هنرى كيسنجر (٢٧ مايو ١٩٢٣ - ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٣) سياسى ودبلوماسى وخبير استشارى جيوسياسى أمريكى. وهو لاجئ يهودى هرب مع عائلته من ألمانيا النازية عام ١٩٣٨، وأصبح مستشار الأمن القومى فى عام ١٩٦٩، ووزير الخارجية الأمريكى فى عام ١٩٧٣، وبسبب مساهمته الكبيرة فى التفاوض لوقف إطلاق النار فى فيتنام، حصل على جائزة نوبل للسلام عام ١٩٧٣. وكان رائداً فى سياسة الانفراج الدولى مع الاتحاد السوفيتى، ونسق انفتاح العلاقات الأمريكية مع جمهورية الصين الشعبية. وانخرط فيما أصبح يعرف باسم دبلوماسية الوسيط المتنقل فى الشرق الأوسط لإنهاء حرب أكتوبر.
وفى السرد التالى حديث لهنرى كيسنجر عام ١٩٩٦، يقارن بين حضارة الصين وأمريكا:
الصين اليوم مجتمع مختلف تماما عن المجتمع الأمريكى والغربى، ولكى نفهم طريقة تفكيرها، علينا أولا أن ننظر إلى تاريخها الطويل. فالحضارة الصينية تمتد جذورها إلى أكثر من خمسة آلاف عام، وهى فترة زمنية هائلة إذا قورنت بتاريخ الولايات المتحدة الحديثة. وخلال معظم هذه الفترة، لم تكن الولايات المتحدة موجودة أصلا، ولذلك طورت الصين مؤسساتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأدارت شئونها، وخاضت حروبها، وأنشأت مدنها، ونظمت اقتصادها دون أى نصائح أمريكية أو تدخل من قوة غربية حديثة. وقد شهد التاريخ الصينى اثنتين وعشرين أسرة حاكمة، واستمرت بعض هذه الأسر لمئات السنين، سبع من هذه الأسر استمرت لفترة أطول من كامل تاريخ الولايات المتحدة، بينما استمرت ست أسر أخرى تقريبا بقدر تاريخ الولايات المتحدة بأكمله. وهذا وحده يوضح أننا نتحدث عن إيقاع مختلف تماما فى فهم التاريخ والزمن. ففى المجتمعات الغربية، غالبا ما يُنظر إلى الأحداث من خلال العقود والسنوات، بينما يمكن للصينيين أن ينظروا إلى تاريخهم من خلال أسر حاكمة امتدت عبر أجيال متعاقبة. إذا سألت أمريكيا أو أوروبيا متى حدث تاريخى معين، فمن المحتمل أن يعطيك سنة محددة، مثل عام ١٧٧٦ أو ١٩٤٥. وأما إذا سألت صينيا عن فترة تاريخية بعيدة، فقد يخبرك باسم الأسرة الحاكمة التى كانت تحكم فى ذلك الوقت. وبمجرد أن تعرف اسم الأسرة، يمكنك أن تحدد تقريبا الحقبة التى يتحدث عنها، لأن كل أسرة تمثل فترة تاريخية طويلة لها ظروفها السياسية والاجتماعية والثقافية الخاصة. وعندما تسافر داخل الصين، من الصعب أن تتجاهل حجم الدولة وعدد سكانها. فهناك مقاطعات صينية يتجاوز عدد سكان بعضها، سكان دول أوروبية كاملة. وهذا يجعل إدارة البلاد مهمة شديدة التعقيد، خصوصا عندما نتحدث عن مئات الملايين من الناس الذين يعيشون فى مناطق جغرافية واسعة، ولديهم عادات ولهجات وتقاليد واحتياجات اقتصادية مختلفة. ولذلك فإن إدارة شئون أكثر من مليار شخص، مع وجود قدر كبير من التنوع والفردية، تتطلب نظاما إداريا واسعا وقدرة كبيرة على التنسيق بين المركز والمناطق. ومن القصص التى توضح هذه الفكرة اللقاء الشهير بين الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون وماو تسى تونج، فقد بدأ نيكسون الحوار بالإشارة إلى أن تعاليم «ماو» غيّرت حضارة عظيمة. لكن «ماو» أجابه، وفق الرواية المتداولة، بأنه لم يغير حضارة الصين كلها، وإنما غيّر بكين وبعض المناطق المحيطة بها. وبغض النظر عن التفاصيل الدقيقة للرواية، فإن معناها يعكس حجم التحدى الذى واجهته السلطة المركزية فى الصين عبر تاريخها. فالصين ليست مجرد مدينة أو منطقة يمكن أن تصدر إليها الحكومة قرارا وينتهى الأمر. إنها مساحة شاسعة، وسكانها بالمليارات، وتاريخها يمتد عبر آلاف السنين. ولذلك كانت كيفية جعل سلطة الحكومة المركزية تصل فعليا إلى مختلف المناطق، وكيفية تنفيذ القرارات على أرض الواقع، واحدة من أكبر المشكلات التى واجهتها الدولة الصينية عبر تاريخها. وهذا يساعدنا على فهم لماذا تشكلت المؤسسات الصينية وطريقة الحكم فيها ضمن ظروف تاريخية مختلفة تماما عن الظروف التى نشأت فيها الولايات المتحدة والدول الغربية الحديثة. ولهذا السبب، فإن مقارنة التجربة الصينية بالتجربة الأمريكية تحتاج إلى قدر من الحذر، فكل دولة تشكلت داخل ظروف تاريخية وجغرافية وسكانية مختلفة، وما يصلح فى مجتمع صغير نسبيا قد لا يعمل بالطريقة نفسها فى دولة ضخمة. ومن هنا، فإن فهم الصين يتطلب النظر إلى تاريخها الخاص، وليس فقط قياسها وفق المعايير التى نشأت فى مجتمعات أخرى. كما أن تاريخ الصين الطويل شهد فترات من الانقسام والحروب والتغيرات الكبرى، ولذلك بقى الحفاظ على وحدة الدولة وإدارة مناطقها المختلفة تحديًا متكررا عبر القرون.
محافظ المنوفية الأسبق
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض