منذ سنوات، كنت فى مؤتمر أكاديمى بواشنطن، وجلسنا إلى مائدة العشاء نتحدث عن أمريكا والعالم. وحين دار الحديث عن مستقبل القوة الأمريكية، قلت إننى أرى بالفعل علامات مبكرة على تآكل هيمنتها. ابتسم زميلى فى شيء من الاستبعاد، ورفض الفكرة بثقة مَن يرى أمامه دولة لا تزال جامعاتها ومختبراتها وأساطيلها وعملتها تتصدر العالم.
ولا أذكر إن كنت قد حدثته يومها عن فيلم المخرج الكندى دنى أركان أفول الإمبراطورية الأمريكية (1986) والذى يطرح فكرة تاريخية مفادها أن الإمبراطوريات لا تسقط فقط بسبب غزو خارجي، بل عندما ينكفئ أفرادها على ذواتهم وتصبح الرفاهية والمتعة الفردية هى غايتهم الوحيدة على حساب الصالح العام والروابط الأسرية المستقرة. ومن المفارقات ذات الدلالة أن الولايات المتحدة نفسها شهدت سنة 1960 إقرار أول حبة هرمونية لمنع الحمل فى العالم، وهى «إنوفيد»؛ ابتكار طبى غيّر العلاقة بين الجنس والإنجاب تغييرًا عميقًا، إذ جعل الفصل بينهما ممكنًا على نطاق اجتماعى غير مسبوق.
كنت أفكر فى قاعدة أقدم من أمريكا نفسها: الإمبراطوريات لا تسقط عادة بضربة واحدة. يبدأ الشرخ صغيرًا؛ حين تمتد الذراع أبعد مما يحتمل الجسد، وحين تتضخم القوة العسكرية فيما يزداد العبء الاقتصادي، وحين تصبح الحماية المقدمة للحلفاء حسابًا تجاريًا، والصداقة فاتورة تنتظر السداد.
واليوم يعود السؤال بقوة. ففى عهد الرئيس دونالد ترامب طرحت واشنطن لغة غير مألوفة فى علاقاتها حتى مع أقرب حلفائها. كرر ترامب رغبته فى الحصول على غرينلاند، قبل أن تنتهى المفاوضات الأخيرة إلى اتفاق يوسع الوجود العسكرى الأمريكى هناك من دون نقل السيادة، وفق تأكيد الدنمارك وغرينلاند. وفى علاقته بكندا ظهرت من قبل إشاراته إلى جعلها «الولاية الحادية والخمسين»، بينما تحولت العلاقة فى 2026 إلى صدامات جمركية وتجارية دفعت أوتاوا إلى البحث عن استقلال اقتصادى وتحالفات أوسع قد تنتهى بإنضمام كندا إلى الاتحاد الاوروبي.
وفى أوروبا تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. تضغط واشنطن على حلفاء الناتو لزيادة إنفاقهم العسكري، بينما دفعت الشكوك فى استمرار الالتزام الأمريكى بعض الدول الأوروبية إلى تنويع مصادر سلاحها والتفكير بجدية أكبر فى استقلالها الدفاعي.
ومع ذلك، ينبغى الحذر من كتابة شهادة وفاة مبكرة. فما زالت الولايات المتحدة تملك اقتصادًا هائلًا، وجامعات رائدة، وقوة تكنولوجية وعسكرية وشبكة تحالفات لا نظير لها.
لذلك ربما لا يكون السؤال: هل سقطت الإمبراطورية الأمريكية؟ بل: متى تتحول القوة من مصدر للنفوذ إلى عبء على صاحبها؟ فالإمبراطوريات لا تسمع عادة صوت الشق الأول فى جدارها؛ تسمعه متأخرة، عندما يكون الجدار قد بدأ يميل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض