، وإنما هو الصراع بين الفناء والبقاء لأمة بأسرها، وأحمد الله.
رابعاً: ولقد كنت اعرف قواتنا المسلحة، ولم يكن حديثي عنها رجماً بالغيب ولا تكهناً؛ لقد خرجت من صفوف هذه القوات المسلحة، وعشت بنفسي تقاليدها، وتشرفت بالخدمة في صفوفها، وكنت في ألو يتها.
إن سجل هذه القوات كان باهراً، لكن أعداءنا: الاستعمار القديم والجديد والصهيونية العالمية، ركزت ضد هذا السجل تركيزاً مخيفاً؛ لأنها أرادت أن تشكك الأمة في درعها وفي سيفها، ولم يكن يخامرنا الشك في أن هذه القوات المسلحة كانت من ضحايا نكسة سنة 1967، ولم تكن أبداً من أسبابها. كان في استطاعة هذه القوات سنة 1967 أن تحارب بنفس البسالة والصلابة التي تحارب بها اليوم لو أن قيادتها العسكرية في ذلك الوقت لم تفقد أعصابها بعد ضربة الطيران التي حذر منها عبد الناصر، أو لو أن تلك القيادة لم تصدر قراراً بالانسحاب العام من سيناء بدون علم عبد الناصر.
إن قواتنا لم تعط الفرصة لتقاتل عام 1967، إن هذه القوات لم تعط الفرصة لتحارب دفاعاً عن الوطن وعن شرفه وعن ترابه؛ لم يهزمها عدوها، ولكن أرهقتها الظروف التي لم تعطها الفرصة لتقاتل. إن القوات المسلحة المصرية قامت بمعجزة على أعلى مقياس عسكري، ولقد شاركت مع جمال عبد الناصر في عملية إعادة بناء القوات المسلحة، ثم شاءت الأقدار أن أتحمل مسؤولية استكمال البناء ومسؤولية القيادة العليا لها. إن القوات المسلحة قامت بمعجزة على أعلى مقياس عسكري؛ استوعبت العصر كله تدريباً وسلاحاً بل وعلماً واقتداراً، حين أصدرت لها الأمر أن ترد على استفزاز العدو وأن تكبح جماح غروره، فإنها أثبتت نفسها. إن هذه القوات أخذت في يدها بعد صدور الأمر لها زمام المبادرة، وحققت مفاجأة العدو وأفقدته توازنه بحركاتها السريعة. إن التاريخ العسكري سوف يتوقف طويلاً أمام عملية يوم 6 أكتوبر 1973.
ولست أتجاوز إذا قلت إن التاريخ العسكري سوف يتوقف طويلاً بالفحص والدرس أمام عملية يوم 6 أكتوبر 73 حين تمكنت القوات المسلحة المصرية من اقتحام مانع قناة السويس الصعب، واجتياز خط بارليف المنيع، وعبور الضفة الشرقية من القناة بعد أن أفقدت العدو توازنه. لقد كانت المخاطرة كبيرة والتضحيات عظيمة، لمعركة 6 أكتوبر خلال الساعات الست الأولى من حربنا كانت هائلة، فقد العدو توازنه إلى هذه اللحظة. وإذا كنا نقول ذلك اعتزازاً - وبعض الاعتزاز إيمان - فإن الواجب يقتضينا أن نسجل من هنا، وباسم هذا الشعب وباسم هذه الأمة، ثقتنا المطلقة في قواتنا المسلحة، ثقتنا في قياداتها التي خططت، وثقتنا في شبابها وجنودها الذين نفذوا بالنار والدم."
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض