دراسة تكشف تأثير اللاجئين على سوق العمل فى مصر
أيمن زهري: 330 ألف لاجئ يعملون بالقطاع غير الرسمي.. والهجرة داعم للتنمية
تساؤلات عديدة تدور فى المجتمع حول تأثير وجود اللاجئين والأجانب في مصر على سوق العمل والأجور، ومع تقديرات تتحدث عن وجود نحومن 9 إلى 10 ملايين أجنبي داخل البلاد، وما يرافقها من مخاوف بشأن مزاحمة العمالة المصرية وارتفاع معدلات البطالة بين المصريين.
وفى دراسة هامة حول أثر اللاجئين فى مصر على سوق العمل يقدم الدكتور أيمن زهُري، خبير السكان ودراسات الهجرة وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان رؤيته حول التأثير الفعلي للهجرة واللجوء على الاقتصاد وسوق العمل فى مصر، ويشرح فى حواره مع الوفد الفجوة بين الأرقام المتداولة والواقع الميداني، موضحًا أن تأثير اللاجئين والهجرة لا يمثل «صدمة كلية» لسوق العمل المصري، مع قدرة القطاع غير الرسمي على استيعاب جانب من هذه التدفقات.
1- هناك تصريحات تتحدث عن وجود 9 إلى 10 ملايين أجنبي في مصر، بينما تسجل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين نحو 1.1 مليون لاجئ حتى مارس 2026.. كيف نفهم هذا الفارق؟
الرقم الخاص بـ9 إلى 10 ملايين يشمل غالبًا مختلف غير المصريين الموجودين على الأراضي المصرية، مثل المقيمين والوافدين والطلاب وبعض فئات العمالة، بينما رقم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، البالغ نحو 1.1 مليون، يقتصر على اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين رسميًا، وبالتالي، فالرقمان يقيسان ظاهرتين مختلفتين، وليس ظاهرة واحدة بروايتين مختلفتين. والخلط بينهما هو ما ينتج تضخيمًا غير مقصود في الإدراك العام لحجم «عبء اللجوء» تحديدًا، وليس الهجرة ككل.
2. تشير دراستك إلى أن المشاركة الفعلية للاجئين في قوة العمل المصرية لا تتجاوز نحو 1.1%، بما يعادل قرابة 330 ألف عامل، رغم ذلك، يستمر الانطباع بأن اللاجئين يزاحمون العمالة المصرية ويرفعون البطالة أو يضغطون على الأجور؟
يرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى التركّز الجغرافي والقطاعي. فقد يكون تأثير اللاجئين محدودًا على المستوى القومي، لكنه يصبح أكثر وضوحًا ومرئية في منطقة جغرافية معينة أو داخل سوق عمل محدد، فالمواطن عادةً يقيس ما يراه في محيطه اليومي، وليس من خلال الإحصاءات القومية. ولذلك يمكن أن يبدو التأثير كبيرًا في حي أو نشاط اقتصادي معين، رغم أنه يظل محدودًا عند النظر إلى سوق العمل المصري ككل.
3. ما هى أبرز الأنشطة والمناطق التي يظهر فيها هذا التأثير بشكل أكبر؟
يظهر التأثير بصورة أكبر في بعض أنشطة تجارة التجزئة الصغيرة، والمطاعم والخدمات، وبعض الحرف اليدوية، خاصة في المناطق التي تشهد كثافة أكبر من السكان المهاجرين واللاجئين، ومن أمثلة المناطق التي يمكن ملاحظة هذا التركّز فيها السادس من أكتوبر، وفيصل، وأرض اللواء، والحي العاشر، إلى جانب مناطق أخرى في القاهرة الكبرى والإسكندرية.
4. هل تزاحم العمالة المهاجرة العمالة المصرية فى القطاع غير الرسمي ولماذا ؟
القطاع غير الرسمي يتمتع بقدر من المرونة يسمح له باستيعاب العمالة في أنشطة صغيرة ومتنوعة، مثل تجارة التجزئة والمطاعم والخدمات وبعض الحرف، وهذه المرونة تساعد على إعادة توزيع العمالة داخل هوامش السوق غير الرسمي، بدلًا من حدوث ضغط مباشر ومتماثل على سوق العمل الرسمي. لكن هذا لا يعني تجاهل الحاجة إلى تنظيم القطاع غير الرسمي تدريجيًا، وتحسين نظم البيانات المتعلقة بالعمالة والهجرة، بما يسمح بفهم أكثر دقة لطبيعة هذه التحولات.
5. غالبًا ما يركز النقاش العام على اللاجئين باعتبارهم «عرضًا للعمالة»، بينما يغفل جانبًا آخر يتمثل في كونهم مستهلكين.. كيف ينعكس ذلك على الاقتصاد المحلي؟
هذا سؤال في غاية الأهمية ولا يحظى بالاهتمام الكافي في النقاش العام. عندما نتحدث عن اللاجئين باعتبارهم «عرض عمالة» فقط، فإننا نغفل أنهم في الوقت نفسه مستهلكون فاعلون يضخون أموالًا حقيقية في الاقتصاد المحلي، فاللاجئ يحتاج إلى مسكن، ويدفع إيجارًا، ما ينشط سوق العقارات في مناطق معينة مثل السادس من أكتوبر وفيصل والإسكندرية، كما أنه يشتري الطعام والسلع والخدمات، وهو ما ينعش المطاعم والمحال الصغيرة، وعندما ينشئ اللاجئ نشاطًا تجاريًا، فإنه غالبًا يتعامل مع موردين مصريين، وقد يوظف عمالة مصرية ضمن سلسلة التوريد المرتبطة بهذا النشاط، وبالتالي، فإن الإنفاق الاستهلاكي للاجئين يعود بالنفع على أصحاب الأعمال والعقارات المصريين في هذه المناطق.
6.كيف تستفيد مصر من ملف استضافة اللاجئين في التفاوض مع الشركاء الدوليين للحصول على تمويلات تنموية واستثمارات تخدم المجتمعات المستضيفة؟
أعتقد أن مصر لديها فرصة حقيقية لم تُستغل بالكامل بعد في هذا الملف، وهناك تجارب مقارنة، مثل الأردن ولبنان، في التفاوض مع الاتحاد الأوروبي والمانحين الدوليين، حيث جرى توظيف ملف الاستضافة للحصول على تمويلات تنموية طويلة الأجل تشمل مشروعات للبنية التحتية، وفرص عمل، واستثمارات في المناطق المستضيفة، ومصر، من خلال استضافتها أعدادًا كبيرة من الجنسيات المختلفة دون إقامة مخيمات، لديها سردية يمكن البناء عليها في التفاوض مع الشركاء الدوليين للحصول على استثمارات وتمويلات تنموية حقيقية تخدم المجتمعات المستضيفة نفسها، وليس اللاجئين فقط.
7.هل هناك آثارتنموية للهجرة يمكن الاستفادة منها؟
نعم بالطبع ، وهناك هناك حاجة إلى الانتقال من التركيز على قياس الأعداد والعبء إلى إدارة أنماط الاندماج والاستفادة من الآثار التنموية للهجرة، ويتطلب ذلك تطوير إطار وطني يربط سياسات الهجرة بالخطط التنموية والسكانية، وتحسين نظم البيانات بحيث تميز بوضوح بين مختلف فئات الأجانب، وعلى مستوى سوق العمل، يمكن تفعيل مرصد وطني لمرونة سوق العمل، والعمل على تنظيم القطاع غير الرسمي بصورة تدريجية، ودعم ريادة الأعمال، كما ينبغي توجيه التدخلات إلى المناطق ذات الكثافات المرتفعة من المهاجرين واللاجئين، مثل القاهرة الكبرى، بما يساهم في تطوير البنية التحتية والخدمات، ومن المهم أيضًا الاستفادة من العمالة عالية المهارات في القطاعات التي تعاني نقصًا في العمالة، مثل الصحة والتعليم والتكنولوجيا، من خلال إيجاد آليات لمعادلة الشهادات وتسهيل إجراءات الترخيص، مع ضرورة النظر إلى الهجرة واللجوء من خلال بيانات دقيقة وتصنيف واضح للفئات المختلفة، وعدم اختزال التأثير في أعداد إجمالية لا تعكس بالضرورة الواقع الاقتصادي والميداني، فالتأثير ليس واحدًا على مستوى الجمهورية، وإنما يختلف بحسب المنطقة والقطاع وطبيعة النشاط الاقتصادي. ولذلك فإن إدارة الاندماج، وتنظيم سوق العمل، وتحسين البيانات، ودعم المناطق المستضيفة، يمكن أن تحول الهجرة من ملف يُنظر إليه باعتباره عبئًا فقط إلى عنصر يمكن الاستفادة منه ضمن عملية التنمية.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض