أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة أن بناء الإنسان المصري يجب أن يكون محورًا أساسيًا للتنمية، وأن التعليم لا ينبغي أن يقوم على الحفظ وتلقين المعلومات، وإنما على بناء القدرات والمهارات التي تمكن الطالب من التفكير والإبداع والمنافسة.
لكن بين هذه الرؤية الطموحة وما يعيشه الطالب داخل المدرسة، ما زالت هناك فجوة تحتاج إلى مراجعة. فالمناهج تبدو في أحيان كثيرة أكثر ازدحامًا بالمعلومات والواجبات، بينما تتراجع المساحة المتاحة للأنشطة والرياضة والفنون واكتشاف المواهب، وهي عناصر أساسية في بناء شخصية متوازنة وقادرة على الابتكار.
وهنا يمكن لمصر أن تستفيد من تجارب الدول التي حققت نجاحًا تعليميًا، دون أن تنسخ أي نموذج بصورة كاملة.
في فنلندا، التركيز أكبر على الفهم والتعلم والتطبيق، مع منح الطالب مساحة للنشاط والاستكشاف. وفي اليابان، تحظى المدرسة ببناء الشخصية والانضباط والعمل الجماعي إلى جانب المعرفة الأكاديمية. أما كوريا الجنوبية، فقد نجحت في بناء منظومة قوية في العلوم والرياضيات والتكنولوجيا، بينما تقدم ألمانيا نموذجًا مهمًا في التعليم الفني وربطه باحتياجات الصناعة وسوق العمل.
القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس كثرة المعلومات، وإنما ماذا يستطيع الطالب أن يفعل بما تعلمه؟
لذلك فإن الإصلاح الحقيقي في مصر يحتاج إلى إعادة النظر في حجم المناهج، وتقليل الحشو، وتطوير أساليب التقييم، وإعادة الأنشطة إلى قلب العملية التعليمية، مع الاستثمار في المعلم وتدريبه على أساليب التعليم الحديثة.
التحدي ليس أن نُخرج طالبًا يحفظ أكثر، وإنما أن نُخرج طالبًا يفكر أكثر، ويبدع أكثر، ويستطيع حل المشكلات، والعمل مع الآخرين، والتكيف مع عالم يتغير بسرعة.
فمستقبل مصر لن تصنعه الكتب التي حفظها أبناؤنا، وإنما العقول التي تعلموا كيف يفكرون بها. ولن يكون نجاح التعليم في أن يتذكر الطالب الإجابة الصحيحة يوم الامتحان، بل في أن يمتلك القدرة على أن يجد الإجابة عندما يواجه مشكلة حقيقية في الحياة. وكل طفل يدخل مدرسة اليوم هو مشروع عالم، ومبتكر، وطبيب، ومهندس، وفنان، وقائد غدًا؛ ولذلك فإن كل ساعة نقضيها في الحفظ على حساب التفكير، وكل موهبة نهملها لصالح الدرجات، هي فرصة نخسرها من مستقبل مصر. وإذا كنا نريد حقًا بناء الإنسان المصري، فعلينا أن نبني أولًا المدرسة التي تطلق قدراته، لا التي تكتفي بقياس ذاكرته.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض