عمالة الأطفال..
أحمد.. انعكاس لطفولة تحترق والثمن 100 جنيه
مئات الآلاف من الأطفال يُحرمون من طفولتهم، وتبدأ لديهم حياة المسؤولية في وقت مبكر بين ورش الحدادة وأعمال النجارة ولهيب النار، وغيرها من المهن التي لا تناسب أعمارهم، ولا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل قد يصل إلى فقدان الحياة نفسها.
وأحمد يحيى، واحدٌ من ملايين الأطفال الذين تجبرهم الحياة على الكد والسعي، لا من أجل الرفاهية والثروة، ولكن من أجل "لقمة العيش"؛ فيبدأ يومه والناس نيام قبل أن تسطع الشمس. لا تعرف قدماه الهزيلتان طريق المدرسة، لكنهما تعرفان جيدًا الطريق إلى الفرن.
عندما يتحدث الطفل أحمد، الساكن بإحدى قرى محافظة الجيزة، يمكن أن تسمع صوت معاناته وهو يقول: "بصلي الفجر وأنزل أقف قدام النار.. أنا مجبر على الشغل ومحتاج له". فالعمل بالنسبة له أصبح أمرًا إجباريًا، فهو السبيل الوحيد لاستمرار حياة الأسرة بعد وفاة الأب، ليجد نفسه بعدها ربَّ لأسرة تتكون من أم و3 أخوات، فحمل على عاتقه مسؤولية أكبر من سنّه التي لا تتخطى العشر سنوات، ويعمل كما ذكر لـ"الوفد" - صبيًا بإحدى الأفران القريبة من بيته، مقابل 100 جنيهٍ يوميًا.
ويقول: "أنا بصحى كل يوم الفجر أصلّي وأنزل على الفرن، ولو اتأخرت صاحب الفرن بيخصملي، أنا لازم أنزل حتى لو عاوز أنام علشان أعرف أجيب أكل ليا ولإخواتي". وحالة أحمد ليست حالة فردية، بل إن الملايين يعيشون الواقع نفسه في مصر بمختلف محافظاتها.
الواقع يخالف القانون..
والقوانين ليست غائبة؛ حيث تلتزم مصر في دستورها والقوانين المعمول بها بمنع عمالة الأطفال، ولكن الواقع يقول غير ذلك، وتظهر الفجوة الحقيقية، وهو ما يؤكد أن المشكلة ليست في وجود نصوص تجرّم تشغيل الأطفال، ولا في غياب الجهات المكلفة بالرقابة والحماية.
وتنص المادة (80) من الدستور المصري لسنة 2014 على تحديد مرحلة الطفولة، بأنه يُعتبر طفلًا كل من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، ومدّ مظلة التعليم الأساسي حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها. وفي العام الماضي أقرت مصر قانونًا جديدًا للعمل برقم 14 لسنة 2025، يحظر تشغيل الأطفال قبل سن 15 عامًا، مع السماح بالتدريب من سن 14، ومنع تشغيلهم في الأعمال التي تعرّض صحتهم أو أخلاقهم للخطر، كما حدد القانون ساعات العمل بست ساعات يوميًا تتخللها فترات راحة، ومنع العمل الإضافي أو في أيام العطلات، وفي جميع الأحوال، يحظر تشغيل الطفل فيما بين الساعة السابعة مساءً والسابعة صباحًا.
ورغم مخاطر عمل أحمد في المخبز وحصار النيران له من كل جانب، إلا أنه بات أمرًا اعتياديًا بالنسبة له، فيحكي: "كنت في الأول بخاف من النار وبتعب من الحر خاصة في الصيف، دلوقتي اتعودت وبقيت أنا كمان المسؤول عن تغيير الأنابيب لوحدي".
وفي أغسطس الماضي، رحل عن عالمنا 8 أطفال، لم يتجاوز عمر أكبرهم 14عامًا، في حادث الدواويس بطريق الإسماعيلية، لم يكن هؤلاء الأطفال في رحلة للترفية في الإجازة الصيفية، بل كانوا في طريقهم للشقاء المتكرر ومعاناتهم اليومية لحصد المانجو مقابل يومية 100 جنيه، بعد تصادم شاحنتين كانتا تقلّان عمالاً زراعيين في محافظة الإسماعيلية، وكان من بين مصابين الحادث كذلك 10أطفال.
تُعرّف الأمم المتحدة عمالة الأطفال بأنها الأعمال التي تثقل كاهلهم، وتهدد حياتهم، وتنتهك حقهم في التعليم. وتُقدّر منظمة "اليونيسيف" عدد الأطفال الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد في مصر بنحو 6.6 مليون طفل، في تقرير لها صادر عام 2025، كما تحتل مصر المرتبة 44 عالميًا في مؤشر حقوق الطفل لعام 2025 من بين 194 دولة.
ومن مخاطر عمالة الأطفال أنها قد تبدو في ظاهرها حلًا لمشكلة الفقر، بينما هي في الحقيقة سبب في إعادة إنتاج الفقر من جيل إلى آخر؛ فالطفل الذي يترك المدرسة أو يذهب إلى الحقل أو المصنع أو الورشة في سن مبكرة، يحصل على دخل محدود في الوقت الراهن، لكنه يخسر جزءًا من فرصته في التعليم والتدريب واكتساب المهارات التي يمكن أن تمنحه مستقبلاً دخلًا أعلى وفرصة عمل أفضل. وبالتالي، فإن الاقتصاد يحصل على عامل صغير منخفض التكلفة اليوم، لكنه يخسر عاملًا أكثر إنتاجية وتأهيلًا في المستقبل، وهي معادلة اقتصادية خاسرة حتى لو حققت لصاحب العمل منفعة مؤقتة، بحسب الدكتور أبو بكر الديب، الخبير الاقتصادي.
فالطفل يعمل لأن الأسرة تحتاج إلى المال في كثير من الحالات، لكن هذا لا يعني أن الحل هو استمرار الطفل في العمل، وإنما معالجة السبب الاقتصادي الذي يدفع الأسرة إلى ذلك؛ فالفقر، وضعف دخل الأسرة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وعدم استقرار العمل للكبار، كلها عوامل تدفع بعض الأسر إلى الاعتماد على دخل أطفالها. ولذلك فإن مواجهة عمالة الأطفال تبدأ من تحسين قدرة الأسرة على الاعتماد على دخل البالغين، وليس فقط من خلال معاقبة صاحب العمل أو الأسرة؛ فكلما ارتفع دخل العامل البالغ وتحسنت فرص العمل أمامه، قلت الحاجة الاقتصادية إلى إرسال الطفل إلى سوق العمل، كما أوضح الديب.
ووفقًا لآخر مسح حكومي شامل أُجري عام 2021، أظهرت البيانات أن هناك نحو 1.3 مليون طفل عامل في مصر، بينهم نحو 900 ألف يعملون في بيئات خطرة. وبحسب أحدث التقارير والإحصاءات الصادرة عن منظمة العمل الدولية واليونيسف لعام 2024، يُعاني ما يقرب من 138 مليون طفل (59 مليون فتاة و78 مليون فتى) من عمالة الأطفال في جميع أنحاء العالم، وهو ما يمثل حوالي 8% من جميع الأطفال؛ 54 مليونًا منهم يعملون في أعمال خطرة من المحتمل أن تضر بصحتهم أو سلامتهم أو أخلاقهم.
وكان تقرير المسح القومي لعمالة الأطفال في مصر عام 2010، الصادر عن منظمة العمل الدولية بالتعاون مع جهات أخرى، قد قدّر العدد بـ 1.8 مليون طفل، بينما قدّر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عدد الأطفال العاملين بنحو 1.6 مليون طفل (في الفئة العمرية من 12 إلى 17 سنة).
وتتعامل وزارة العمل مع ملف عمالة الأطفال باعتباره أولوية في منظومة التفتيش وحماية العمال، وتعمل من خلال مفتشي العمل على تكثيف الحملات التفتيشية والتعامل مع المنشآت وأماكن العمل، بما فيها القطاعات التي يصعب الوصول إليها. ورغم صعوبة القطاع غير الرسمي واتساع نطاقه، نعمل بالفعل على استمرار وتكثيف جهود التفتيش، إلى جانب التعاون مع الجهات المعنية والمجتمع المدني، والتوعية بمخاطر تشغيل الأطفال وبالضوابط القانونية لسن التشغيل المسموح به. فالهدف ليس ضبط المخالفة فحسب، وإنما حماية الطفل ومنع استغلاله وضمان حقه في التعليم والنمو الآمن، وفقًا للمستشار عبد الوهاب خضر، المتحدث باسم وزارة العمل.
وعند ضبط طفل يعمل بالمخالفة للقانون، يتم اتخاذ الإجراءات القانونية المقررة حيال المنشأة أو صاحب العمل المخالف، مع التعامل مع حالة الطفل باعتبارها حالة حماية وليست مجرد مخالفة تفتيشية، والتنسيق مع الجهات المعنية لاتخاذ ما يلزم لحمايته وإبعاده عن العمل المخالف، بحسب خضر.
كما تعمل الوزارة على التوعية بأحكام قانون العمل الخاصة بتشغيل الأطفال، والتأكيد على أن حماية الطفل مسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة وأصحاب الأعمال والمجتمع. وتؤكد وزارة العمل لـ"الوفد" أن مكان الطفل الطبيعي هو المدرسة وليس موقع العمل، وأن مواجهة عمالة الأطفال لا تعتمد على التفتيش والعقوبات فحسب، وإنما على منظومة متكاملة من الحماية الاجتماعية والتعليم والتوعية وتوفير البدائل الآمنة للأسر الأكثر احتياجًا، وهو ما تنفذه الدولة بالفعل من خلال خطط واستراتيجيات مع كافة شركاء العمل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

