منذ أن رفع الإنسان رأسه إلى السماء يتأمل إبداع الخالق سبحانه، وهو يحلم بخلق كائن يشبهه، يسمعه ويفهمه ويطيعه، كائن يختلف عنه في التكوين، لا يكلّ ولا يمنّ ولا يؤذي، يعينه على شؤون الحياة دون ضجر، ومن هنا بدأت فكرة الإنسان الآلي، كما ذكرتُ في المقالين السابقين، من أساطير الإغريق، مروراً ببديع الزمان الجزري بعد الميلاد، وصولاً إلى العصر الحديث، ويُعد البريطاني "آلان تورنغ" الأب الروحي للذكاء الاصطناعي حيث طرح ثلاث أفكار غيرت وجه العالم:
الأولى: آلة تورنغ عام 1936، قبل وجود الحاسوب، حيث تخيل آلة نظرية بسيطة جداً بشريط لا نهائي وقلم يقرأ ويكتب، وأثبت أنها تستطيع حساب أي شيء قابل للحساب، وهي فكرة الحاسوب نفسه.
والثانية: اختبار تورنغ عام 1950 في ورقته الشهيرة "هل تستطيع الآلة أن تفكر؟"، فبدلاً من سؤال هل الآلة ذكية، اقترح لعبة: إذا تحاورتَ عبر شاشة مع إنسان وآلة ولم تستطع التمييز بينهما، فالآلة هنا تعد ذكية، وهو أول تعريف عملي للذكاء الاصطناعي.
والثالثة: فكرة التعلم لا البرمجة، حيث قال جملته التي سبقت عصره بسبعين سنة: بدلاً من أن نصنع آلة تحاكي عقل شخص بالغ، لماذا لا نصنع آلة تحاكي عقل طفل ثم نعلمها؟ وهي أساس التعلم الآلي الذي يعمل به الذكاء الاصطناعي اليومK ورغم أنه توفي عام 1954 قبل ظهور مصطلح "الذكاء الاصطناعي" نفسه، إلا أنه لولاه لبقيت الروبوتات مجرد أذرع حديدية تكرر نفس الحركة.
أما اللحظة الرسمية لميلاد هذا العلم فكانت في صيف 1956 في جامعة "دارتموث" الأمريكية، حين اجتمع عشرة علماء من أميركا
ودول أخرى وتم في هذا الاجتماع ابتكار مصطلح
"روبوت"، وبعدها كان أول روبوت صناعي اطلق عليه اسم "يونيميت" عام 1961 وجاء على يد العالمان "جورج ديفول" و"جوزيف إنجلبرجر".
ومثل أي طفل، مر الذكاء الاصطناعي بمراحل حبو وتعثر، ففي الفترة بين 1956-1974 كانت نشوة البداية ببرامج تلعب مع الانسان الشطرنج، وظهر برنامج "إليزا" عام 1966 الذي يحاكي طبيباً نفسياً يتحدث مع المرضى ويستمع لهم ويحاول حل مشاكلهم، ثم بين 1974-1980 جاء شتاء الذكاء الاصطناعي الأول وخيبة الأمل لانقطاع التمويل لاستمرار التطوير على أيدي العلماء والشركات المهتمة بالمجال، وبين عامي 1980-1987 عادت الأنظمة الخبيرة في العالم وأنقذت الشركات التي تطور الذكاء الاصطناعي بملايين الدولارات.
وبين 1987-1993 جاء الشتاء الثاني بهدوء حركة التطوير مرة أخرى، ثم بين 1997-2011 كانت الصحوة، حين هزم برنامج "ديب بلو" بطل العالم في الشطرنج "غاري كاسباروف" عام 1997، وكان البرنامج يعتمد على قوة حسابية هائلة وليس على اتصالاً بالإنترنت لتعذيته بالمعلومات، ومع بداية 2012 حدث الانفجار الحقيقي بفضل التعلم العميق للذكاء الاصطناعي على يد العلماء الثلاثة الكبار: الكندي "جيفري هينتون"، والكندي "يوشوا بنجيو"، والفرنسي "يان لوكون" حيث تمكنوا من تكوين برنامج " ألفا غو" .
وفي 2016 صدم برنامج "ألفا غو" الذي طورته شركة "ديب مايند" الأمريكية العالم بهزيمته البطل الكوري "لي سيدول" في لعبة "غو"، و"غو" لعبة صينية قديمة عمرها 2500 سنة، لوحتها 19×19 نقطة، أي 361 تقاطعاً، يضع كل لاعب حجراً أبيض أو أسود، ومن يحيط بمساحة أكبر يفز، احتمالاتها في تحريك القطع وملء الساحات خلال اللعب أكثر من عدد ذرات الكون وفقا لخبراء اللعبة، لذا تحتاج اللعبة حدساً إنسانياً يستحيل على الآلة امتلاكه، حتى جاءت لحظة برنامج "ألفا غو" ليهزم بطل العالم في اللعبة.
المثير أنه قبل كل هذا، سبقت السينما العلم الحقيقي في عالم الروبوت والذكاء الاصطناعي بالخيال الفني، فهناك أكثر من 185 فيلماً روائياً منذ "متروبوليس" 1927 حتى 2019 ظهر فيها الذكاء الاصطناعي كشخصية أساسية، ويتجاوز العدد 600 عمل إذا أضفنا المسلسلات والأنيمي، ويمكن تقسيم مراحل السينما في هذا الإطار إلى أربعة أجيال:
الجيل الأول هو الخوف البدائي (1927-1970): بدأ بـ "متروبوليس" 1927، ثم فيلم اليوم الذي توقفت فيه الأرض عام 1951 وفيه ظهر الروبوت "غورت"، واعتمدت فكرة الفيلم على الآلة العملاقة التي قد تدمرنا.
الجيل الثاني جيل التمرد (1970-1999): أشهرها فيلم "وست وورلد" عام 1973، والمدمر 1984، "بليد رانر" 1982، "الماتريكس" عام 1999، في كل هذه الأفلام جاءت فكرة الآلة التي اصبحت واعية وتقرر أن الإنسان هو الخطرعليها وتحاول تدمير من خلال حرب شرسة.
بعدها ظهر الجيل الثالث وهو جيل المشاعر، ما بين عامي 2000: 2014، وفيه ظهرت أفلام الذكاء الاصطناعي " إيه آي"، منها فيلم " إكس ماكينا" ، أنا ربوت ، وول -إي ، وفيه تغير وضع الألة من العداء والتمرد ضد الإنسان إلى آلة تحبه، تعشقه، وترتبط مع بعلاقات رومانسية كما يحبها الإنسان .
اما الجيل الرابع من الأعمال الفنية حول الذكاء الاصطناعي هو جيل الواقع منذ عام 2015 وحتى الأن، وفيها ظهر فيلم "ماذا لو حدث غداً"؟
ويبدو في كل هذا أن السينما بشرتنا وحذرتنا وأرعبتنا من الكابوس الذي هرولنا لصناعته " الانسان الألي والذكاء الاصطناعي" قبل ان نصنعه، ولا ننسى كتاب البريطاني ستيوارت راسل "متوافق مع البشرعام 2019، الذي طرح فيه معضلة التحكم في ذكاء قد يتفوق علينا، و طرح أشكالية الذكاء الاصطناعي المتوافق مع الإنسان ومعضلة السيطرة عليه.
وبعد هذا الرصد، نصل للسؤال الأهم: إلى أين وصلنا؟ وهل ستشهد البشرية حرباً بين صانعها ومصنوعها؟الواقع أن الذكاء الاصطناعي الحالي خارق في تخصصه، لكنه محدود، لا يملك وعينا، لكنه يملك ذاكرة لا تنسى وسرعة لا تكل، هو ابننا الذي ورث أفضل ما فينا من علم دون أسوأ ما فينا من تعب ونسيان، يحفظ كتب الطب في ثانية، ويقرأ مليون عقد قانوني في دقيقة، وقد قدم لنا "ألفا فولد" لحل لغز طي البروتينات الذي حير العلماء 50 سنة، وحل بنية 200 مليون بروتين في عام واحد.
لقد أصبحنا نستخدمه في كل مكان: في الطب يشخص السرطان بدقة، وفي التعليم كمعلم خاص لكل طفل، وفي الزراعة كجرار بلا سائق، وفي البنوك كحارس يكشف الاحتيال، وفي الفن يرسم، وفي الأدب يكتب رواية في دقائق، ومع كل هذا، للذكاء الاصطناعي وجه مضيء ووجه مظلم.. وللحديث بقية
فكرية أحمد
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض