رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

من مكة إلى المدينة.. كيف جسّد العلماء معنى حب الوطن؟

حب الوطن
حب الوطن

تتجلى قيمة الوطن عند العلماء في كونه ليس مجرد مكان يولد فيه الإنسان ويعيش بين جنباته، وإنما هو موطن الكرامة، وميدان العبادة والعمران، ومستقر الذكريات والآمال، وقد كشفت نصوص القرآن الكريم والهدي النبوي عن مكانة الديار في نفوس المؤمنين، وما فطر الله عليه الإنسان من حب موطنه والحنين إليه.

وأكدت وزارة الأوقاف المصرية أن مفهوم الوطن في الفكر الإسلامي يرتبط بالكرامة والأمن والاستقرار والعمران، فالإنسان يعيش في وطنه، ويمارس فيه شعائر دينه، ويتعلم ويعمل ويسهم في بناء مجتمعه، ولذلك ارتبط حب الديار في التراث الإسلامي بمعاني الوفاء والانتماء والإصلاح.

الوطن.. موطن الكرامة والعمران

أوضح علماء الفكر الإسلامي أن الوطن لا يقتصر مفهومه على حدود المكان الجغرافي، وإنما يرتبط بمعانٍ أوسع تتصل بكرامة الإنسان وأمنه واستقراره، فهو المكان الذي يعيش فيه الإنسان آمنًا، ويمارس فيه عبادته، ويسهم في عمارته وإصلاحه.

ومن هذا المنطلق، يمثل الوطن ميدانًا للاستخلاف في الأرض والعمل والبناء وتحقيق النفع للناس، وهو ما يجعل المحافظة عليه وصون مقدراته مسؤولية مشتركة بين أبنائه.

وتبرز قيمة الوطن عند العلماء من خلال النظر إليه باعتباره الحاضنة التي ينشأ فيها الإنسان، ويتلقى فيها العلم، ويقيم علاقاته، ويشارك في بناء مجتمعه، وهو ما تؤكده وزارة الأوقاف في تناولها لمفهوم الوطن باعتباره موطن الكرامة وميدان العمران والبيئة التي تتحقق فيها مصالح الإنسان.

القرآن يبرز مكانة الديار

وتعددت الشواهد القرآنية التي استنبط منها العلماء مكانة الوطن والديار في نفوس البشر، ومن أبرزها قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 66].

وقد جعلت الآية الكريمة الخروج من الديار أمرًا شديدًا على النفس، بما يكشف عن قوة تعلق الإنسان بموطنه وموضع نشأته، ومكانة الديار في وجدانه.

كما قال سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ۝ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: 39-40].

وتكشف هذه الآيات عن أن إخراج الإنسان من دياره بغير حق من صور الظلم، بما يؤكد ما للديار من مكانة في حياة الإنسان، وما يترتب على فقدان الوطن أو الإبعاد عنه من آثار بالغة.

النبي ﷺ وحب الوطن

وضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أروع الأمثلة في الوفاء لموطنه وحبه، فقد روى الإمام الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لمكة المكرمة عند خروجه منها: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلْدَةٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ».

ويكشف هذا الحديث عن عمق تعلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة المكرمة، وحنينه إلى موطنه الذي نشأ فيه، بما يؤكد أن حب الوطن شعور فطري لا يتعارض مع الدين.

وقد أكدت دار الإفتاء المصرية أن حب الوطن والحنين إليه من المعاني التي شهد لها الهدي النبوي، مستشهدة بما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حبه لمكة وحنينه إليها.

دعاء النبي للمدينة يكشف معنى الحنين

ولما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة، دعا الله تعالى أن يحببها إليه، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ»، أخرجه البخاري ومسلم.

ويشير هذا الدعاء إلى طبيعة المشاعر الإنسانية التي يحملها الإنسان تجاه وطنه، فقد انتقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، فأحبها ودعا الله أن يجعل محبتها في قلبه كحب مكة أو أشد.

كما أن هذا الموقف يؤكد أن انتقال الإنسان من وطن إلى آخر لا يعني بالضرورة انقطاع علاقته بموطنه الأول، وإنما قد يظل الحنين إليه حاضرًا في النفس، مع القدرة على الاندماج في الوطن الجديد والإسهام في بنائه.

فرحة النبي ﷺ برؤية جدران المدينة

ومن مظاهر حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمدينة أنه كان يفرح برؤية جدرانها عند عودته من السفر، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ المَدِينَةِ، أَوْضَعَ نَاقَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا»، أخرجه الإمام البخاري.

ويظهر في هذا الموقف النبوي معنى الحنين إلى الوطن، والفرح بالعودة إلى الديار والأهل، وهو ما يؤكد أن تعلق الإنسان بوطنه ليس مجرد ارتباط بالمكان، بل يحمل مشاعر وذكريات ووشائج إنسانية عميقة.

وقد أوردت وزارة الأوقاف هذا الحديث ضمن استدلالها على حب الوطن في الهدي النبوي، إلى جانب حديث النبي ﷺ عن مكة ودعائه للمدينة.

ماذا قال ابن حجر عن حب الوطن؟

وعلى هذا الهدي النبوي سار علماء الأمة، حيث تحدثوا عن مكانة الوطن والحنين إليه، ومن ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في «فتح الباري» تعليقًا على حديث حنين النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، فقال: «وَفِي الحَدِيثِ دَلاَلَةٌ عَلَى فَضْلِ المَدِينَةِ، وَعَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حُبِّ الوَطَنِ وَالحَنِينِ إِلَيْهِ».

وأوضحت دار الإفتاء المصرية أن ابن حجر استدل من الحديث على مشروعية حب الوطن والحنين إليه، وهو ما يجعل ارتباط الإنسان بموطنه معنى له أصل في الهدي النبوي وليس مجرد عاطفة عابرة.

العلماء وحب الديار

ولم يكن حب الوطن والحنين إلى الديار مقصورًا على النصوص والمواقف النبوية، وإنما ظهر كذلك في أقوال العلماء والصالحين الذين عبروا عن شدة تعلقهم بأوطانهم.

فقد أخرج الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» عن الإمام العابد إبراهيم بن أدهم رحمه الله أنه قال: «مَا قَاسَيْتُ فِيمَا تَرَكْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ مُفَارَقَةِ الْأَوْطَانِ».

ويكشف هذا القول عن مقدار ما تمثله الديار من قيمة عاطفية وإنسانية لدى الإنسان، حتى إن مفارقتها قد تكون من أشد ما يقاسيه المرء عند الرحيل عنها.

كما أن ارتباط العلماء ببلدانهم ظهر في نسبهم وأسمائهم، فكان من العلماء من عُرف بالمكي والبغدادي والحمصي والفاسي، وهو ما يعكس حضور المكان والموطن في الذاكرة العلمية والتاريخية للأمة. وقد أشارت دار الإفتاء المصرية إلى هذه الظاهرة عند حديثها عن ارتباط العلماء بأوطانهم.