رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

عزبة شمس الدين: حين تُعري الدراما عُقم النهايات المستعجلة

المتهم البريء
المتهم البريء

​في فجر التاسع والعشرين من ديسمبر لعام 2005، استيقظت عزبة شمس الدين التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا على كابوس دموي فريد من نوعه؛ عشرة أرواح أُزهقت في ثلاثة منازل متقاربة لرجال ونساء وأطفال، ذُبحوا جميعاً بالطريقة ذاتها ومُثّل بجثثهم في مشهد عبثي ومروع.


​وبعد عقدين من الزمان، يعود هذا الجرح الغائر إلى واجهة النقاش العام من بوابة مسلسل «القصة الكاملة.. دراما»، وتحديداً من خلال حكايته المعنونة بـ «ضد مجهول.. الحكاية الناقصة» ؛ لم يقتصر عمل صنّاع المسلسل على استدعاء تفاصيل الجريمة المنسية، بل اختاروا أن يتركوا الشاشة مظلمة بلا قاتل مُسمى، ليضعوا المُشاهد أمام مرآة قاسية تعكس عجزه عن احتمال النقص المعرفي.                                         

 

ومن هنا، يتحول العمل الفني من مجرد سردية جنائية إلى محاكمة فلسفية لآليات العدالة وضغط الرأي العام.


​مسرح الجريمة: عثرات التحقيق والاستعجال القاتل ؛ ​تحت وطأة الصدمة وضغط الرأي العام الذي كان يطالب برأس يُروي غليله، تحركت الأجهزة الأمنية بوتيرة متسارعة. ولم تمضِ سوى أيام معدودة حتى أشارت التحرّيات إلى شاب في السابعة والعشرين من عمره يُقال إنه يعاني اضطرابا نفسيا؛  انتُزع الاعتراف، وأُحيل المتهم إلى محكمة الجنايات في إجراءات تعكس رغبة جامحة في طي الملف بأسرع وقت ممكن.


​غير أن قاعة المحكمة شكّلت مسرحاً لانقلاب جذري؛ فقد برّأت محكمة جنايات المنيا المتهم في سبتمبر 2006، بعد أن تبيّن تناقض اعترافه مع تقرير طبي رسمي أثبت سلامة قواه العقلية، فضلاً عن استحالة ارتكاب شخص واحد لمثل هذه المذبحة المتزامنة في غضون ساعتين ونصف الساعة. وفي 22 ديسمبر 2008، أسدلت محكمة النقض الستار على هذا الفصل برفض طعن النيابة وتأييد البراءة، ليغادر المتهم الوحيد قفص الاتهام، ويبقى الملف خاوياً إلى الأبد.


لتدخل قضية عزبة شمس الدين من خلال منظور و​ظاهرة "الإغلاق المعرفي": حين تبحث العدالة عن خاتمة لا عن حقيقة؛ ​ففي تحليل عميق لمسار القضية، يبرز مصطلح "الإغلاق المعرفي" كعدسة سوسيولوجية ونفسية دقيقة لتفسير ما جرى. فحين تواجه المؤسسات والمجتمع فوضى عارمة وجريمة بهذا الهول، ينشأ جوع جماعي لتفسير مبكر يجمع خيوط الفوضى في رواية واحدة ومريحة.


​التشبث بالفرضية الأولى: تحت ضغط الوقت والمجتمع، يضيق أفق التحقيق مبكراً حول أول فرضية تلوح في الأفق.


​إهدار الوقت الثمين: إن الوقت والجهد اللذين أُنفِقا في ترقيع وتثبيت الرواية الأولى، هما نفس الوقت الذي كان كفيلاً بتفكيك خيوط الجريمة الحقيقية.


​سقوط البدائل: بمجرد انهيار الفرضية الأولى في المحكمة، لم يتبقَّ على الأرض أثرٌ حقيقي يمكن تتبعه، لأن الجهد الحقيقي أُهدر في اتجاه خاطئ.


​علاوة على ذلك، أشار النقاد عقب عرض العمل الفني إلى ثغرة جوهرية أغفلتها التحقيقات الأصلية، تتمثل في إهمال دراسة سِيَر الضحايا أنفسهم والاكتفاء بوصفهم "أناساً طيبين". إن التدقيق في ماضي المجني عليهم يظل المفتاح الأول والأبجدي في أي مقاربة جنائية علمية، وقد أدى استعجال الإغلاق إلى ضياع هذه المفاتيح الثمينة.


​خاتمة: شرف الاعتراف بالعجز


​إن القضية في بني مزار تقدم لنا درساً بليغاً ومؤلماً؛ فبينما كان النظام والشارع بحاجة ماسة إلى "خاتمة" ترضي شهوة اليقين، كاد هذا الاستعجال أن يودي بحياة إنسان بريء.
​إن القيمة الكبرى لعمل فني مثل «ضد مجهول» تكمن في شجاعته للحفاظ على صدق العنوان، ورفضه القاطع لدسّ متهم مزيف في الفراغات القانونية إرضاءً للمنصات والمشاهدين. وتظل جملة «ضد مجهول» أصدق خاتمة عرفتها القضية برمتها؛ فهي اعتراف شجاع بأن العدالة لم تستطع العثور على القاتل، لكنها -على الأقل- رفضت أن تصنع واحداً بريئاً مكانه. ويبقى للضحايا العشرة دَين مؤجل في ذمة الزمن، وأقلّ الوفاء الإنساني تجاههم هو أن نحتمل نقصان حكايتهم، لا أن نكملها بأكذوبة مريحة.