رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

بحثًا عن الربح السريع

ﺳﻔﻬﺎء اﻟﺘﺮﻳﻨﺪ.. ﻣﺠﺮﻣﻮن ﻓﻰ ﺣﻖ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ

بوابة الوفد الإلكترونية

أهدروا منظومة القيم والأخلاق من أجل المال

خبراء: لا بد من إعادة الحياة لـ«قانون العيب» بشكل جديد لحماية المجتمع

السوشيال ميديا فضاء مفتوح لغريبي الأطوار

 

ظاهرة غريبة انتشرت في المجتمع المصري مؤخرًا، وهى ظاهرة «المسخ» شخصيات غريبة يرتدون ملابس أغرب ويتحدثون بطرق أغرب وأغرب، لا يهمهم سوى التريند وافتعال المعارك الكلامية لشد الانتباه وتحقيق الملايين عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
فمن شبيهة زبيدة ثروت، إلى شبيهة ميرفت أمين، وشبيه عبدالحليم حافظ، الذين لا يمتون إليهم بصلة على الإطلاق، وبينهم يوجد كروان مشاكل وغيرهم الكثيرون ممن يبحثون عن الشهرة ولو على حساب الأخلاق، طفوا جميعاً على سطح المجتمع كالطحالب الضارة التي تظهر فوق سطح الماء لتسرق منه الحياة، انتهكوا الأخلاق والقيم من أجل الربح السريع، وأصبحوا نماذج ضارة أهدرت منظومة القيم المجتمعية وجعلت الشباب يفقدون الثقة في قين التعليم والأدب والأخلاق.
من شواطئ الساحل الشمالي ظهر جيل جديد من «أشباه الفنانين» وبلوجرز التيك توك ليصنعوا تريندات قائمة على الإسفاف والألفاظ الصادمة، ليجد المجتمع نفسه وجهًا لوجه أمام ظاهرة مقلقة تحول فيها السقوط القيمى إلى مادة للثراء السريع.
واتسمت هذه الفعاليات بظهور سلوكيات وألفاظ خارجة، وأزياء وأشكال غير مألوفة، ما أدى إلى موجة غضب عارمة وتدخلات حاسمة من الأجهزة الأمنية والنقابات الفنية للتصدي لهذا الابتذال.
ووصلت هذه المظاهر إلى الحرم الجامعي فوجدنا حفلات التخرج التي تحولت إلى ساحات استعراضية للطالبات تخرج عن المألوف الأكاديمي، بعد الاستعانة بمؤثرين لتقديم فقرات راقصة مصحوبة بأغاني مهرجانات ذات كلمات هابطة وتصرفات غير منضبطة.
في البداية قوبلت هذه المشاهد بانتقادات حادة من أولياء الأمور والأساتذة الجامعيين، بينما طالب نواب برلمانيون بوضع ضوابط صارمة ورقابة أخلاقية حاسمة على الفعاليات الطلابية لحماية الهوية والأعراف الجامعية، إلا أنها أصبحت مشاهد معتادة خلال الفترة الأخيرة وانطفأت حدة الغيرة على المبادئ والأخلاق.
تكررت أيضًا وقائع إقامة حفلات ضخمة لصناع المحتوى بمناسبة أعياد ميلادهم فى مطاعم وفنادق شهيرة بالقاهرة والشيخ زايد، والتى تضمنت مظاهر بحبوحة مالية مستفزة ووصلات رقص وبثًا مباشرًا لألفاظ خارجة سببت إزعاجًا للمواطنين.
وأدت هذه الفيديوهات إلى تحرك أمنى سريع أسفر عن ضبط عدد من هؤلاء المؤثرين بتهم نشر الفسق والفجور والاعتداء على القيم الأسرية، وصدرت ضدهم أحكام قضائية رادعة تمثل خطوة لكبح جماح هذه الظاهرة.
خدش الحياء العام
وفى هذا السياق، يوضح الخبير القانوني أحمد زكريا، أن التشريعات الجنائية تعتمد فى كثير من الأحيان على نصوص عامة ومقننة مثل «خدش الحياء العام» أو «الاعتداء على القيم الأسرية للمجتمع»، وهى مصطلحات مرنة تترك للقاضي سلطة تقديرية واسعة لتقييم ما إذا كان الفعل المقدم يخرج عن حدود الإباحة القانونية إلى نطاق التجريم.
ويشير «زكريا» إلى أن القانون لا يمكنه أن يفرض معيارًا أخلاقيًا تفصيليًا لكل سلوك بشرى، ولكنه يضع سقفًا عامًا يحمى النظام العام والآداب، ما يعنى أن غياب النص العقابي المباشر عن تصرف استعراضي معين لا يمنحه بالضرورة مشروعية مجتمعية، بل يضعنا أمام فجوة حقيقية بين ما هو مباح قانونًا وما هو مرفوض وجدانيًا.
وأشار إلى أن المعضلة الحقيقية لا تتوقف عند حدود النصوص القانونية البحتة، بل تمتد لتشمل كيفية حماية المجتمع من تصدير صورة مشوهة عن هويته الثقافية والحضارية عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتابع: عندما تتحول التفاهة والابتذال إلى محتوى يحقق أعلى نسب المشاهدة والأرباح، يتم خلق قدوات وهمية للمراهقين والشباب تكرس لفكرة أن الثراء والشهرة يمكن نيلهما بلا جهد أو قيمة حقيقية.
وشدد الخبير القانوني على أن ما سبق ذكره يتطلب منظومة متكاملة لا تكتفى بالتدخلات الأمنية اللاحقة أو الأحكام القضائية، بل تستدعى تفعيل دور المؤسسات الثقافية والتعليمية والدينية لبناء جدار واقٍ من الوعى النقدي لدى الأجيال الجديدة.
وتابع: كما تحتم الضرورة على منصات الإعلام الرقمي والجهات الرقابية وضع ميثاق شرف حقيقي وتطبيق ضوابط صارمة على الإعلانات والتمويل الرقمي للمحتوى الهابط، حتى لا يتحول الفضاء العام فى مصر إلى مساحة مستباحة تدار بفوضى «التريند» على حساب القيم العليا والذوق العام.
حماية الذوق العام
وفي السياق ذاته، توضح الخبيرة القانونية نهى الجندي، أنّ النصوص العقابية القائمة، مثل جرائم «خدش الحياء العام» أو «الاعتداء على القيم الأسرية»، تعانى فى كثير من الأحيان من عموميتها، ما يجعلها قاصرة عن ملاحقة الأشكال المستحدثة من الابتذال والاستخفاف بالذوق العام التى تُرتكب تحت غطاء «صناعة المحتوى» والتريند.
وأضافت «الجندي» أنّ الكثير من السلوكيات الهابطة والإساءات البصرية واللفظية تتحرك فى مساحة رمادية لا تجد تجريمًا صريحًا يحاسبها، ما يخلق فجوة واسعة بين النصوص القانونية السارية والواقع المجتمعى المؤلم الذى يعانى من سيولة أخلاقية غير مسبوقة.
وعند طرح تساؤل حول الحاجة الملحة لتشريعات جديدة تتناسب مع إفرازات العصر الرقمى، استحضرت الخبيرة القانونية، تجربة «قانون العيب» القديم وجدلياته الواسعة، وكان ذلك القانون التاريخى مرتبطًا بفكرة حماية القيم الأساسية للمجتمع وهيبة الدولة، إلا أنه أُلغى فى فترات سابقة على خلفية جدل سياسى وحقوقى محموم حول مخاوف استخدامه فى تقييد الحريات العامة وحرية التعبير.
وترى نهى الجندى، أن إعادة إحياء «قانون العيب» بحذافيره قد لا تكون هى النموذج الأمثل للتعامل مع معضلة اليوم، نظرًا لتغير طبيعة المجتمعات ووسائل الإعلام، إلا أن الحاجة باتت ملحة ومصيرية لصياغة تشريعات عصرية ومحددة بدقة تجرّم «الابتذال الممنهج» والإساءة المتعمدة للوجدان العام عبر السوشيال ميديا، دون المساس بحرية الإبداع الحقيقى، لحماية الأجيال القادمة من طوفان التفاهة الذى يغرق الفضاء العام.
نجوم التفاهة
تمتد خطورة الحفلات الاستعراضية والظهور الصادم على منصات التواصل الاجتماعى إلى ما هو أبعد من مجرد الإزعاج البصري؛ لتلامس أعماق البنية النفسية للجمهور.
وفى هذا السياق، توضح استشارى العلاقات الأسرية، عبير عبدالله، أن الانجذاب نحو محتوى الإثارة والابتذال يعود إلى آليات «الصدمة البصرية» التى تلبى فضولًا سيكولوجيًا مؤقتًا لدى المتلقى، حيث تفرز الدماغ جرعات سريعة من الدوبامين عند متابعة مشاهد غير مألوفة أو غريبة، مشيرة إلى أن تكرار نقل هذه النماذج عبر المواقع والقنوات يكسر تدريجيًا الحواجز النفسية والأخلاقية، ليتحول المرفوض مجتمعيًا إلى مألوف، بل ويمهد الطريق أمام تحول أصحاب هذه السلوكيات إلى «نجوم» يتم الاحتفاء بهم، لتصل الصدمة الكبرى حين نفاجأ بهم يتصدرون الأعمال الدرامية والساحات الفنية.
وأضافت: على جانب آخر، يتحرك ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الإسفاف» وفق معادلة تجارية بحتة تستغل هذا النهم الجماهيري؛ إذ أصبحت الصدمة والسلوكيات الخارجة وسيلة ذكية وأقصر طريق لجذب الملايين من المشاهدات وتحقيق أرباح مادية خيالية من الإعلانات والتفاعلات الرقمية، ما يكرس لثقافة «الربح السريع بلا مجهود».
ويترك هذا المحتوى آثارًا نفسية بالغة الخطورة على المراهقين والشباب تحديدًا، حيث إن العقل الجمعى للنشء يمر بمرحلة بناء الهوية والبحث عن القدوة، وعندما يرى هؤلاء الشباب أن «التافه» والمبتذل يحققان ثروة وشهرة طائلة، تختل لديهم معايير النجاح الحقيقى ما يؤدى إلى تراجع طموحات التعلم والعمل الجاد، وزيادة معدلات الاغتراب القيمى، وانتشار حالة من السيولة السلوكية بين المراهقين الذين يحاولون تقليد هذه النماذج سعيًا خلف وهم «التريند»، ما ينذر بجيل يعانى من تراجع حاد فى القدرات النقدية والذوق العام.
واستكملت: وسط هذا السیل الهائل من المحتوى السطحى، تبرز الحاجة الملحة إلى وقفة مجتمعية وتربوية جادة لإعادة ضبط بوصلة الوعى العام. إذ لا يمكن مواجهة «اقتصاد الإسفاف» بالاكتفاء بالمنع أو التجريم القانونى فحسب، بل يتطلب ذلك بناء جبهة فكرية وثقافية مضادة تقدم نماذج إيجابية تستحق الاحتفاء.
وتابعت: ينبغى للأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية أن تلعب دورًا محوريًا فى تحصين عقول النشء والشباب، وتكريس مفاهيم النجاح القائم على الجهد والمثابرة لا على صخب «التريند» الرخيص، مشيرة إلى أن حماية الهوية المجتمعية والذوق العام لم تعد رفاهية فكرية، بل هى معركة حتمية لصياغة مستقبل سليم يحمى الأجيال القادمة من الانهيار القيمى، ويضمن بقاء الفن والثقافة ركيزتين أساسيتين لبناء الإنسان وتقدم المجتمع بصورة حقيقية ومستدامة.
تشوهات أخلاقية
وفى قراءة تحليلية واعية لهذه الظواهر، يرى الدكتور محمود السماسيرى، أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة سوهاج، أن هذه الممارسات لا يمكن اعتبارها مجرد «مرح عابر» أو حرية شخصية، بل هى أعراض مرضية وتشوهات أخلاقية متصاعدة تُغذيها خوارزميات المنصات التى تسعى خلف «التريند» وحصد المكاسب المادية الرخيصة على حساب القيم والثوابت. وهنا تحديدًا تبرز المسئولية التاريخية والوطنية للإعلام، باعتبارها خط الدفاع الأول وقاطرة التنوير المسئولة عن تشكيل الوعى الجمعى وعلاج المجتمع من هذه الانحرافات القيمية.
ويؤكد الدكتور السماسيرى، أن دور الإعلام فى هذه المرحلة الحرجة يتجاوز بكثير نقل الأخبار والتغطية السطحية للحدث. فالتغطية التقليدية التى تكتفى بالاستنكار أو الإدانة اللحظية قد تسهم - عن غير قصد فى الترويج لهذه النماذج السلبية ومنحها حجمًا أكبر من حجمها الحقيقى.
وشدد أستاذ الإعلام على ضرورة أن يتحول الخطاب الإعلامى إلى استراتيجية استباقية وعلاجية عميقة تقوم على تفكيك هذه الظواهر، وتعرية زيفها، وبيان أثرها المدمر على عقول النشء والشباب.
وأوضح أن «علاج المجتمع» من هذه التشوهات لا يعنى أبدًا الانغلاق أو مصادرة البهجة، فالمجتمع الحى هو الذى يعرف كيف يفرح بوعى ورقى، مشيرًا إلى أنّ الخلل يكمن فى الخلط المتعمد بين التعبير المشروع عن الفرح والانفلات السلوكى الذى يهدم منظومة الأخلاق العامة.
ويشير أستاذ الإعلام إلى أن وسائل الإعلام مطالبة اليوم بإعادة الاعتبار للقدوة الحقيقية، عبر تسليط الضوء على النماذج الشبابية المضيئة والمشرفة فى مجالات العلم والثقافة والابتكار، بدلًا من ترك الساحة خالية أمام «النجوم المزيفين» الذين يصدرون تفاهاتهم للمجتمع بوصفها بطولات.
ويختتم الدكتور محمود السماسيرى تحليله بالتأكيد على أن الإعلام لا يمكنه خوض هذه المعركة بمعزل عن المؤسسات الأخرى؛ فهناك حاجة ملحة لتكامل حقيقى وفعال يجمع بين المنظومة الإعلامية، والمؤسسات الدينية والتعليمية، والأسرية، والتشريعية.
وتابع: بناء حصانة أخلاقية لدى الشباب يتطلب تضافر الجهود لغرس الانتماء، وحماية عقول الأجيال القادمة من التلوث القيمى الذى تفرضه بعض تطبيقات الفضاء الرقمى، مشيرًا إلى أن حراسة الفضيلة وصيانة الهوية لم تعد ترفًا فكريًا، بل هى ضرورة وجودية لاستقرار المجتمع وتقدمه.