عادات الزواج في النوبة.. "الموروث" ترصد تحولات التراث العربي بين الذاكرة والتحديث
باقة متنوعة تحملها مجلة "الموروث" الفصلية، المعنية بالتراث العربي والإنساني، والتي تصدر عن معهد الشارقة للتراث، في العدد رقم 43، إذ تحمل بين صفحاتها دراسات وموضوعات تتناول التراث وقضاياه، في حاضره ومستقبله، وتبحث في تحوّلاته وعلاقته بالمجتمع والهوية والذاكرة الثقافية.

وتناول الدكتور عبدالعزيز المسلّم، رئيس تحرير المجلة، أبرز قضايا العدد في مقاله الافتتاحي، مؤكداً أن العدد الجديد يمثل محطة مهمة لاستلهام قيم التراث الثقافي العربي وتفكيكها من خلال مناهج أنثروبولوجية وثقافية وسيكولوجية عميقة.
واستهل رئيس التحرير افتتاحية العدد بنعي خبير التراث والشاعر والباحث البحريني الراحل الأستاذ علي عبدالله خليفة، واصفاً إياه بأنه «كان وراء إنشاء عدد من المؤسسات الثقافية، إلى جانب ما قدمه من دراسات في مجال التراث الخليجي والعربي، حتى غدا خير ممثل لوجه الثقافة البحرينية ومجلته "الثقافة الشعبية" التي رأس تحريرها».
وأضاف المسلم: «خسرنا صوتاً ترك صدى كبيراً في الأوساط الثقافية، ندعو الله له بواسع الرحمة والغفران».

سفينة العراق.. إحياء ذاكرة دجلة والفرات
وفي قسم الدراسات، تنشر المجلة دراسة للباحث منتظر الحسني حول «المشروع الجديد: سفينة العراق»، الذي نهض به أحد رموز الفن التشكيلي العراقي، صاحب الخبرة الطويلة في تراث النهر والقوارب، بهدف إعادة الحياة إلى ميراث مراسي نهري دجلة والفرات، الذي عانى الحيف والإهمال لسنوات طويلة.
ويشير الحسني إلى أن التجربة شارك فيها فريق من الخبراء والحرفيين والمهندسين، لإحياء الموروث الملاحي وصناعة القوارب النهرية في البصرة، التي كانت تتربع على المراسي والشرائع الممتدة على شط العرب، نقلاً وتجارةً منها وإليها.
أفراح النوبة.. الزواج ودورة الحياة بعد التهجير
وفي موضوع آخر، تقودنا الباحثة سمية أحمد في رحلة إلى بلاد النوبة في مصر، للتعرف على متغيرات المكان والزمان وتأثيرهما في البيئة الاجتماعية وعادات الزواج ودورة الحياة لدى النوبيين، وما طرأ عليها من تبدلات إثر التهجير الذي شملهم خلال بناء السد العالي.
وتتوقف الدراسة عند التحولات التي أصابت بعض العادات والممارسات الاجتماعية، في ظل تغير البيئة والمكان وما صاحبهما من تغيرات في أنماط الحياة.
«إمديازن».. فن أمازيغي يقاوم النسيان
ويتناول الباحث الزبير مهداد إرث إحدى الفرق الغنائية الأمازيغية المعروفة باسم «إمديازن»، التي تعرض فنها للنسيان مع حلول الفنون الغنائية الحديثة محلها.
ويعرّف الباحث بالفرقة والأدوات الغنائية التي تستخدمها، كاشفاً عن أهمية هذا اللون التراثي وطرائق الاحتراف التي سلكتها، بما يضيء جانباً من الذاكرة الفنية الأمازيغية التي تواجه تحديات الاندثار.
اللباس التقليدي التونسي.. الجسد في مواجهة الموضة والسوق
وفي دراسة أخرى، تعالج الباحثة وصال العش موضوع «اللباس التقليدي التونسي بوصفه خطاباً اجتماعياً يبرز حضور الجسد»، متتبعة بالتحليل تحولات الموضة والسوق، للكشف عن الدلالات الرمزية للباس المرأة والرجل، وما يحمله الزي التقليدي من معانٍ تتجاوز وظيفته المباشرة إلى التعبير عن الهوية والمكانة الاجتماعية.
حكايات الجنوب.. ذاكرة شعبية في وجدان الطفل
ويقدم الباحث درويش الأسيوطي دراسة يستحضر فيها بعض الحكايات الشعبية الموجهة إلى الطفل شفوياً، والتي عرفتها البيئة المصرية، للكشف عن حمولتها المعرفية والقيمية والأسطورية التي تناقلتها الأجيال، وأسهمت في تماسك الجماعة ووحدة عقلها الجمعي.
وتؤكد الدراسة أن هذا اللون من الحكايات ظل مستمراً، رغم ما شهده المجتمع من تطور تكنولوجي ومتغيرات طالت منظومة الثقافة، فيما توقف الأسيوطي عند حكايتين شفاهيتين جُمعتا ودُوّنتا من جنوب مصر.
«ثقافة الخوف».. كيف رأى الرحالة الغربيون وادي العراق والجزيرة العربية؟
وفي محور رؤية الآخر للموروث، يتعرف القارئ من خلال دراسة الباحث علي عفيفي غازي على «رؤية الرحالة الغربيين للثقافة بوادي العراق وشبه الجزيرة العربية»، حيث يتوقف عند ما سماه «ثقافة الخوف»، محاولاً تحليلها إلى خوف عقلاني وآخر غير عقلاني، والكشف عن دوافع هذا الخوف، وما إذا كان عاطفة فطرية أم أيديولوجية.
كما تتناول الدراسة مظاهر الخوف من الحسد والسحر والشيطان والجن والموت والخسوف، وتتساءل عما إذا كان تفسير الرحالة لهذه المعتقدات موضوعياً، أم شابه الانحياز والتحامل على العادات والتقاليد.
شخصيات الحكاية الشعبية.. مرآة لعقل المجتمع
ويتناول الباحث داود الشويلي في دراسته التطبيقية نصوصاً من الحكايات الشعبية، مركزاً على شخصياتها الفاعلة في فضائها، سواء أكانت شخصيات إنسانية أم غير إنسانية، متابعاً طريقة تناول واضع النص لها، بهدف الحفر في هذه النصوص والكشف عن طريقة تفكير المجتمع الذي كان وراء إنتاجها.
من السرج التقليدي إلى «السرج الذكي»
وفي قسم الدراسات أيضاً، ترصد الباحثة فاطمة بلغيث أشكال التحول في حرفة صناعة السروج في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي عُرفت منذ زمن بعيد، بدءاً من شكلها اليدوي التقليدي وصولاً إلى شكلها التكنولوجي المعروف بـ«السرج الذكي».
وبحسب المقابلات التي أجرتها الباحثة مع الحرفيين القدامى، فإن هذا التحول لا يمثل قطيعة معرفية، بقدر ما يمكن النظر إليه بوصفه امتداداً تحديثياً للذاكرة التراثية التي تحتفظ بالعناصر الرمزية، على حد تعبيرها.
«دق الوشام» و«أحجام».. رحلة الوشم النسائي بين الإمارات والمغرب
وفي دراسة مقارنة، اتخذت الباحثة خديجة البلوشي من تقاليد صناعة الوشم النسائي المعروف بـ«دق الوشام» في اللهجة الإماراتية، ومثيله المعروف بـ«أحجام» في الأمازيغية المغربية، مداراً لدراسة الممارستين الثقافيتين، للتعريف بصناعة الوشم لغةً وامتداداً تاريخياً.
وتتتبع الدراسة مناطق الوشم في الجسد بين الثقافتين، وتفاوت وظائفه، ثم أفول هذه الممارسة في البلدين معاً، لتنتهي إلى عدّهما مصدراً تاريخياً وأنثروبولوجياً مشتركاً، يؤكد وحدة الثقافة العربية في إطارها العام، مع تنوعها في التفاصيل.
الأمثال الشعبية.. العقل الصحراوي في مواجهة البيئة والآخر
واختتمت المجلة ملف الدراسات بدراسة للباحث عبداللطيف محفوظ، تناول فيها مجموعة من الأمثال الشعبية التي سبق أن تناولها الباحثون بوصفها ممثلة للبيئة الصحراوية في المغرب وموريتانيا، في محاولة للكشف عن محدداتها العقلية ذات الخصوصية، وهي تتفاعل مع بيئتها وبيئة الآخر.
«ورقة الأحلام الخوارزمية» و«الرحلة في المنام»
وفي قسم القراءات، يطالع القارئ للباحث عادل العناز كتاب «ورقة الأحلام الخوارزمية»، فيما يتناول الباحث علي العبدان كتاب «الرحلة في المنام»، وهو الباحث المعروف بانشغالاته بهذه العوالم، ليكشف لنا عما انطوت عليه جهود الباحثين القدامى من قيمة معرفية.
ويقدم الباحث سعيد بوعيطة قراءة في كتاب عزيز العرباوي عن التراث الشعبي المغربي، الذي قارب فيه عدداً من عناصر الثقافة الشعبية المغربية التي أسهمت في تكوين الثقافة الوطنية ومنحتها خصوصيتها، ممثلة في فن الحلقة، والأشعار الشعبية، والحكايات الشعبية، والأزجال والأمثال.
شعيب حليفي: فهم السرد العربي لا يكتمل إلا بالنظر إليه في شموليته
وفي ختام العدد، أجرى هشام أزكيض حواراً مع شعيب حليفي، أكد خلاله أن «فهم السرد العربي لا يكتمل إلا إذا نظرنا إليه في شموليته»، في حوار يضيء جوانب من السرد العربي وعلاقته بالتراث والثقافة والذاكرة.
يذكر أن مجلة «الموروث» مجلة فصلية تعنى بالموروث الثقافي، وتصدر عن معهد الشارقة للتراث، ويرأس تحريرها الدكتور عبدالعزيز المسلّم، ومدير التحرير الدكتور صالح هويدي. وتضم الهيئة الاستشارية للمجلة الدكاترة: حمد بن صراي، خالد أبوالليل، خزعل الماجدي، رؤى قداح، زينب قندوز، سعيد يقطين، عبدالحميد بو رايو، عصام واصل، ومحمد حسن عبدالحافظ.
فيما تضم هيئة التحرير الدكاترة: إبراهيم إبراهيم، راشد المزروعي، صابر يحيى، عبدالله يتيم، مبروك بوطقوقة، ويحيى العبالي. ويتولى منير حمود التصميم والإخراج، فيما يتولى بسام عمر التدقيق اللغوي.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







