15 مليار جنيه فقط حصلتها الحكومة من 600 مليار:
التصالح فى مخالفات البناء..فى عنق الزجاجة
المهلة تنتهى فى نوفمبر ومواطنون ينتظرون الحسم وخبراء يطالبون بالحوكمة
3 ملايين مبنى مخالف وبعض الملفات عمرها 4 سنوات والحل فى الرقمنة
على بُعد أشهر قليلة من انتهاء المهلة الحالية للتصالح فى مخالفات البناء والمقرر استمرارها حتى نوفمبر 2026، ما زال آلاف المواطنين يترقبون مصير طلباتهم بين أروقة الإدارات المحلية والمكاتب الهندسية، وسط تساؤلات عديدة حول حجم ما تم إنجازه فعليًا، وعدد الملفات التى تم قبولها أو رفضها، والأسباب التى تؤدى إلى تعطل بعض الطلبات لسنوات.
فبينما يرى البعض أن قانون التصالح يمثل فرصة لتقنين أوضاع ملايين العقارات وإنهاء ملف ظل يؤرق الدولة والمواطنين لسنوات، يشكو آخرون من بطء الإجراءات، وارتفاع التكلفة، وتعقيدات الدورة المستندية التى تجعل بعض الملفات تدور فى حلقة مفرغة.. ويبقى السؤال الأبرز: من سيتمكن من إنهاء ملفه قبل انتهاء المهلة؟ ومن قد يجد نفسه أمام مفاجآت جديدة؟
فهناك عدد كبير من المواطنين يعيشون تجربة صعبة مع ملف التصالح، حيث يشكون من طول فترة الانتظار وعدم وضوح سبب توقف الطلبات، مطالبين بسرعة الإعلان عن موقف طلباتهم، ووضع جدول زمنى واضح لإنهاء الإجراءات خاصة مع اقتراب نهاية المهلة.
وكشف الدكتور الحسين حسان، خبير التطوير الحضارى والتنمية المحلية، أن حجم مخالفات البناء التى يشملها قانون التصالح يقترب من 3 ملايين مبنى مخالف بالكامل، بالإضافة إلى نحو 196 ألف دور، مؤكدًا أن الأرقام المعلنة بشأن معدلات الإنجاز فى ملف التصالح «غير واقعية» مقارنة بحجم التحديات على أرض الواقع.
وقال حسان فى حديثه لـ«الوفد»، إن الحكومة أعلنت عن استقبال ما يقرب من 2 مليون طلب تصالح، والانتهاء من نحو 1.7 مليون ملف، إلا أن الأزمة الحقيقية -بحسب رؤيته- تكمن فى المراحل الإجرائية الأخيرة، حيث تتنقل الطلبات بين الجهات المختلفة قبل أن تتوقف عند مرحلة استخراج النموذج النهائى بسبب بعض الاشتراطات والإجراءات.
وأضاف أن بعض المواطنين يواجهون تعطيلات بسبب اشتراط موافقة الجار، رغم وجود حالات يكون فيها الضرر أو التعدى متعلقًا بالشارع العام وليس بالعقارات المجاورة، مشيرًا إلى أن هذه الإجراءات تؤدى إلى إطالة أمد إنهاء الملفات.
الصعيد الأكثر تعثرًا فى ملف التصالح، وأوضح خبير التطوير الحضارى أن محافظات الصعيد تعد من أكثر المناطق التى تشهد بطئًا فى إنجاز ملفات التصالح، مستشهدًا بمركز أرمنت بمحافظة الأقصر، الذى وصفه بأنه من المناطق التى تنتشر بها المخالفات بشكل واسع.
وأشار إلى أن أحد أبرز أسباب تعطل الملف يتمثل فى ضعف قدرات الإدارات الهندسية بالمحليات، موضحًا أن إحالة المواطنين إلى المكاتب الهندسية الاستشارية لمراجعة الملفات وفحص سلامة المنشآت يمثل عبئا إضافيًا، وقد يفتح الباب أمام ممارسات غير منضبطة حال غياب الرقابة.
ولفت حسان إلى أن رسوم إنهاء إجراءات التصالح من خلال بعض المكاتب قد تصل إلى 40 ألف جنيه للمواطن الواحد، معتبرًا أن الاعتماد المتزايد على القطاع الخاص فى بعض مراحل الملف أدى إلى فقدان الدولة جزءًا كبيرًا من العوائد المتوقعة من التصالح، والتى قدرها بنحو 600 مليار جنيه.
وأكد أن ملف التصالح يحتاج إلى إعادة تنظيم دور لجان التصالح باعتبارها عنصرًا هندسيًا أساسيًا فى تقييم الطلبات، منتقدًا ما وصفه بـ«بطء الاستجابة» فى بعض المحافظات، مشيرًا إلى وجود ملفات استمرت من 3 إلى 4 سنوات دون الانتهاء منها، وهو ما يسبب خسائر مالية شهرية للمواطنين.
وطالب حسان بضرورة إنشاء منصة رقمية موحدة لإدارة ملف التصالح، بما يضمن سرعة الإجراءات، وزيادة مستوى الشفافية، وتقليل الوقت والتكاليف على المواطنين.
وأوضح أن طبيعة مخالفات البناء تختلف بين المدن الجديدة والمحافظات؛ ففى المدن الجديدة تتركز المخالفات غالبًا فى تغييرات داخلية مثل الأسطح والبروزات واختلاف التنفيذ عن الرسومات الهندسية، بينما تنتشر المخالفات بشكل أكبر فى الوحدات المحلية.
وأشار إلى أن ربط تقنين الأراضى بملف التصالح يمثل تحديًا إضافيًا، مؤكدًا أن «الحوكمة» هى العنصر الحاسم لإنجاح الملف، وأن غيابها أدى إلى اتساع الفجوة فى المحليات وظهور ممارسات سلبية.
وأكد حسان أن ضعف أدوات التنفيذ وعدم معرفة بعض المواطنين بتفاصيل قانون التصالح يحرمهم من الاستفادة الكاملة من مزايا القانون، موضحًا أن تقنين وضع العقار يمنح المواطن سندًا قانونيًا يمكنه من الاستفادة من خدمات متعددة، من بينها إمكانية التعامل الرسمى على العقار والحصول على بعض التسهيلات التمويلية.
وشدد على أن نجاح ملف التصالح يتطلب تكاملًا بين تطوير الإجراءات، ورفع كفاءة الإدارات المحلية، وتطبيق منظومة رقمية تضمن سرعة الإنجاز والرقابة على مراحل التنفيذ.
أزمة العدادات
وفى ذات السياق، نرى أن ملف العدادات الكودية يمثل أحد أكثر الأسئلة المتداولة بين المواطنين، ويؤكد متخصصون أن تركيب عداد كودى لا يعنى بالضرورة تقنين وضع العقار، وإنما يعد إجراءً مؤقتًا لتنظيم توصيل المرافق، بينما يظل التصالح وتقنين الوضع القانونى للعقار هو الطريق للحصول على الوضع الرسمى الكامل وفق الإجراءات المنظمة
وقال الدكتور حمدى عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير استشارى البلديات الدوليه، إن ملف التصالح فى مخالفات البناء يحتاج إلى حسم إدارى وتشريعى، خصوصًا مع اتجاه الحكومة إلى إدخال تعديلات جديدة على قانون التصالح، مؤكدًا أن الهدف يجب أن يكون إغلاق ملف المخالفات القديمة نهائيًا وليس إعادة فتحه كل عدة سنوات.
وأوضح عرفة فى حديث لـ «الوفد» انه يوجد أكثر من 2.007 مليون طلب تصالح، تم الانتهاء من نحو 1.751 مليون منها، بينما يوجد نحو 950 ألف ملف غير مكتمل يحتاج أصحابه إلى استكمال الإجراءات والمستندات.
وأشار عرفه إلى أن البيانات المنشورة لا تقدم حتى الآن رقمًا قوميًّا دقيقًا يفصل بين الملفات المقبولة والمرفوضة، ولذلك لا يجوز اعتبار جميع الملفات المنتهية طلبات مقبولة نهائيًا.
وأكد عرفة أن أكثر أسباب تعطل الملفات ترتبط بـنقص المستندات، وتقارير السلامة الإنشائية، ومراجعة المساحات وطبيعة المخالفة، والحيز العمرانى، وتحديد جهة الولاية، وتعدد الجهات التى تتعامل مع الملف، مشددا على ضرورة تطبيق مبدأ «ملف واحد ومسئول واحد ومدة زمنية محددة»، مع ربط الجهات الحكومية إلكترونيًا، وإبلاغ المواطن بسبب التأخير إلكترونيًا، وعدم مطالبته بمستند تستطيع جهة حكومية أخرى الحصول عليه مباشرة.
وأشار إلى أن قيمة التصالح ليست موحدة، وإنما تختلف وفقًا لموقع العقار وطبيعة المنطقة ونوع المخالفة والمساحة، وتتراوح قيمة مقابل التصالح وفق القواعد القانونية بين 50 و2500 جنيه للمتر المسطح، مع إتاحة التقسيط وفق الضوابط المقررة وقال انه بلغ إجمالى المتحصلات نحو 15.6 مليار جنيه، إلا أن هذا الرقم لا يعنى وجود متوسط موحد لما يدفعه المواطن؛ فالمقابل يختلف بصورة كبيرة من حالة إلى أخرى.
وأضاف أن أبرز المخالفات تشمل البناء دون ترخيص، ومخالفات الرسومات والاشتراطات، وتغيير الاستخدام، ومخالفات الارتفاعات والردود وبعض مخالفات التعلية والأسطح، وفق الحالات التى أجاز القانون التصالح عليها، موضحا أن عدم التقدم للتصالح لا يمنح المبنى المخالف حصانة قانونية، كما أن التصالح ليس متاحًا لكل أنواع المخالفات؛ فهناك حالات لا يجوز التصالح عليها، خصوصًا ما يرتبط بالسلامة الإنشائية أو الحالات المحظورة قانونًا.
وأوضح أن العداد الكودى لا يعنى أن العقار أصبح قانونيًا، كما أن تقديم طلب التصالح لا يؤدى تلقائيًا إلى تحويل العداد إلى قانونى. ويظل التحويل مرتبطًا باستيفاء الاشتراطات والمستندات والموافقات المطلوبة، مع وجود حالات تسمح فيها القواعد بتحويل العداد وفق ضوابط محددة.
وأشار عرفة إلى أن التجارب الدولية تؤكد أن معالجة البناء المخالف لا يجب أن تقوم على العفو المتكرر فقط، وإنما على التسوية القانونية المشروطة بالسلامة الإنشائية والتوافق مع التخطيط العمرانى، ففى فرنسا ترتبط تسوية البناء المخالف بمدى توافقه مع قواعد العمران، بينما شهدت إيطاليا برامج متعددة لتسوية المخالفات، وأظهرت التجربة التركية أهمية عدم اعتبار تسجيل المبنى المخالف دليلًا كافيًا على سلامته الإنشائية.
واختتم عرفة بالتأكيد على أن التعديلات المطلوبة يجب أن تتضمن مدة ملزمة لحسم الطلب، وتوحيد المستندات والإجراءات على مستوى الجمهورية، والربط الإلكترونى بين الجهات، وآلية واضحة للمساءلة عند تجاوز المدد، مشيرا إلى أن نجاح المنظومة لن يقاس بعدد طلبات التصالح فقط، وإنما بقدرتها على إنهاء المخالفات القديمة، ومنع تكرار البناء المخالف، وتحقيق المساواة بين المواطن الملتزم والمخالف، واستعادة الانضباط العمرانى فى مصر.
فلسفة القانون
والتقط أطراف الحديث المهندس خالد المهدى، خبير التقييم العقارى، مشيرا إلى أن فلسفة قانون التصالح فى مخالفات البناء لا تقتصر على تقنين أوضاع العقارات المخالفة فقط، وإنما ترتبط بشكل مباشر بقدرة الدولة على مواجهة الضغوط المتزايدة على شبكات المرافق والخدمات.
وأوضح المهدى فى حديثه لـ«الوفد»، أن زيادة عدد المبانى والأدوار المخالفة تؤدى إلى زيادة الكثافات السكانية داخل المناطق المختلفة، وهو ما ينعكس على المرافق من مياه وكهرباء وصرف صحى وطرق، مؤكدًا أن تحصيل مقابل التصالح يستهدف توفير موارد مالية تساعد فى تطوير ورفع كفاءة هذه المرافق لمواجهة الأعباء الجديدة.
وأشار المهدى إلى أن أكثر المخالفات انتشارًا تتمثل فى زيادة المساحات أو بناء أدوار إضافية بالمخالفة للاشتراطات، وهى مخالفات تؤثر بشكل مباشر على التخطيط العمرانى والطاقة الاستيعابية للمناطق السكنية.
وأضاف أن أحد أبرز أسباب بطء إنجاز ملفات التصالح يتمثل فى وجود عجز كبير فى أعداد المهندسين داخل الإدارات المحلية، ما يؤدى إلى تراكم الطلبات وتأخر مراجعتها وفحصها.
وأوضح أن الحكومة أتاحت للمواطنين الاستعانة بمكاتب استشارية هندسية أو أعضاء نقابة المهندسين للمساعدة فى استكمال الإجراءات، إلا أن الواقع العملى يشير إلى استمرار مشكلة بطء الدورة الإجرائية داخل بعض الجهات.
وأكد خبير التقييم العقارى أن بعض المواطنين ينتظرون فترات طويلة قد تصل إلى 6 أشهر منذ تقديم الطلب، بسبب نقص الكوادر الهندسية القادرة على مراجعة الملفات وإنهاء الإجراءات المطلوبة، وهو ما يستدعى إعادة النظر فى آليات التنفيذ وتسريع دورة العمل داخل الإدارات المختصة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض