رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

عمالة الأطفال..

بـ 70 جنيه يومية.. "أحمد" يبني بيوتًا ويهدم طفولته بيديه

بوابة الوفد الإلكترونية

في أحيان كثيرة يكون الكلام على الورق بعيدًا كل البعد عن الواقع الذي نعيشه، وهو ما يعكسه ملف عمالة الأطفال، فيوجد الكثير من مواد القانون والدستور التي تحظر عمالة الأطفال، والتزام مصر باتفاقيات دولية لمكافحة عمالة الأطفال، إلا أن الشارع يؤكد أن عمالة الأطفال موجودة وتتزايد في كل يوم.

فـ ملايين الأطفال في مصر يعملون في مهن لا تصلح لهم ولا تناسب أعمارهم، وتمثل خطرًا على صحتهم الجسدية ومن قبلها الصحة النفسية، فكل يوم عمل لهم بمثابة خطوة لهدم جزء من طفولتهم التي لم يعيشوها، وقد يؤدي عملهم هذا إلى فقدان حياتهم ذات يوم.

وأحمد الطفل الذي لم يتجاوز العقد من عمره، واحد من هؤلاء الملايين، الذين كبروا قبل الأوان، فبدأت لديه حياة المسؤولية في وقت مبكر، فبدلًا من أن يكون مكانه المدرسة أو تمسك يديه كتابًا وقلمًا ويلعب الكرة مع أقرانه، يغوص بين مواد البناء والأسمنت في إحدى قرى محافظة الجيزة.

عمل أحمد وغيره من الأطفال يؤكد أن المشكلة ليست في وجود نصوص تجرم تشغيل الأطفال، ولا في غياب الجهات المكلفة بالرقابة والحماية، ولكنه يطرح أسئلة عدة: ما الذي يحدث عندما يصطدم القانون بالواقع؟ ومن يكتشف الطفل العامل؟ ومن يحاسب صاحب العمل؟ وكذلك: ماذا يحدث للطفل بعد ضبطه؟ هل تنتهي قصته مع العمل ويعود لطفولته أم تستمر مأساته دون جدول؟

أجبرت الظروف أحمد على العمل كـ "صبي محارة" مع أحد جيرانه من أجل توفير احتياجاته الدراسية؛ بسبب ظروفهم المادية الصعبة، بيومية لا تتجاوز الـ 70 جنيهًا مقابل عشر ساعات عمل، وتكمن مهمته في تحضير معجون الأسمنت بالماء بعد نخله بالغربال لتفادي أي شوائب، رغم عدم تمكن يديه الصغيرتين من الإمساك بإحكام لكبر حجم المنخل ولثقل وزنه، إلا أنه بمرور الوقت يصبح أكثر مهارة و"شطارة" بحسب وصفه.

وخطورة عمله تتمثل في إمكانية أن يسبب الأسمنت حروقًا كيميائية في أي جزء من الجسم يلامسه، كالبشرة والعينين، والفم والحلق في حال ابتلاعه، والرئتين في حال استنشاق مسحوقه، إذ يتكون الأسمنت في معظمه من أكسيد الكالسيوم، وعند تفاعله مع الماء، ينتج هيدروكسيد الكالسيوم شديد القلوية، وقد تصل درجة حموضته إلى 12 أو أعلى في غضون دقائق معدودة، وفقًا لموقع مركز مكافحة السموم الأمريكي.

وتحدث بعض أسوأ النتائج عندما يتسرب الأسمنت إلى الأحذية أو القفازات أو الملابس، وبحلول الوقت الذي يدرك فيه الشخص ذلك، قد تكون الحروق الجلدية قد حدثت بالفعل. وكلما طالت مدة بقاء الأسمنت على الجلد، زادت شدة الحرق. وحتى بعد غسل الأسمنت، عادة ما يتفاقم الحرق القلوي قبل أن يتحسن، وفي الحالات الشديدة من حروق الأسمنت الجلدية، قد يمتد الحرق إلى الأنسجة العميقة تحت الجلد، مما يؤدي إلى تلف العضلات وحتى العظام، بحسب موقع مركز مكافحة السموم الأمريكي.

وفي الوقت الذي يوصي فيه موقع مركز مكافحة السموم الأمريكي بضرورة حفظ الأسمنت بعيدًا عن متناول الأطفال والحيوانات الأليفة ونظرهم، يقلبه أحمد الذي لم يكمل عامه العاشر بعد بيديه، في بيئة عمل لا تتوفر فيها من الأساس شروط السلامة والأمان، إذ يوصى بارتداء معدات الوقاية الشخصية المناسبة مثل القفازات والأقنعة والأحذية المناسبة عند العمل مع منتجات الأسمنت.

يقول أحمد للوفد: "في الأول كنت بزعل علشان عاوز ألعب مع أصحابي بدل الشغل والصحيان بدري، بس لما اشتغلت اتعودت على التعب علشان يبقى معايا فلوس أقدر أروح بيها المدرسة".

وفي مارس الماضي، أصدر حسن رداد، وزير العمل، قرارًا وزاريًا رقم 50 لسنة 2026 بشأن تنظيم قواعد تشغيل وتدريب الأطفال وحظر عملهم في المهن الخطرة، ونص القرار على حظر تشغيل الأطفال قبل إتمام مرحلة التعليم الأساسي أو قبل بلوغ سن 15 عامًا، مع السماح بتدريبهم مهنيًا اعتبارًا من سن 14 عامًا وفق ضوابط محددة تكفل حمايتهم وضمان عدم الإضرار بصحتهم أو تعليمهم.

تضمن القرار أيضًا قوائم تفصيلية بالمهن "الخطرة" التي يمنع تواجد الأطفال فيها نهائيًا حفاظًا على سلامتهم الجسدية والنفسية، وأبرزها العمل في المناجم والمحاجر وصناعة الأسفلت والمنسوجات والتعامل مع المواد الكيميائية والنفايات الخطرة، كما حدد القرار بدقة الأوزان والحمولات المسموح للأطفال بحملها بما يتناسب مع قدراتهم البدنية لضمان بيئة عمل آمنة.

أكثر من 1.3 مليون طفل عامل في مصر

أحمد مصيلحي، رئيس شبكة الدفاع عن حقوق الطفل، يرى أن المشرع المصري وضع قانونًا يجرم عمالة الأطفال، دون سن الخامسة عشرة، بل وغلظها، إذ تصل عقوبة رب العمل إلى السجن 5 سنوات في بعض الحالات، إلا أن ذلك لم يحمِ الطفولة من الشقاء والتعرض للمخاطر التي قد تودي بحياتهم.

هناك عدة أسباب تقف عائقًا أمام تطبيق القانون؛ منها الثقافات المجتمعية الموروثة خاصة في كل ما يتعلق بالأطفال والمرأة، فهناك موروث ثقافي منتشر في كثير من المجتمعات خاصة الريفية يحث على ضرورة عمل الطفل لكي يعتمد على ذاته من صغره، وهذا يتطلب وعيًا ثقافيًا، بحسب مصيلحي.

والسبب الثاني يكمن في تعنت موظفي الجهاز الإداري في تطبيق القانون، وهذا يستلزم تدريبًا شاملًا ومستمرًا، حتى يتسنى تفعيل دور إدارات التفتيش عن عمل الأطفال بجميع محافظات مصر، وفقًا لرئيس شبكة الدفاع عن حقوق الطفل.

ولا يمكن إنكار أن الفقر المدقع، الذي تعيشه الكثير من الأسر، من أهم أسباب عمالة الأطفال بل يتربع على رأس الأسباب، فهو أول من يدفع بالأطفال لسوق العمل، وهنا لابد من تطبيق القانون، بصرف معاشات لكل طفل يفقد من يعوله، كما ذكر مصيلحي.

وكان تقرير المسح القومي لعمالة الأطفال في مصر عام 2010، الصادر عن منظمة العمل الدولية بالتعاون مع جهات أخرى، قد قدر العدد بـ 1.8 مليون طفل، بينما قدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عدد الأطفال العاملين بنحو 1.6 مليون طفل (في الفئة العمرية من 12 إلى 17 سنة).

ووفقًا لآخر مسح حكومي شامل أُجري عام 2021، أظهرت البيانات أن هناك نحو 1.3 مليون طفل عامل في مصر، بينهم نحو 900 ألف يعملون في بيئات خطرة.

وتتعامل وزارة العمل مع ملف عمالة الأطفال باعتباره أولوية في منظومة التفتيش وحماية العمال، وتعمل من خلال مفتشي العمل على تكثيف الحملات التفتيشية والتعامل مع المنشآت وأماكن العمل، بما فيها القطاعات التي يصعب الوصول إليها. ورغم صعوبة القطاع غير الرسمي واتساع نطاقه، نعمل بالفعل على استمرار وتكثيف جهود التفتيش، إلى جانب التعاون مع الجهات المعنية والمجتمع المدني، والتوعية بمخاطر تشغيل الأطفال وبالضوابط القانونية لسن التشغيل المسموح به. فالهدف ليس ضبط المخالفة فحسب، وإنما حماية الطفل ومنع استغلاله وضمان حقه في التعليم والنمو الآمن، وفقًا للمستشار عبد الوهاب خضر، المتحدث باسم وزارة العمل، في حديثه للوفد.

وتنص المادة 99 من قانون العمل رقم 12 لسنة 2003، على حظر تشغيل الأطفال من الإناث والذكور قبل بلوغهم سن إتمام التعليم الأساسي أو أربع عشرة سنة أيهما أكبر، كما تنص المادة 100 من القانون نفسه على أن يصدر الوزير المختص قرارًا بتحديد نظام تشغيل الأطفال والظروف والشروط والأحوال التي يتم فيها التشغيل، وكذلك الأعمال والمهن والصناعات التي يحظر تشغيلهم فيها وفقًا لمراحل السن المختلفة.

والعام الماضي أقرت مصر قانونًا جديدًا للعمل، رقم 14 لسنة 2025، يحظر تشغيل الأطفال قبل سن 15 عامًا، مع السماح بالتدريب من سن 14، ومنع تشغيل الأطفال في الأعمال التي تعرض صحتهم أو أخلاقهم للخطر، كما حدد القانون ساعات العمل بست ساعات يوميًا، مع فترات راحة، ومنع العمل الإضافي أو في أيام الراحة، وفي جميع الأحوال، يحظر تشغيل الطفل فيما بين الساعة السابعة مساءً والسابعة صباحًا.