كيف تُدار جلسات التحكيم العرفي؟ مُحكّم بالغربية يكشف آليات إصدار الأحكام وحدودها (حلقة 1)
لا تخلو الحياة بطبيعتها من الخلافات والمشاكل التي تختلف درجاتها وأشكالها وآليات التعامل معها، بعضها مناوشات عابرة هناك وهناك وتنتهي بكل يسر، والبعض الآخر قد يصل لسفك الدماء ويكون لا مفر من الدخول لساحة القضاء والقانون، وبين هذا وذاك توجد جلسات التحكيم العرفي.
وهناك بعيدًا عن ساحات القضاء وقاعات المحاكم وأقسام الشرطة، تُقام جلسات التحكيم العرفي، التي يحضرها أطراف النزاع ومحكّمون وقضاة عرفيون، وتتفاوت طبيعة القضايا التي تنظرها هذه الجلسات من الخلافات البسيطة وصولًا لجرائم القتل.
وفي الجلسات العرفية، تُدار خصومات عائلية عبر آليات تعتمد على الصلح والتوافق، وتتفاوت فيها الأحكام الصادرة، وقد تصل أحيانًا إلى إصدار أحكام مالية أو قرارات تتعلق بمصير أطراف النزاع، وفي بعض الأحيان تتحول جلسات الصلح إلى مسرح للصراع الذي قد يتطور أحيانًا إلى جريمة.
وللغوص أكثر في كواليس الجلسات العرفية وكيف تدار؟ وآليات إصدار الأحكام وحدودها؟.. التقينا بـ الحاج صالح هواش، محكّم عرفي داخل محافظة الغربية، الذي تحدث عن شهادته وخبرته التي تمتد لأكثر من 10 سنوات فيها، وكشف تفاصيل من داخل هذه الجلسات، بدءًا من تشكيل اللجنة العرفية وتحديد المسؤولية، مرورًا بالمداولة وإصدار الحكم، ووصولًا إلى ما يحدث إذا رفض أحد الأطراف تنفيذ الحكم، كما روى وقائع شهدها بنفسه.

يقول صالح هواش، المحكّم العرفي، إن جلسة الصلح تبدأ بتحديد طلبات أطراف النزاع وطبيعة الخلاف، ثم اتخاذ مجموعة من الإجراءات التي يرى أنها تنظم عمل اللجنة، ومن بين هذه الإجراءات إحضار دفتر شيكات وتوقيعات على شيكات، كضوابط للجلسة وإقرار بعدم وجود أوراق أخرى لديهم لدى اللجنة، وتحرير مستندات تتعلق بالطرفين المختلفين، وتشكيل ما يُعرف بـ"اللجنة العرفية".
آليات إصدار الأحكام العرفية وحدودها
وتحصل اللجنة بحسب هواش، على إقرار من الطرفين بعدم وجود أوراق أو مستندات أخرى لديها تتعلق بالنزاع، وبعد ذلك، تبدأ اللجنة في بحث المسؤولية وتحديد الطرف المخطئ وحجم الضرر أو المسؤولية المالية، وفقًا لما يراه المحكّمون، قائلًا "بنبتدي نشوف مين الغلطان"، ثم يتم تحديد الواقعة أو الجريمة التي ارتكبت، وعلى أساس ذلك تبدأ مرحلة المداولة.
وتنتقل الجلسة من مرحلة الاستماع إلى الأطراف وتحديد المسؤولية إلى مرحلة المداولة، ثم إصدار الحكم، والمداولة تتم من خلال عدد فردي من المحكّمين، مثل 3 أو 5 أو 7 أشخاص، بحسب طبيعة النزاع وعدد المدعين والأطراف المشاركين، لضمان وجود صوت فاصل عند اختلاف الآراء، بحيث يمكن ترجيح رأي على آخر وعدم الوصول إلى حالة تعادل بين أعضاء اللجنة، وفقًا لما بينه هواش للوفد.
إعلان الحكم يتم أمام الحاضرين، وإذا وافق الأطراف على الحكم، يحصل كل طرف على الشيك الخاص به، وتنتهي الإجراءات بعد اعتراف الأطراف بالخطأ وقبول الحكم، وفي حالة رفض تنفيذ الحكم، تتجه اللجنة العرفية إلى رئيس النيابة، ويتم عرض ما جرى في الجلسة، مع تقديم الأوراق والمستندات التي تم تحريرها، وهنا لا تكون الجلسة العرفية لا تكون بالضرورة نهاية المسار.
وفي بعض الأحيان ومع الأحكام المالية، يتم تخفيض جزء من المبلغ بهدف تسهيل التنفيذ على الشخص المحكوم عليه، فإذا انتهت اللجنة إلى الحكم بمبلغ 100 ألف جنيه على أحد الأطراف يتم تخفيضه بما يتناسب مع حالته رأفة به.
ومن بين الوقائع التي حكم فيها هواش، قضية بدأت في إيطاليا، عندما اعتدى شاب مصري من محافظة الغربية على شخص آخر مصري بالمحافظة ذاتها، والمصاب كان يعمل حلاقًا وأن الاعتداء تسبب في إصابة خطيرة للغاية، بينما حصل المعتدي على حكم بالسجن في إيطاليا لمدة 3 سنوات.
لكن القضية لم تتوقف عند العقوبة التي صدرت في إيطاليا، وانتقلت تداعياتها إلى العائلتين في مصر، وهنا عُقدت جلسة عرفية لحقن الدماء بين العائلات، وبالفعل نجحوا في حقن الدماء، وفي واقعة آخرى كان هناك عائلة ذي ثقل وآخرى أقل منها في المكانة، وطُلب منه أن يصدر الحكم لصالح الأقوى، لكنهم رفضوا وحكموا بما يمليه ضميرهم عليهم.
وفي واقعة آخرى طلب منه شابًا فقيرًا التدخل، وقال إن العائلة الأخرى أقوى منه وتطالبه بأن يصدر حكمًا يقضي بترك هؤلاء الأشخاص للبلد، ولكنه رفض هذا الاتجاه، لأن مهمة الجلسات العرفية الحكم بالعدل وليس الظلم، ورفضوا إصدار حكم بتهجيره من بلدته.
ولكن في أحيان آخرى قد يتحول الصلح إلى ظلم، ووفق لشهادته فالجلسات العرفية لا تضمن دائمًا الوصول إلى نتيجة عادلة، إذ يرى أن الأمر يرتبط بدرجة انضباط المحكّمين ونزاهتهم، ويقول إن اللجنة إذا كانت "ناس منضبطة وعندها دين" فلن تنحاز إلى طرف ضد آخر، لأن بعض الأحكام قد تتأثر بقوة أحد الأطراف أو بثرائه.
ولا تقتصر مسؤولية المحكّم، على إصدار الحكم، وإنما قد تصل إلى الانسحاب من الجلسة نفسها إذا رأى أن استمرارها يمكن أن يؤدي إلى مزيد من الخطر أو الظلم، فإذا ظهرت مؤشرات على إطلاق نار أو اشتباك، فإنه يوقف الجلسة، ويعيد لكل طرف الشيكات الخاصة به، ويترك الأمر للجهات الحكومية، وإذا كان النزاع مرتبطًا بثأر قديم بين العائلات، أو شعر أن العائلة الأقوى لا تريد أن تلتزم بحكم عادل، فإنه ينسحب من الجلسة فورًا إذا وجد أن استمرارها ينطوي على ظلم.
وفيما يتعلق بمتى ينتهي دور الجلسة العرفية ويصبح تدخل مؤسسات الدولة ضرورة؟، يؤكد أن الأمر ينتقل إلى النيابة في حالة عدم اتفاق الأطراف، موضحًا أن النيابة تحصل على الأوراق الخاصة باللجنة العرفية وتتعامل معها وفق الإجراءات القانونية، وفي المقابل، فالقضايا التي تنتهي بالاتفاق والصلح داخل الجلسة العرفية لا تصل إلى معرفة الجهات الحكومية بها.
وتكشف شهادة الحاج صالح هواش، المحكم العرفي بالغربية، إن الجلسة العرفية يمكن أن تكون مساحة للصلح واحتواء النزاع، كما يمكن أن تتوقف عندما يرى المحكّم أن استمرارها قد يؤدي إلى اشتباك أو ظلم، وفي الجلسات العرفية يوجد ما يسمى بالصلح الأبيض، وتقوم فكرته على تعويض صاحب المكان بأشياء مماثلة لما تعرض للتلف، دون اصدار أحكام على أي طرف أو تعويضات مالية.
وعن وجود المحامي في الجلسة العرفية يرى أنه ليس ضروريًا في كل جلسة، لكنه يصبح مهمًا عندما يكون النزاع من النوع الذي يصعب حسمه، أو في القضايا الكبيرة التي تتضمن دماء، باعتبار أن وجود المحامي يوفر حماية للأطراف.
وهنا تظل المسألة الأساسية مرتبطة بالحد الفاصل بين الصلح المجتمعي باعتباره محاولة لاحتواء النزاع، وبين القرارات التي تمس حقوقًا أو ملكيات أو حرية أشخاص، وهي أمور لا يكفي وصفها بأنها "أحكام عرفية" دون بحث أساسها القانوني ومدى الاعتداد بها أمام جهات الدولة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض